Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Fatihah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

الفاتحة

Al-Fatihah

7 versets

Versets 15 sur 7Page 1 / 2
1S01V01

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

Au nom d'Allah, le Tout Miséricordieux, le Très Miséricordieux

Tafsir Al WasitWaseet

{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا " وسم ".ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير " اسم " سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.ولفظ الجلالة وهو " الله " علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.قال القرطبى: قوله " الله " هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -و { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه.والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و { ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } و{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }وهكذا...أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -{ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }{ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }{ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }إلخ.قال بعض العلماء " وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها ".والجار والمجرور " بسم " متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا " آمين ". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.

2S01V02

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ

Louange à Allah, Seigneur de l'univers

Tafsir Al WasitWaseet

{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر " ربه يربه " إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -قال القرطبى: " وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده " وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة.وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.والمعنى - كما قال ابن جرير - " الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: " الكرم فى العرب ". كما أن أل فى " الحمد " للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف.وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله.أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر.إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله " الحمد لله " تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال " الحمد لله " ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.

3S01V03

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

Le Tout Miséricordieux, le Très Miséricordieux

Tafsir Al WasitWaseet

وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } ، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون.ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.

4S01V04

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ

Maître du Jour de la rétribution

Tafsir Al WasitWaseet

بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -{ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }قال الإِمام ابن كثير: " وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال - تعالى -{ يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -{ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون " ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -{ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له ".والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.

5S01V05

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ

C'est Toi [Seul] que nous adorons, et c'est Toi [Seul] dont nous implorons secours

Tafsir Al WasitWaseet

كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.ولفظ " إيا " ضمير منفصل، و " الكاف " الملحقة به للخطاب.والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.قال ابن جرير: " لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً ".والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص.وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ".وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: " فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان.وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه... ".هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ".