Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ
Et sachez que, de tout butin que vous avez ramassé, le cinquième appartient à Allah, au messager, à ses proches parents, aux orphelins, aux pauvres, et aux voyageurs (en détresse), si vous croyez en Allah et en ce que Nous avons fait descendre sur Notre serviteur, le jour du Discernement: le jour où les deux groupes s'étaient rencontrés, et Allah est Omnipotent
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة ، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا فى طغيانهم وعدوانهم . . لعد كل ذلك بين - سبحانه - للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التى كثيرا ما تترب على قتال أعدائهم ، فقال - تعالى - : ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ . . . ) .وقوله : ( غَنِمْتُمْ ) من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال : غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشئ قال القرطبى ما ملخصه : الغنيمة فى اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعى ، ومن ذلك قول الشاعر :وقد طوفت فى الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإِيابواعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى - : ( غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ) مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر .وسمى الشرع الواصل من الكافر إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا . فالشئ الذى يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة . ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا .والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع ، وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف . كخراج الأرضين ، وزية الجماجم .والمعنى : الاجمالى للآية الكريمة : ( واعلموا ) - أيها المسلمون - ( أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ) أى : ما أخذتموه من الكفار قهراً ( فَأَنَّ للَّهِ ) الذى منه - سبحانه - النصر المتفرع عليه الغنيمة ( خُمُسَهُ ) أى خمس ما غنمتموه شكرا له على هذا النعمة ( وَلِلرَّسُولِ ) الذى هو سبب فى هدايتكم ( وَلِذِي القربى ) أى : ولأصحاب القرابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم والمراد بهم على الراجح بن هاشم وبنو المطلب .( واليتامى ) وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا .( والمساكين ) وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين .( وابن السبيل ) وهو المسافر الذى نقد ماله وهو الطريق قبل أن يصل إلى بلده .وقوله ( واعلموا ) معطوف على قوله قبل ذلك ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ . . . ) الخ و ( مَا ) فى قوله : ( أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) موصولة والعائد محذوف .وقوله : ( مِّن شَيْءٍ ) بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر .أى : أن ما غنمتموه من شئ سواء أكان هذا الشئ قليلا أم كثيرا ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) .وقوله : ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) خبر مبتدأ محذوف والتقدير : فحكمه أن لله خمسة والجار والمجرور خبر ( أَنَّ ) مقدم ، وخمسة اسمها مؤخر . والتقدير : فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى . . إلخ .وأعيدت اللام فى قوله ( وَلِذِي القربى ) دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم فى سهم النبى - صلى الله عليه وسلم - لمزيد اتصالهم به .وقوله : ( إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله . . . ) شرط جزاؤه محذوف .أى : إن كنتم آمنتم بالله حق الإِيمان ، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ( يَوْمَ الفرقان ) أى يوم بدر ( يَوْمَ التقى الجمعان ) أى : جمع المؤمنين وجمع الكافرين . . إن كنتم آمنتم بكل ذلك ، فاعملوا بما علمتم ، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول .وما أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر .يتناول ما نزل من آيات قرآنية ، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين ، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به فى بدر .وسمى يوم بدر بيوم الفرقان ، لأنه اليوم الذى فرق الله فيه بين الحق والباطل وقوله ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل قصد به بيان أن ما أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التى لا يعجزها شئ فعليهم أن يداموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه وفضله .هذا ، وقد ذكر العلماء عند تفسيره لهذه الآية جملة من المسائل والأحكام من أهمها ما يأتى :1- أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس فيجعل الخمس الأول منها لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، والأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش : للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان .قال ابن كثير : ويؤيد هذا ما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال : أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وهو بوادى القرى ، وهو معترض فرسا فقلت : يا رسول الله ، ما تقول فى الغنيمة ، فقال : لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش ، قلت : فما أحد أولى به من أحد ، قال : لا ، ولا السهم تستخرجه من جيبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم .وقال بعض العلماء : أفادت الآية أن الواجب فى المغنم تخميسه ، وصرف الخمس إلى من ذكره الله - تعالى - وقسمه الباقى بين الغانمين بالعدل ، للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم ، سهم له وسهمان لفرسه . هكذا قسم النبى - صلى الله عليه وسلم الغنائم عام خيبر .ومن الفقهاء من يقول : للفارس سهمان . والأول هو الذى دلت عليه السنة الصحيحة ، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤمنة نفسه وسائسه ، ومنفعة الفارس بن أكثر من منفعة رجلين .ويجب قسمتها بينهم بالعدل ، فلا يحابى أحدا ، لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله وفى صحيح البخارى " أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم "ذهب جمهور العلماء إلى ان المقصود بإِيتاء لفظ الجلالة فى قوله ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) : التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة وعلى الامتثال والطاعة له - سبحانه - .وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله - تعالى - ، فإنه سبحانه - له الدنيا والآخرة ، وله ما فى السماوات وما فى الأرض وما بينهما .وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على خمسة أقسام : للرسول ، ولذى القربى واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل .ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام ، عملا بظاهر الآية ، وأن سهم الله - تعالى - يصرف فى وجوه الخير ، أو يؤخذ للكعبة .وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب من قال : قوله ( فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) افتتاح كلام ، وذلك لاجتماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم . ولو كان لله فيه سهم - كما قال ابو العالية - لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم . وإنما اختلف أهل العلم فى قسمه على خمسة فما دونها .فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا غير الذى ذكرناه من الخبر عن أبى العالية . وفى إجماع من ذكرت - الدلالة الواضحة على ما اخترناه .وسهم النبى - صلى الله عليه وسلم - جعله الله - تعالى - له فى قوله ( وَلِلرَّسُولِ ) كان مفوضا إليه فى حياته ، يتصرف فيه كما شاء ، ويضعه حيث يشاء .روى الإِمام أحمد " أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت : يا عبادة ، ما كلمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة كذا وكذا فى شأن الأخماس؟ فقال عبادة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فى غزوهم إلى بعير من المقسم . فلما سلم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتناول وبرة فقال : إن هذه من غنائمكم ، وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا فإن الغلو نار وعار على أصحابه فى الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس فى الله تبارك وتعالى القريب والبعيد ، ولا تبالوا فى الله لومة لائم ، وأقيموا الحدود فى الحضر والسفر ، وجاهدوا فى سبيل الله ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة . ينجى الله به من الغم والهم " ، قال ابن كثير : هذا حديث حسن عظيم .وروى أبو داود والنسائى " عن عمور بن عبسة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم إلى بعير من الغنم ، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ولا يحل لى من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس ، والخمس مردودة عليكم " .هذا بالنسبة لسهمه - صلى الله عليه وسلم - فى حياته ، أما بعد وفاته ، فمنهم من يرى : أن سهمه - صلى الله عليه وسلم - يكون لمن يلى الأمر من بعده . روى هذا عن أبى بكر وعلى قتادة وجماعة . .ومنهم من يرى أن سهمه - صلى الله عليه وسلم - يصرف فى مصالح المسلمين . روى ابن جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الكراع والسلاح .ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف : ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال : والصواب من القول فى ذلك عندنا : ان سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مردود فى الخمس ، والخمس مقسوم على أربعة اسهم على ما روى عن ابن عبسا : للقرابة سهم ، ولليتامى سهم ، وللمساكين سهم ، ولابن السبيل سهم ، لأن الله - تعالى - أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات ، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين . وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم ، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم ، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم . .4- المراد بذى القربى - كما سبق أن أشرنا - بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح . وعليه فإن السهم المخصص لذى القربى لا يصرف إلى لهم .قال القرطبى ما ملخصه : اختلف العلماء فى ذوى القربى على ثلاثة أقوال :أولها : أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب . " قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد . . لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلق قال : " إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك بين أصابعه " أخرجه البخارى والنسائى .ثالثها : أن المراد بهم بنو هاشم خاصة . قاله مجاهد وعلى بن الحسين . وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وغيرهم .وقال الآلوسى : وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خمسة أسهم سهم له - صلى الله عليه وسلم - للمذكورين من ذوى القربى ، وثلاثة أسهم للاصناف الثلاثة الباقية .وأما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فسقط سهمه . . وكذا سقط سهم ذوى القربى ، وإنما يعطون بالفقر ، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم ، ولا حق لأغنيائهم ، لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة . .ثم قال : ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخمسه ، وأنه مفوض إلى رأى الإِمام .- أى انهم يرون أن خمس الغنيمة يجعل فى بيت المال فينفق منه على ما ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الأمام من مصلحة المسلمين ، وكأنهم يرون أن هذه الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال ، وأنها من باب الخاص الذى قصد به العام ، بينما يرى غيرهم أن هذه الاصناف من باب الخاص الذى قصد به الخاص .ثم قال : ومذهب الإِمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية ، إلا أنهم قالوا : إن سهم الله - تعالى - ، وسهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذوى القربى الكل للإِمام القائم مقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - أما الاسهم الثلاثة الباقية فهم لليتامى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - وسهم لمساكينهم ، وسهم لآبناء سبيلهم ، لا يشركهم فى ذلك غيرهم .رووا ذلك عن زين العابدين ، ومحمد بن على الباقر .ثم قال : والظاهر أن الاسهم الثلاثة الأولى التى ذكروها اليوم تخبأ فى السرداب ، إذ القام مقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد غاب عندهم فتخبأ له حتى يرجع من غيبته . .هذا ، ومن كل ما سبق نرى أن أكثر العلماء يرون أن خمس الغنيمة يقسم إلى خمسة أقسام ، ومنهم من يرى أنه يقسم الى ستة أقسام ، ومنهم من يرى أنه لا يلزم تقسيمه إلى خمسة أقسام أو الى ستة ، وإنما هو موكول إلى نظر الإِمام واجتهاده . . ومنهم من يرى غير ذلك ، ولكل فريق أدلة المبسوطة فى كتب الفروع .5- ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى مطلع السورة ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال . . . ) أن المراد بالأنفال : الغنائم وعليه تكون الآية التى معنا وهى قوله ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) مفصلة لما أجملته الآية التى فى مطلع السورة .أى أن الآية التى فى مطلع السورة بينت أن الأمر فى قسمة الانفال مفوض إلى الله ورسوله ، ثم جاءت الآية التى معنا ففصلت كيفية قسمة الغنائم حتى لا يتطلع أحد إلى ما ليس من حقه .وهذا أولى من قول بعضهم : إن الآية التى معنا نسخت الآية التى فى مطلع السورة : لأن النسخ لا يصار إليه عند التعارض وهنا لا تعارض بين الآيتين .6- الآية الكريمة أرشدت المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يخلصوا فى طاعتهم لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن يجعلوا غياتهم من جهادهم إعلاء كلمة الله ، لكى يكونوا مؤمنين حقا .ويشعر بهذا الإِرشاد تصديره - سبحانه - الآية بقوله : ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ) كما يشعر به قوله - تعالى - ( إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان . . ) ، فإن كل ذلك فيه معنى الحض على إخلاص النية لله - تعالى - والامتثال لحكمه ، والمداومة على شكره ، حيث منحهم - سبحانه - هذه النعم بفضله وإحسانه .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : بم تعلق قوله ( إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله ) : قلت بمحذوف يدل عليه قوله ( واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ) والمعنى : إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به ، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة . ولس المراد بالعلم المجرد ، ولكنه العلم المضمن بالعمل ، والطاعة لأمر الله - تعالى - ، لأن العلم المجرد يستوى فيه المؤمن والكافر .هذه بعض المسائل والأحكام التى استنبطناها من الآية الكريمة ، وهناك مسائل وأحكام اخرى تتعلق بها ذكرها بعض المفسرين فارجع إليه إن شئت .
إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
Vous étiez sur le versant le plus proche, et eux (les ennemis) sur le versant le plus éloigné, tandis que la caravane était plus bas que vous. Si vous vous étiez donné rendez-vous, vous l'auriez manqué (effrayés par le nombre de l'ennemi). Mais il fallait qu'Allah accomplît un ordre qui devait être exécuté, pour que, sur preuve, pérît celui qui (devait) périr, et vécût, sur preuve, celui qui (devait) vivre. Et certes Allah est Audient et Omniscient
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله وحكمه فى غزوة بدر ، فبين الأماكن التى نزل فيها كل فريق ، كما يبن الحكمة فى لقاء المؤمنين والكافرين على غير ميعاد ، والحكمة فى تقليل كل فريق منهما فى عين الآخر . . فقال تعالى : ( إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ . . . تُرْجَعُ الأمور ) .قوله : ( إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا ) بدل من قوله ( يَوْمَ الفرقان ) أو معمول لفعل محذوف . والتقدير : اذكروا .والعدوة - مثلثة العين - جانب الوادى وحافته . وهى من العدو بمعنى التجاوز سميت بذلك لأنها عدت . . - أى منعت - ما فى الوادى من ماء ونحوه أن يتجاوزها .والدنيا : تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب . والقصوى : تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد والركب : اسم جمع لراكب ، وهم العشرة فصاعدا من راكبى الإِبل .قال القرطبى : ولا تقول العرب : ركب إلا للجماعة الراكبى الإِبل . .والمراد بهذا الركب : أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة ، فلما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرها ، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته ، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - ( كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق . . ) والمعنى : اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر ، فسرتم إلى أن كنتم ( بِالْعُدْوَةِ الدنيا ) أى : بجانب الوادى وحافته الأقرب الى المدينة ، وكان اعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير ( بالعدوة القصوى ) أى : بالجانب الآخر الأبعد من المدينة ، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس العير ( أَسْفَلَ مِنكُمْ ) أى : فى مكان أسفل من المكان الذى أنتم فيه ، بالقرب من ساحل البحر الأحمر ، على بعد ثلاثة أميال منكم .قال الجمل : قوله ( والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ ) الأحسن فى هذه الواو ، والواو التى قبلها الداخلة على ( هُم ) أن تكون عاطفة ما بعدها على ( أَنتُمْ ) لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال ، واسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر ، وهو فى الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف . أى : والركب فى مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر . .وقال الإِمام الزمخشرى - رحمه الله - فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت ، وذكر مراكز الفريقين ، وأن العير كانت أسفل منهم؟ .قلت : الفائدة فيه الإِخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو ، وتكامل عدته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين ، والتياث أمرهم ، وأن غلبتهم فى هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته .وذلك أن العدوة القصوى التى أناخ بها المشركون ، كان فيه الماء ، وكانت أرضا لا بأس بها . ولا ماء العدوة الدنيا ، وهى خبار - أى أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة .وكانت العير وراء ظهور العدو ، مع كثرة عددهم ، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم ، وتشحذ فى المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم فى القتال .وفيه تصوير ما دبر - سبحانه - من أمر غزوة بدر ( لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) ومن إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين فى الخروج ، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم ، فنفروا لمنعوا عيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ، وراءهم العير يحامون عليها ، حتى قامت الحرب فى ساق ، وكان ما كان .وقوله : ( وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) بيان لتدبير الله الحكيم ، وإرادته النافذة .أى : ولو تواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال ، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم ، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإِقدام على صاحبه ، ولكن الله - تعالى - بتدبيره الخفى شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد ، ليقضى - سبحانه - أمراً كان مفعولا ، أى : ثابتا فى علمه وحكمته ، وهو : إعزاز الإِسلام وأهله ، وخذلان الشرك وحزبه .روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك - رضى الله عنه - قال : إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد . وروى - أيضا - عن عمير بن إسحاق قال : أقبل أبو سفيان فى الكرب من الشام ، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فالتقوا ببدر ، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ، ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى التقى السقاة قال : ونظر الناس بعضهم إلى بعض .وقوله ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) بدل من قوله ( لِّيَقْضِيَ ) بإعادة الحروف ، أو هو متعلق بقوله ( مَفْعُولاً ) .والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحسى والمعنوى منهما .والمراد بالبينة الحجة الدالة على حقية الإِسلام وبطلان الكفر .قال الآلوسى : أى : ليموت من يموت عن حجة عاينها ، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها ، فلا يبقى محل للتعليل بالأعذار ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجَّلة .ويجوز أن يراد بالحياة : الإِيمان ، وبالموت : الكفر على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل بأن يراد بالبينة : إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة .أى : ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن ووضح وبينة وإلى هذا ذهب قتادة وابن اسحاق . والظاهر أن ( عَن ) هنا بمعنى بعد كقوله - تعالى - ( قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ) وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب ( حيى ) - على وزن تعب - بفك الإِدغام . وقرأ الباقون بإدغام الياء الأولى فى الثانية على وزن شد ومد .وقوله ( وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به الترغيب فى الإِيمان - والترهيب من الكفر ، أى : وإن الله لسميع لأقوال أهل الايمان والكفر عليم بما تنطوى عليه قلوبهم وضمائرهم ، وسيجازى - كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب على حساب ما يعلم وما يسمع منه .
إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
En songe, Allah te les avait montrés peu nombreux! Car s'Il te les avait montrés nombreux, vous auriez certainement fléchi, et vous vous seriez certainement disputés à propos de l'affaire. Mais Allah vous en a préservés. Il connait le contenu des cœurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم يبين - سبحانه - بعض وجوه نعمه على المؤمنين ، وتدبيره الخفى لنصرهم وفوزهم فيقول : ( إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ولكن الله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) .أى : اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك ، حيث أراك فى منامك الكافرين قليلا عددهم ، ضئيلا وزنهم فأخبرت بذلك اتباعك فازدادوا ثباتا واطمئنانا وجرأة على عدوهم ( وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً ) أى : ولو أراك الأعداء عددا كثيرا ( لَّفَشِلْتُمْ ) أى : لتهيبتهم الإِقدام عليهم ، لكثرة عددهم ، من الفشل وهو ضعف مع جبن ( وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ) أى : فى أمر الإِقدام عليهم والاحجام عنهم . فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك .وقوله ( لأَمْرِ ولكن الله سَلَّمَ ) بيان لمحل النعمة . أى : ولكن الله - تعالى - بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والنزاع وتفرق الآراء فى شأن القتال : حيث ربط على قلوبكم ، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم المبالاة بهم بسبب رؤيا نبيكم .وقوله : ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) تذييل يدل على شمول علمه - سبحانه - .أى : إنه - سبحانه - عليكم بكل ما يحصل فى القلوب وما يخطر بها من شجاعة وجبن ومن صبر وجزع ولذلك دير ما دبر .قال الفخر الرازى ، قال مجاهد : أرى الله النبى - صلى الله عليه وسلم - كفار قريش فى منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا : رؤيا النبى حق . القوم قليل ، فصار ذلك سبب لجرأتهم وقوة قلوبهم .فإن قيل : رؤية الكثر قليلا غلط ، فيكف يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك؟قلنا : ذهبنا أنه - تعالى - يفعل ما يشاء ويحكم ما يريده وأيضا لعله - سبحانه - أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون .ونستطيع أن نضيف إلى ما أجاب به الفخر الرازى أنه يجوز أن يكون المراد بالقلة : الضعف وهوان الشأن . .أى : أن المشركين وإن كانوا فى حقيقتهم يقاربون الألف - أى أكثر من ثلاثة أمثال المؤمنين - إلا أنهم لا قوة لهم ولا وزن ، فهم كثير عددهم ولكن قليل غناؤهم ، قليل وزنهم فى المعركة . لأنهم ينقصهم الإِيمان الصحيح الذى يقوى القلوب ، ويدفع النفوس إلى الإِقدام لنصرة الحق لكى تفوز برضا الله وحسن مثوبته .وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله : وقد تقدم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك ، ولكنه أخبرهم مع هذا أنه رآهم فى منامه قليلا ، لا أنهم قليل فى الواقع ، فالظاهر أنهم أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا ، وأن كيدهم يكون ضعيفا ، فتجروا وقويت قلوبهم .هذا ، ونسب إلى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت فى اليقظة ، وأن المراد من المنام العين التى هى موضع النوم . قال الزمخشري . وهذا تفسير فيه تعسف . وما أحسبت الرواية صحيحة فيه عن الحسن .وقال الآلوسى : وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين ، لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام فيها ، فلم يكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية ، وإليه ذنب البالخى . ولا يخفى ما فيه ، لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمى . ففى الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه . . على أن الروايات الجمة برؤيته - صلى الله عليه وسلم - إياهم مناما ، وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر . . ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة ، فانه الفصيح العالم بكلام العرب .
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ
Et aussi, au moment de la rencontre, Il vous les montrait peu nombreux à Vos yeux, de même qu'Il vous faisant paraître à leurs yeux peu nombreux afin qu'Allah parachève un ordre qui devait être exécuté. C'est à Allah que sont ramenées les choses
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ . . . ) معطوف على ما قبله وهو قوله ( إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ) وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية بالرؤية فى اليقظة .والمعنى : واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن التقيتم مع أعدائكم وجها لوجه فى بدر ، فكان من فضل الله عليم قبل أن تلتحموا معهم أن جعل عددهم قليلا فى أعينكم وجعل عددكم قليلا فى أعينهم ، وذلك لإِغرائهم على خوض المعركة .أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم فى أعينكم ، ولثقتكم بنصر الله إياكم . .وأما هم فيخوضونها معتمدين على غرورهم وبطرهم وقلتكم فى أعينهم ، فيترتب على ذلك أن يتركوا الاستعداد اللازم لقتالكم ، فتكون الدائرة عليهم . .قال ابن مسعود - وهو ممن حضر بدرا - : لقد قللوا فى أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى : أتراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له : كم كنتم؟ قال : ألفا .وقال أبو جهل - فى ذلك اليوم وقبل الالتحام - : إن محمداً وأصحابه أكلة جزور - أى هم قليل يشبعهم لحم ناقة واحدة - خذوهم أخذا و اربطوهم بالحبال . .وقد أجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول : قوله ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ) الضميران مفعولان يعنى : وإذ يبصركم إياهم . ( قَلِيلاً ) حال ، وإنما قللهم فى أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا . . .فإن قلت : الغرض من تقليل الكفار فى أعين المؤمنين ظاهر ، فما الغرض من تقليل المؤمنين فى أعينهم؟قلت : قد قللهم فى أعينهم قبل اللقاء ، ثم كثرهم فيها بعده ، ليجترئوا عليهم ، قلة مبالاة بهم ، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا يهابوا ، وتقل شوكتهم ، حير يرون ما لم يكن فى حسابهم وتقديرهم ، وذلك قوله( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين ) ولئلا يستعدوا لهم ، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا ، وكثرتهم آخرا .ثم قال : فإن قلت : بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟قلت : بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر ، أو يحدث فى عيونهم ما يستقلون به الكثير ، كما أحدث فى أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين .قيل لبعضهم : إن الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال : ما لى لا أرى هذين الديكين أربعة .وقوله - سبحانه - ( لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ) ما فعل من تقليل كل فريق فى عين الآخر ، ليقضى أمرا كان مفعولا ، أى : ثابتا فى علمه وحكمته ، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين ، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى إحد سواه ، فإن كل شئ عنده بمقدار ، ولأن كل شئ فى هذا الكون بقضائه وقدره ، وما من شئ إلا مصيره ومرده إليه .قال بعض العلماء : ولا يقال إن قوله - تعالى - : ( لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) مكرر مع ما سبق ، لأننا نقول : ان المقصود من ذكره أولا - فى قوله : إذ أنتم بالعدوة الدنيا . . هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين ، على وجه معجزة دالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - والمقصود منه هنا بيان خارق آخر ، وهو تقليلهم فى أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسولب تصويرى بديع فى استحضار لمشاهدها ومواقفها ، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرته الله ، ومن تدبيره المحكم الذى كان فوق تدبير البشر ، ومن تهيئة الاسباب الظاهرة والخفية التى أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ
O vous qui croyez! Lorsque vous rencontrez une troupe (ennemie), soyez fermes, et invoquez beaucoup Allah afin de réussir
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد هذا التذكير النافع ، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر ، وجه - سبحانه - فى هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير ، حيث أمرهم بالثبات فى وجه أعدائهم ، وبالمداومة على ذكره وطاعته . . ونهاهم عن التنازع والاختلاف فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا . . . مَعَ الصابرين ) .وقوله : ( لَقِيتُمْ ) من اللقاء بمعنى المقابلة والمواجهة ، ويغلب استعماله فى لقاء القتال وهو المراد هنا .وقوله : ( فِئَةً ) أى : جماعة . مشقة من الفئ بمعنى الرجوع ، لأن بعضهم يرجع إلى بعض .والمراد بها هنا : جماعة المقاتلين من الكافرين وأشباههم .والمتتبع لاستعمال القرآن لهذه الكلمة ، يراه يستعملها - فى الأعم الأغلب - فى الجماعة المقاتلة أو الناصرة أو ما يشبه ذلك .قال - تعالى - : ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله . . . ) وقال - تعالى - : ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ . . . ) وقال - تعالى - : ( وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ) والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان ، ( إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً ) أى : حاربتم جماعة من أعدائكم ، فاثبتوا لقتالهم وأغلظوا عليهم فى النزال ، ولا تولوهم الأدبار ، ( ثْبُتُواْ واذكروا الله كَثِيراً ) لا سيما فى مواطن الحرب ، فإن ذكر الله عن طريق القلب واللسان من أعظم وسائل النصر : لأن المؤمن متى استحضر عظمه الله فى قلبه لا تهوله قوة عدوه ، ولا تخيفه كثرته . .وقوله ( لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ) أى : لعلكم تظفرون بمرادكم من النصر وحسن الثواب ، متى فعلتم ذلك عن إخلاص .