Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ
Ceux qui ne croient pas dépensent leurs biens pour éloigner (les gens) du sentier d'Allah. Or, après les avoir dépensés, ils seront pour eux un sujet de regret. Puis ils seront vaincus, et tous ceux qui ne croient pas seront rassemblés vers l'Enfer
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - ما كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لا فى الخير ولكن فى الشرور والآثام وتوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ .. ) .روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلُّهم - أى جيشهم المهزوم - إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبى جهل ، وصفوان بن أمية فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأنباؤهم وإخوانهم فى بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بها المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا . ففلعوا . قال : ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - تعالى - ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله . . ) الآية .وروى ابن جرير عن سعيد بن جبرير قال : نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، استأجر يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة ، فقاتل بهم النبى - صلى الله عليه وسلم - :وروى عن الكلبى والضحاك ومقاتل أنها نزلت فى المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش . . . كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر .قال ابن كثير : وعلى كل تقدير فهى عامة وإن كان سبب نزولها خاصا .أى : أن الآية الكريمة تتناول بوعديها كل من يبذل أمواله فى الصد عن سبيل الله ، وفى تأييد الباطل ومعارضة الحق .المعنى : أن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ( يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ) لافى جوه الخير ، وإنما ينفقونها ( لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ) أى : ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول فى الدين الذى يوصلهم إلى رضا الله وغلى طريقه القويم .واللام فى قوله : ( لِيَصُدُّواْ ) لام الصيرورة ، ويصح أن تكون للتعليل؛ لأن غرضهم منع الناس عن الدخول فى دين الله الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، والذى يرونه ديناً مخالفاً لما كان عليه الآباء والأجداد فيجب محاربته فى زعمهم .وقوله : ( فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ . . . ) بيان لما سيؤول إليه أمرهم فى الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة .أى : فيسنفقون هذه الأموال فى الشرور والعدوان ، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم ، لأنهم لم يصلوا - ولن يصلوا - من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون . وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإِذلال فى الدنيا ، لأن سنة الله قد اقتضت أن يجعل النصر فى النهاية لأتباع الحق لالأتباع الباطل .وقوله : ( فَسَيُنفِقُونَهَا ) خبر إن فى قوله ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ . . ) واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط ، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى .وفى تكرير الإِنفاق فى شبه الشرط والجزاء ، إشعار بكمال سوء إنفاقهم ، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم فى خير أو ما يشبه الخير ، وإنما أنفقوها فى الشرور المحضة .وجاء العطف بحرف ( ثُمَّ ) للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم . فهم قد قصوا بنفقتهم الوقوف فى وجه الحق والانتصار على المؤمنين . . ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح ، فقد ذهبت أموالهم سدى ، وغلبوا المرة بعد المرة ، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين .وقوله : ( والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم فى الدنيا .أى : أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة فى الدنيا ، أما فى الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها .
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ
afin qu'Allah distingue le mauvais du bon, et qu'Il place les mauvais les uns sur les autres, pour en faire un amoncellement qu'Il jettera dans l'Enfer. Ceux-là sont les perdants
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : ( لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ) بيان لحكمته - سبحانه - فى هزيمة الكافرين وحشرهم إلى جهنم .وقوله : ( فَيَرْكُمَهُ ) أى : فيجمعه ويضم بعضه يقال : ركم الشئ يركمه ، إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه . وارتكم الشئ وتراكم أى : اجتمع .والمعنى : أنه - سبحانه - فعل ما فعل من خذلان الكافرين وحشرهم إلى جهنم ، ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه ، ليتميز الفريق الخبيث وهو فريق الكافرين ، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين ، فإذا ما تمايزوا جل - سبحانه - الفريق الخبيث منضما بعضه على بعض ، فيلقى به فى جهنم جزاء خبثه وكفره . واللام فى قوله ( لِيَمِيزَ ) متلعقة بقوله ( يُغْلَبُونَ ) أو بقوله ( يُحْشَرُونَ ) ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ما أنفقه الكافرون من أموال للصد عن سبيل الله ، وبالطيب ما أنفقه المؤمنون من أموال لإِعلاء كلمة الله . وعليه تكون اللام فى قوله ( لِيَمِيزَ ) متعلقة بقوله : ( ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) أى : أنه - سبحانه - يميز هذه الأموال بعضها من بعض ، ثم يضم الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض ، فيلقى بها بوأصحابها فى جهنم .والتعبير بقوله - سبحانه - ( فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) تعبير مؤثر بليغ ، لأنه يصور الفريق الخبيث كأنه لشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شئ متراكم مهمل ، يقذف به فى النار بدون اهتمام أو اعتبار .واسم الإِشارة فى قوله : ( أولئك هُمُ الخاسرون ) يعود إلى هذا الفريق الخبيث ، أى : أولئك الكافرون الذين أنفقوا أموالهم فى الصد عن سبيل الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم .
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ
Dis à ceux qui ne croient pas que, s'ils cessent, on leur pardonnera ce qui s'est passé. Et s'ils récidivent, (ils seront châtiés); à l'exemple de (leurs) devanciers
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين . . يوجه - سبحانه - خطابه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم ، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هى العليا ، فيقول - سبحانه - : ( قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) .أى : ( قُل ) يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق بما جاءهم ، من أهل مكة وغيرهم ، قل لهم : ( إِن يَنتَهُواْ ) عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين ( يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ) من كفرهم ومعاصيهم ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) إلى قتالك ويستمروا فى ضلالهم وكفرهم وطغيانهم ، انتقمنا منهم ، ونصرنا المؤمنين عليهم ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) على ذلك .أى : فقد مضت سنة الله - تعالى - فى الأولين ، وسنته لا تتخلف فى أنه - سبحانه - يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته ، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم فى الأرض . وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى بدر ، وكيف أهلك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم .وجواب الشرط لقوله ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) محذوف والتقدير : وإن يعودوا ننتقم منهم .وقوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) تعليل للجواب المحذوف .قال الآلوسى : قوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) أى عادة الله الجارية فى الذين تحزبوا على الأنبياء ، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم . وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة . ونظير ذلك قوله - سبحانه - ( سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا ) فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله - سبحانه - ( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) باعتبار جريانها على أيديهم . ويدخل فى الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر .والآية حث على الإِيمان وترغيب فيه . . واستدل بها على أن الإِسلام يجب ما قبله ، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو وصوم أو إتلاف مال أو نفس . وأجرى المالكية ذلك كله فى المرتد إذا تاب لعلموم الآية . .والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفرهم وعدوانهم ، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة ، وأن تستمروا فى قتالهم حتى تزول صولة الشرك ، وحتى تعيشوا أحرارا فى مبشارة تعاليم دينكم ، دون أن يجرؤ أحد على محاولة فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم . . حتى تصير كلمة الذين كفروا هى السفلى .قال الجمل : وقوله : ( وَقَاتِلُوهُمْ ) معطوف على قوله ( قُل لِلَّذِينَ كفروا ) . ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .وقوله ( فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أى : فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ
Et combattez-les jusqu'à ce qu'il ne subsiste plus d'association, et que la religion soit entièrement à Allah. Puis, s'ils cessent (ils seront pardonnés car) Allah observe bien ce qu'ils œuvrent
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين . . يوجه - سبحانه - خطابه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم ، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هى العليا ، فيقول - سبحانه - : ( قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) .أى : ( قُل ) يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق بما جاءهم ، من أهل مكة وغيرهم ، قل لهم : ( إِن يَنتَهُواْ ) عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين ( يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ) من كفرهم ومعاصيهم ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) إلى قتالك ويستمروا فى ضلالهم وكفرهم وطغيانهم ، انتقمنا منهم ، ونصرنا المؤمنين عليهم ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) على ذلك .أى : فقد مضت سنة الله - تعالى - فى الأولين ، وسنته لا تتخلف فى أنه - سبحانه - يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته ، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم فى الأرض . وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى بدر ، وكيف أهلك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم .وجواب الشرط لقوله ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) محذوف والتقدير : وإن يعودوا ننتقم منهم .وقوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) تعليل للجواب المحذوف .قال الآلوسى : قوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) أى عادة الله الجارية فى الذين تحزبوا على الأنبياء ، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم . وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة . ونظير ذلك قوله - سبحانه - ( سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا ) فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله - سبحانه - ( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) باعتبار جريانها على أيديهم . ويدخل فى الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر .والآية حث على الإِيمان وترغيب فيه . . واستدل بها على أن الإِسلام يجب ما قبله ، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو وصوم أو إتلاف مال أو نفس . وأجرى المالكية ذلك كله فى المرتد إذا تاب لعلموم الآية . .والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفرهم وعدوانهم ، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة ، وأن تستمروا فى قتالهم حتى تزول صولة الشرك ، وحتى تعيشوا أحرارا فى مبشارة تعاليم دينكم ، دون أن يجرؤ أحد على محاولة فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم . . حتى تصير كلمة الذين كفروا هى السفلى .قال الجمل : وقوله : ( وَقَاتِلُوهُمْ ) معطوف على قوله ( قُل لِلَّذِينَ كفروا ) . ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .وقوله ( فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أى : فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ
Et s'ils tournent le dos, sachez alors qu'Allah est votre Maître. Quel excellent Maître et quel excellent Protecteur
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله ( وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد .أى : وإن أعرضوا عن الإِيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان ( فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ ) أى : ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ونصرته ، فهو - سبحانه - ( مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) لأنه لا يضيع من تولاه ، ولا يهزم من نصره .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى رشدهم ، وينتهوا عن كفرهمن وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم . . أما إذا استمروا فى كفرهم ومعاداتهم للح ، فقد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . .أى أن القتال فى الإِسلام شرعه الله - تعالى - من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته .هذا ، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التى تشهد بأن القتال فى الإِسلام إنما شرعه الله - تعالى - لإعلاء كلمته ، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير . . وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقه بالشهادتين . فقال - رحمه الله - : وقوله - تعالى - ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) .روى البخارى عن ابن عمر أن رجلا جاءه - فى فتنة ابن الزبير - فقال له يا أبا عبد الرحمن ، ألا تصنع ما ذكره الله فى كتابه ( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ) الآية . فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلى من أن أعير بالآية التى تقول : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) الآية .فقال الرجل : فإن الله يقول : ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) فقال ابن عمر : " قد فعلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كان الإِسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن فى دينه : إما أن يقتلوه ، وإما أن يوثقوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة " .وعن سعيد بن جبير قال : خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل : كيف ترى فى قتال الفتنة؟ فقال له ابن عمر وهل تدرى ما الفتنة؟ كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس بقتالكم على الملك .وفى رواية أنه قال : قد قالتنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، ويكون الدين لغير الله .ثم قال ابن كثير : وقوله ( فَإِنِ انْتَهَوْاْ ) أى؛ بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه وإن لم تعلموا بواطنهم ( فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ..وفى الصحيح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف ، فقال الرجل لا إله إلا الله ، فضربه فقتله فذكر ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال لأسامة : أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع " بلا إله إلا الله " يوم القيامة؟ فقال : يا رسول الله إنما قالها تعوذا فقال . هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ، قال أسامة : حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ " .