Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ
Et lorsque Nos versets leur sont récités, ils disent: «Nous avons écouté, certes! Si nous voulions, nous dirions pareil à cela, ce ne sont que des légendes d'anciens.»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التى تفوه بها المشركون فقال - تعالى - ( وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين ) .وقد ذكر كثير من المفسرين " أن القائل لهذا القول : النضر بن الحارث؛ فإنه كان قد ذهب إلا بلاد فارس فأحضر منها قصصاً عن ملوكهم . . ولما قدم مكة ووجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن قال للمشركين : لو شئت لقلت مثل هذا ، وكان - صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلس ، جاء بعده النضر فجلس فيه وحدث المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم ، وغيرهم ثم قال : أينا أحس قصصا؟ أنا أو محمد؟ وقد أمكن الله منه يوم بدر ، فقد أسره المقداد بن عمرو ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقه وقال فيه : " إنه كان يقول فى كتاب الله - عز وجل - ما يقول " " .وأسند - سبحانه - قول النضر إلى جميع المشركين ، لأنهم كانوا راضين بقوله ، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية .والأساطير - كما يقول ابن جرير - : جمع أسطر ، لأن واحد الأسطر سطر . ثم يجمع السطر : أسطر وسطور ، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر . وقد كان بعض أهل العربية يقول : واحد الأساطير : أسطورة - كأحاديث وأحدوثة .والمراد بها : تلك القصص والحكايات التى كتبها الكاتبون عن القدامى ، والتى يغلب عليها طابع الخرافة والتخيلات التى لا حقيقة لها .والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادى فى الطغيان ، أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله ( قَالُواْ ) بصفاته ووقاحة : ( قَدْ سَمِعْنَا ) أى : قد معنا ما قرأته علينا - يا محمد - ووعيناه ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ) أى لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذى تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص الأولين وحكاياتهم التى سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله - تعالى - .ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا القرآن - الذى زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله - قد تحداهم فى نهاية المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين .والذى نعتقده أن قولهم هذا ، ما هو إلا من قبيل الحرب النفسية التى كاوا يشنونها على الدعوة الإِسلامية ، بقصد تضليل البسطاء ، والوقوف فى وجه تأثير القرآن فى القلوب ، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين .ولكنهم لم يفلحوا . فإن نور الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة ، ولا يعدم الحق أن يجد له أنصاراً حتى من أعدائه ، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد بن المغيرة فى وصف القرآن الكريم : " إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن اسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر . . وما يقول هذا بشر " .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا . . . ) : نفاجة منهم وصلت تحت الراعدة ، فإنهم لم تيوانوا فى مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة ، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه ، مع فرط أنفتهم ، واستنكافهم أن يغلبوا فى باب البيان خاصة . .
وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ
Et quand ils dirent: «O Allah, si cela est la vérité de Ta part, alors, fais pleuvoir du ciel des pierres sur nous, ou fais venir sur nous un châtiment douloureux»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم تمضى السورة فى حديثها عن رذائل مشركى قريش ، فتحكى لونا عجيبا من ألوان عنادهم ، وجحودهم للحق . فتقول : ( وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) . .وقائل هذا القول : النضر بن الحارث صاحب القول السالف ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا . . . ) ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير .وأخرج البخارى عن أنس بن مالك أن قائل ذلك : أبو جهل بن هشام .وأخرجه ابن جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها لبعض : أأكرم الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء .والمعنى : أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا بإنكار أن القرآن من عند الله ، وأن محمدا قد جاءهم بالحق . . بل أضافوا إلى ذلك قولهم : اللهم إن كان هذا الذى جاء به محمد بن قرآن وغيره وهو الحق المنزل من عندك ، فعاقبنا على إنكاره والكفر به ، بأن تنزل علينا حجارة من السماء تهلكنا . أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا .قال الجمل : قوله : ( هُوَ الحق ) قرأ العامة " الحق " بالنصب على أنه خبر الكون ولفظ ( هُوَ ) للفصل . وقرأ الأعمش وزيد بن على " الحق " بالرفع ووجوهها ظاهر برفع لفظ " هو " على الابتداء ، والحق خبره ، الجملة خبر الكون .وفى إطلاقهم ( الحق ) على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجعله من عند الله؛ تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو المؤمنين .وأل فيه للعهد : أى الحق الذى ادعى محمد أنه جاء به من عند الله .وقوله : ( مِّنَ السمآء ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( حِجَارَةً ) وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيبا لظالمين .قال صاحب الكشاف : وهذا أسلوب من الجحود بليغ . يعن إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر . . ومرادهم نفى كونه حقا ، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا ، فكان تعليق العذاب بكونه حقا ، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال فى قولك : إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء .فإن قلت : ما فائدة قوله ( مِّنَ السمآء ) والأمطار لا تكون إلا منها؟قلت : كأنهم يريدون أن يقولوا : فامطر علينا السجيل وهى الحجارة المسومة للعذاب ، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل .وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ، فقال الرجل : أجهل من قومى قومك ، فقد قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعاهم إلى الحق : ( إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء . . . ) ولم يقولوا : إن كان هذا هو الحق فاهدنا له .ولقد كان هذا الرجل حكيما فى رده على معاوية ، لأنه كان الأولى بأولئك المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه . . ولكن العناد الجامع الذى استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على الإِذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - الذى دعاهم إلى عبادة الله وحده .. وهكذا النفوس عندما تنغمس فى الأحقاد وتتمادى فى الجحود . وتنقاد للأهواء والشهوات ، وتأخذها للأهواء والشهوات ، وتأخذها العزة بالإِثم . ترى الباطل حقا ، والحق باطلا ، وتؤثر العذاب وهى سادرة فى باطلها ، على الخضوع للحق والمنطق والصواب .
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ
Allah n'est point tel qu'Il les châtie, alors que tu es au milieu d'eux. Et Allah n'est point tel qu'il les châtie alors qu'Ils demandent pardon
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم تعقب السورة على هذا الغريب الذى حكته عن مشركى مكة ، فتبين الموجب لإِمهالهم وعدم إجابة دعائهم فتقول : ( وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .أى : وما كان الله مريداً لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب تعذب استئصال وإهلاك ، وأنت مقيم فيهم - يا محمد - بمكة ، فقد جرت سنته - سبحانه - ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب الكافرين .واللام فى قوله ( لِيُعَذِّبَهُمْ ) لتأكيد النفى ، وللدلالة على أن تعذيبهم والرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم غير مستقيم فى الحكمة .والمراد بالاستغفار فى قوله : ( وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) استغفار من بقى بينهم من المؤمنين المستضعفين الذين لم يستطيعوا مغادرة مكة بعد أن هاجر منها النبى - صلى الله عليه وسلم والمؤمنون .أى : ما كان الله مريداً لتعذيبهم وأنت فيهم - يا محمد - ما كان - أيضا - مريداً تعذيبهم وبين أظهرهم بمكة من المؤمنين المستضعفين من يستغفر الله ، وهو الذين لم يستطيعوا مغادرتها واللحاق بك فى المدينة .قالوا : ويؤيد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) أى : لو تميز المؤمنون عن الكافرين لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما .وأسند - سبحانه - الاستغفار إلى ضمير الجميع ، لوقوعه فيما بينهم ، ولتنزيل ما صدر عن البعض منزلة ما صدر عن الكل . كما يقال : قتل أهل بلدة كذا فلانا والمراد بعضهم . ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور : استغفار الكفرة أنفسهم كقولهم : غفرانك . فى طوافهم بالبيت ، أو ما يشبه ذلك من معانى الاستغفار وكأن هذا البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه - سبحانه - يكون مانعا من عذابه ولو كان هذا الطلب صادرا من الكفرة .ويرجع ابن جرير أن المراد بقوله : ( وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) نفى الاستغفار عنهم فقد قال بعد أن ذكر بضعة آراء : وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قول من قال : تأويله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد ، وبين أظهرهم مقيم ، حتى أخرجك من بين أظهرهم ، لأنى لا أهلك قرية وفيها نبيها ، وما كان الله معذبهم وهم يستغرون من ذنوبهم وكفرهم ، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك بل هم مصرون عليه ، فهم للعذاب مستحقون . .قال بعض المحققين : والقول الأول أبلغ لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة .ثم قال : روى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " أنزل الله على أمَانَينِ لأمتى ( وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ ) " الآية . فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة .قال ابن كثير : ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد والحاكم وصححه عن أبى سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن إبليس قال لربه : بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم . فقال الله - تعالى - فبغزتى وجلالى لا أبرح أغفر لهم ما استغفرونى " .
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ
Qu'ont-ils donc pour qu'Allah ne les châtie pas, alors qu'ils repoussent (les croyants) de la Mosquée sacrée, quoiqu'ils n'en soient pas les gardiens, car ses gardiens ne sont que les pieux. Mais la plupart d'entre eux ne le savent pas
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - بعض الجرائم التى ارتكبها المشركون ، والتى تجعلهم مستحقين لعذاب الله ، فقال - تعالى - : ( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) .والمعنى : وأى شئ يمنع من عذاب مشركى قريش بعد خروجك - يا محمد - وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟ إنه لا مانع أبدا من وقوع العذاب عليهم وقد وجد مقتضيه منهم ، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد .فالاستفهام فى قوله ( وَمَا لَهُمْ . . ) إنكارى بمعنى النفى . أى : لا مانع من تعذيب اله لهم وقوله ( وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام ) جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة ، أى : لا مانع يمنع من تعذيبهم : وكيف لا يعذبهم وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام ، ومن زيارته . ومن مباشرة عباداتهم عنده . . ؟ إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه الجرائم .ولقد أوقع الله بهم عذابه فى الدنيا : ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر من قتل صناديدهم ومن أسر وجهائهم .وأما عذابهم فى الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم فى الدنيا .وقوله : ( وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ ) رد على ما كانوا يقولونه بالباطل : نحن ولاة البيت الحرام ، فلنا أن نصد من نشاء عن دخوله ، ولنا أن نبيح لمن نشاء دخوله .أى : إن هؤلاء المشركين ما كانوا فى يوم من الأيام أهلا لولاية البيت الحرام بسبب شركهم وعداوتهم - لله تعالى - رب هذا البيت .وقوله ( إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) بيان للمستحقين لولاية البيت الحرام ، بعد نفيها عن المشركين .أى : إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية البيت الحرام ، وليسوا أهلا لأن يكونوا أولياء لله - تعالى - بسبب كفرهم وجحودهم ، وإنما المستحقون لذلك هم المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بسبب جهلهم وتماديهم فى الجحود والضلال .وقد جاءت جملة ( إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ) مؤكدة بأقوى ألوان التأكيد ، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولا يتهم هم .ونفى - سبحانه - العلم عن أكثر المشركين ، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عناداً وغروراً . أو أن المراد بالأكثر الكل ، لأن للأكثر حكم الكل فى كثير من الأحكام ، كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم .
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ
Et leur prière, auprès de la Maison, n'est que sifflement et battements de mains: «Goûtez donc au châtiment, à cause de votre mécréance!»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان ضلال هؤلاء المشركين وجحودهم فقال : ( وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) .وقال القرطبى ما ملخصه : قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ، فكان ذلك عبادة فى ظنهم .والمكاء : الصفير . يقال مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر .والتصدية : التصفيق . يقال : صدى يصدى تصدية إذا صفق .قال قتادة : المكاء : ضرب بالأيدى ، والتصدية : الصياح .والمعنى : أن هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيقا وتصفيراً ، وهرجا ومرجا لاوقار فيه ، ولا استشعار لحرمة البيت ، ولا خشوع لجلاله الله - تعالى - ، وذلك لجلهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم ، ولحصرهم على أن يسيئوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن ، أو وهو يطوف بالبيت ، أو وهو يؤدى شيئا من شعائر الإِسلام وعباداته . فقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء ليمنعوا الناس من سماعه . قال - تعالى - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم ، فصفر ، وأمال خده وصفق بيديه .وقال مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - صلاته .وعن سعيد بن جبير : كانت قريش يعارضون النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الطواف يستهئزون به ، يصفرون ويصفقون .وقال الفخر الرازى : فإن قيل المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف جاز استثناؤهما من الصلاة؟قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب ، معتقدهم .الثانى : أن هذا كقولك : وددت الأمير فجعل جفائى صلتى . أى : أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هنا .الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له . كما تقول العرب : ما لفلان عيب إلا السخاء . يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له .وقوله : ( فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) وعيد لهم على كفرهم وجحودهم ، واستهزائهم بشعائر الله .أى : فذوقوا - أيها الضالون - العذاب الشديد بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم بالحق الذى جاءكم به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله ،