Tafsir Al Wasit
Waseet
المنافقون
Al-Munafiqun
11 versets
إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ
Quand les hypocrites viennent à toi, ils disent: «Nous attestons que tu es certes le Messager d'Allah» Allah sait que tu es vraiment Son messager; et Allah atteste que les hypocrites sont assurément des menteurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
افتتح الله - تعالى - السورة الكريمة ، بالحديث عن صفة من أبرز الصفات الذميمة للمنافقين ، ألا وهى صفة الكذب والخداع ، فقال - تعالى - ( إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله . . . ) .( إِذَا ) هنا ظرف للزمان الماضى ، بقرينة كون جملتيها ماضيتين ، وجواب " إذا " قوله ( قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله . . ) والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - .و ( المنافقون ) جمع منافق ، وهو من يظهر الإسلام ويخفى الكفر ، أو من يظهر خلاف ما يبطن من أقوال وأفعال .أى : إذا حضر المنافقون إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم -قالوا لك على سبيل الكذب والمخادعة والمداهنة . . . نشهد أنك رسول من عند الله - تعالى - ، وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك .وعبروا عن التظاهر بتصديقهم له - صلى الله عليه وسلم - بقوله ( نَشْهَدُ ) - المأخوذ من الشهادة التى هى إخبار عن أمر مقطوع به - وأكدوا هذه الشهادة بإن واللام ، للإيهام بأن شهادتهم صادقة ، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق ، وأن ما على ألسنتهم يوافق ما فى قلوبهم .قال الشوكانى : أكدوا شهادتهم بإنّ واللام ، للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم ، مع خلوص نياتهم ، والمراد بالمنافقين ، عبد الله بن أبىّ وأتباعه .ومعنى نشهد : نحلف ، فهو يجرى مجرى القسم ، ولذا يتلقى بما يتلقى به القسم .ومثل نشهد : نعلم ، فإنه يجرى مجرى القسم كما فى قول الشاعر :ولقد علمت لتأتين منيتى ... إن المنايا لا تطيش سهامهاوقوله : ( والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ ) معطوفة على قوله : ( قَالُواْ نَشْهَدُ ) .أى : إذا حضر المنافقون إليك - أيها الرسول الكريم - قالوا كذبا وخداعا : نشهد إنك لرسول الله ، والله - تعالى - ( يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) حقا سواء شهدوا بذلك أم لم يشهدوا ، فأنت لست فى حاجة إلى هذه الشهادة التى تخالف بواطنهم .( والله ) - تعالى - ( يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ ) فى قولهم : نشهد إنك لرسول الله ، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة ، من كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذى جئت به .والإيمان الحق لا يتم إلا إذا كان ما ينطق به اللسان ، يوافق ويواطىء ، ما أمضره القلب ، وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم ، فثبت كذبهم فى قولهم : نشهد إنك لرسول الله . .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى : فائدة فى قوله - تعالى - : ( والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) ؟ قلت : لو قال : قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما قوله : ( والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) ليميط هذا الإيهام .وجىء بالفعل ( يَشْهَدُ ) فى الإخبار عن كذبهم فيما قالوه ، للمشاكلة ، حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم ولما نطقوا به .
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
Ils prennent leurs serments pour bouclier et obstruent le chemin d'Allah. Quelles mauvaises choses que ce qu'ils faisaient
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - جانبا من الوسائل التى كانوا يستعملونها لكى يصدقهم من يسمعهم فقال - تعالى - : ( اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ) .والأيمان : - بفتح الهمزة - جمع يمين ، والجُنَّة - بضم الجيم - ما يستتر به المقاتل ليتقى ضربات السيوف والرماح والنبال .أى : أن هؤلاء المنافقين إذا ظهر كذبهم ، أو إذا جوبهوا بما يدل على كفرهم ونفاقهم ، أقسموا ، بالأيمان المغلظة بأنهم ما قالوا أو فعلوا ما يسىء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أو إلى المؤمنين . . .فهم يستترون بالحلف الكاذب ، حتى لا يصيبهم أذى من المؤمنين ، كما يستتر المقاتل بترسه من الضربات .وقد حكى القرآن كثيرا من أيمانهم الكاذبة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) وقوله - سبحانه - : ( يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ . . ) وقوله - عز وجل - : ( يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ) قال الآلوسى : قال قتادة : كلما ظهر شىء منهم يوجب مؤاخذتهم ، حلفوا كاذبين ، عصمة لأموالهم ودمائهم .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله . . ) للتفريع على ما تقدم .أى : اتخذوا أيمانهم الفاجرة ذريعة أمام المؤمنين لكى يصدقوهم ، فتمكنوا عن طريق هذه الأيمان الكاذبة ، من صد بعض الناس عن الصراط المستقيم ، ومن تشكيكهم فى صحة ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - .فهم قد جمعوا بين رذيلتين كبيرتين : إحداهما : تَعمُّد الأيمان الكاذبة ، والثانية : إعراضهم عن الحق ، ومحاولتهم صرف غيرهم عنه .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) تذييل قصد به بيان قبح أحوالهم ، وسوء عاقبتهم .و " ساء " : فعل ماض بمعنى بئس فى إفادة الذم ، و " ما " موصولة والعائد محذوف .أى : إن هؤلاء المنافقين بئس ما كانوا يقولونه من أقوال كاذبة ، وساء ما كانوا يفعلونه من أفعال قبيحة ، سيكونون بسببها يوم القيامة فى الدرك الأسفل من النار .
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ
C'est parce qu'en vérité ils ont cru, puis rejeté la foi. Leurs cœurs donc, ont été scellés, de sorte qu'ils ne comprennent rien
Tafsir Al Wasit — Waseet
واسم الإشارة فى قوله - تعلاى - بعد ذلك : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ) يعود إلى ما تقدم ذكره من الكذب ، ومن الصد عن سبيل الله ، ومن قبح الأقوال والأفعال .أى : ذلك الذى ذكر من حالهم الذى دأبوا عليه من الكذب والخداع والصد عن سبيل الله . . . سببه أنهم ( آمَنُواّ ) أى : نطقوا بكلمة الإسلام بألسنتهم دون أن يستقر الإيمان فى قلوبهم ، ثم كفروا ، أى : ثم ارتكسوا فى الكفر واستمروا عليه ، وظهر منهم ما يدل على رسوخهم فيه ظهورا جليا ، كقولهم : ( أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء . . . ) وكقولهم للمجاهدين : ( لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر . . . ) ( فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ ) أى : فختم الله - تعالى - عليها بالكفر نتيجة إصرارهم عليه ، فصاروا ، بحيث لا يصل إليها الإيمان .( فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ) أى : فهم لا يدركون حقيقة الإيمان أصلا ، ولا يشعرون به ، ولا يفهمون حقائقه لانطماس بصائرهم .وقوله : ( ذَلِكَ ) مبتدأ ، وقوله ( بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا . . . ) خبر : والباء للسببية .و ( ثُمَّ ) للتراخى النسبى ، لأن إبطان الكفر مع إظهار الإيمان أعظم من الكفر الصريح ، وأشد ضررا وقبحا .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله : ( بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ) ؟ .قلت : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : آمنوا : أى نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من يدخل فى الإسلام ، ثم كفروا . أى : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع الله عليه المؤمنين من قولهم : إن كان ما يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم - حقا فنحن حمي .والثانى : آمنوا ، أى : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله - تعالى - : ( وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ ) الثالث : أن يراد أهل الردة منهم .
۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ
Et quand tu les vois, leurs corps t'émerveillent; et s'ils parlent tu écoutes leur parole. Ils sont comme des bûches appuyées (contre des murs) et ils pensent que chaque cri est dirigé contre eux. L'ennemi c'est eux. Prends y garde. Qu'Allah les extermine! Comme les voilà détournés (du droit chemin)
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم رسم - سبحانه - لهم بعد ذلك صورة تجعل كل عاقل يستهزىء بهم ، ويحتقرهم ، ويسمو بنفسه عن الاقتراب منهم . فقال - تعالى - : ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) .قال القرطبى : قال ابن عباس : كان عبد الله بن أبى ، وسيما جسيما صحيحا صبيحا ، ذلق اللسان ، فإذا قال : سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - مقالته .وقال الكلبى : المراد انب أبى ، وجد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، كانت لهم أجسام ومنظر ، وفصاحة . . .و ( خُشُبٌ ) - بضم الخاء والشين - جمع خَشَبة - بفتحهما - كثَمرة وثُمر .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى : كأنهم خُشْب - بضم الخاء وسكون الشين - كبَدَنة وبُدْن .أى : وإذا رأيت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المنافقين ، أعجبتك أجسامهم ، لكمالها وحسن تناسقها ، وإن يقولوا قولا حسبت أنه صدق ، لفصاحته ، وأحببت الاستماع إليه لحلاوته .وعدى الفعل " تسمع " باللام ، لتضمنه معنى تصغ لقولهم .وجملة : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) مستأنفة ، أو خبر لمبتدأ محذوف .أى : كأنهم وهم جالسون فى مجلسك ، مستندين على الجدران ، وقد خلت قلوبهم من الخير والإيمان ، كأنهم بهذه الحالة ، مجموعة من الأخشاب الطويلة العريضة ، التى استندت إلى الحوائط ، دون أن يكون فيها حسن ، أو نفع ، أو عقل .فهم أجسام تعجب ، وأقوال تغرى بالسماع إليها ، ولكنهم قد خلت قلوبهم من كل خير ، وامتلأت نفوسهم بكل الصفات الذميمة . فهم كما قال القائل :لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ ... جسم البغال وأحلام العصافيروشبههم - سبحانه - بالخشب المسندة على سبيل الذم لهم ، أى : كأنهم فى عدم الانتفاع بهم ، وخلوهم من الفائدة كالأخشاب المسندة إلى الحوائط الخالية من أية فائدة .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : ما معنى ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ) ؟قلت : شبهوا فى استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحوائط لأن الخشب إذا انتفع به ، كان فى سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به ، وأسند إلى الحائط ، فشبهوا به فى عدم الانتفاع .ويجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب ، المسندة إلى الحيطان ، وشبهوا بها فى حسن صورهم ، وقلة جدواهم ، والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يخاطب . .فأنت ترى القرآن الكريم وصفهم بتلك الصفة البديعة فى التنفير منهم وعدم الاغترار بمظهرهم لأنهم كما قال القائل :لا تخدعنك اللحى ولا الصور ... تسعة أعشار من ترى بقرتراهم كالسحاب منتشرا ... وليس فيه لطالب مطرفى شجر السرو منهم شبه ... له رواء وماله ثمرثم وصفهم - سبحانه - بعد ذلك بالجبن والخور فقال : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ . . ) .والصيحة : المرة من الصياح ، والمراد بها ما ينذر ويخيف أى : يظنون لجبن قلوبهم ولسوء نواياهم ، وخبث نفوسهم - أن كل صوت ينادى به المنادى ، لنشدان ضالة ، أو انفلات دابة . . . إنما هو واقع عليهم ضار بهم مهلك لهم . . .قال الآلوسى : قوله : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) أى : واقعة عليهم ، ضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم .وقيل : كانوا على وجل من أن ينزل الله - تعالى - فيهم ما يهتك أستارهم ، ويبيح دماءهم وأموالهم .والوقف على " عليهم " الواقع مفعولا ثانيا ل " يحسبون " وهو وقف تام .وقوله - تعالى - : ( هُمُ العدو ) استئناف . أى : هم الكاملون فى العداوة ، والراسخون فيها ، فإن أعدى الأعداء ، العدو المداجى .( فاحذرهم ) لكونهم أعدى الأعداء ، ولا تغترن بظواهرهم .وقوله - سبحانه - : ( قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) دعاء عليهم بالطرد من رحمة الله - تعالى - ، وتعجيب لكل مخاطب من أحوالهم التى بلغت النهاية فى السوء والقبح .عن ابن عباس أن معنى ( قَاتَلَهُمُ الله ) طردهم من رحمته ولعنهم ، وكل شىء فى القرآن قتل فهو لعن .و ( أَنَّى ) بمعنى كيف ، و ( يُؤْفَكُونَ ) بمعنى يصرفون ، من الأفك - بفتح الهمزة والفاء - بمعنى الانصراف عن الشىء .أى : لعن الله - تعالى - هؤلاء المنافقين ، وطردهم من رحمته ، لأنهم بسبب مساكلهم الخبيثة ، وأفعالهم القبيحة ، وصفاتهم السيئة . . صاروا محل مقت العقلاء ، وعجبهم ، إذ كيف ينصرفون عن الحق الواضح إلى الباطل الفاضح ، وكيف يتركون النور الساطع ، ويدخلون فى الظلام الدامس؟!وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة : قد فضحت المنافقين ، وحذرت من شرورهم ، ووصفتهم بالصفات التى تخزيهم ، وتكشف عن دخائلهم المريضة .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ
Et quand on leur dit: «Venez que le Messager d'Allah implore le pardon pour vous», ils détournent leurs têtes, et tu les vois se détourner tandis qu'ils s'enflent d'orgueil
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى ، لا تقل فى قبحها وبشاعتها عن سابقتها فقال - تعالى - : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ . . . ) .قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، فصلها الإمام ابن كثير - رحمه الله - فقال ما ملخصه :وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق نزل فى عبد الله بن أبى بن سلول وأتباعه ، فقد ذكر محمد بن إسحاق ، أنه لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد غزوة أحد ، قام عبد الله بن أبى ، والرسول - صلى الله عيه وسلم - يخطب للجمعة ، فقال : أيها الناس ، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمكم الله به . . . فأخذ بعض المسلمين بثيابه من نواحيه وقالوا له : اجلس يا عدو الله ، لست لهذا المقام بأهل ، وقد صنعت ما صنعت - يعنون مرجعه بثلث الناس دون أن يشتركوا فى غزوة أحد - .فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بَجْرًا - أى : أمرا منكرا - أن قمت أشدد أمره .فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد ، فقالوا له : ويلك ، مالك؟ ارجع للنبى يستغفر لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : والله ما أبتغى أن يستغفر لى .وفى رواية أنه قيل له : لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألته أن يستغفر لك ، فجعل يلوى رأسه ويحركه استهزاء .ثم قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - ما ملخصه : وذكر ابن إسحاق فى حديثه عن غزوة بنى المصطلق - وكانت فى شعبان من السنة الخامسة من الهجرة - " أن غلاما لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - اسمه الجهجاه بن سعيد الغفارى تزاحم على ماء مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وَبْر . . .فقال سنان : يا معشر الأنصار ، وقال الجهجاه : يا معشر المهاجرين . فغضب عبد الله بن أبى - وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم - وقال : أو قد فعلوها؟!! قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا . والله ما مثلنا وجلابيب قريش - يعنى المهاجرين - إلا كما قال القائل : " سمن كلبك يأكلك " والله لئن رجعنا إلى المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل .فذهب زيد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر .فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ، مر عباد بن بشر فليضرب عنق عبد الله بن أبى بن سلول .فقال - صلى الله عليه وسلم - : فكيف إذا الناس تحدث يا عمر ، أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا ، ولكن ناد يا عمر فى الناس بالرحيل .فلما بلغ عبد الله بن أبى أن ذلك قد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه فاعتذر إليه ، وحلف بالله ما قال الذى قاله عنه زيد بن أرقم . .وراح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهجرا فى ساعة كان لا يروح فيها ، فلقيه أسيد بن الحضير ، فقال له : يا رسول الله ، لقد رحت فى ساعة ما كنت تروح فيها .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما بلغك ما قال صاحبك بن أبى؟ زعم أنه إذا قدم المدينة أنه سَيُخْرِجُ الأعزُّ منها الأذلَّ .فقال أسيد : فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل .وإنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هذا الوقت الذى لم يتعود السفر فيه ، ليشغل الناس عن الحديث ، الذى كان من عبد الله بن أبى " .قال ابن إسحق : ونزلت سورة المنافقين فى ابن أبىّ وأتباعه ، فلما نزلت أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد بن أرقم ثم قال : " هذا الذى أوفى الله بأذنه " .وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى زيد فقرأها عليه ثم قال : " إن الله قد صدقك " ثم قال ابن إسحاق : وبلغنى أن عبد الله بن عبد الله بن أبى بلغه ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : " يا رسول الله بلغنى أنك تريد قتل أبى . . . فإن كنت فاعلا ، فمرنى به ، فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى ، وإنى أخشى أن تأمر غيرى بقلته ، فلا تدعنى نفسى أن أرى قاتل أبى يمشى على الأرض فأقتله ، فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر ، فأدخل النار .فقال - صلى الله عليه وسلم - : " بل نترفق به ونحسن صحبته ، ما بقى معنا " " .وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما : أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة ، وقف عبد الله بن عبد الله بن أبى على باب المدينة ، واستل سيفه ، فجعل الناس يمرون عليه ، فلما جاء أبوه قال له : وراءك فقال له أبوه : ويلك مالك؟ فقال : والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه العزيز وأنت الذليل .فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يسير فى مؤخرة الجيش شكا إليه عبد الله بن أبى ما فعله ابنه عبد الله معه .فقال ابنه : والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له . فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .فقال عبد الله لأبيه : أما إذ أذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجز الآن .والآن وبعد ذكر جانب من هذه الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات ، نعود إلى تفسيرها فنقول وبالله التوفيق .قوله - تعالى - : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ) بيان لصفة أخرى من صفات المنافقين ، تدل على عنادهم وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم .والقائل لهم : ( تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله ) جماعة من المؤمنين ، على سبيل النصح لهؤلاء المنافقين لعلهم يقلعون عن كفرهم وفجورهم .والمراد باستغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم : توبتهم من ذنوبهم ، وتركهم لنفاقهم ، وإعلان ذلك أمامه - صلى الله عليه وسلم - لكى يدعو الله - تعالى - لهم بقبول توبتهم .وقوله : ( لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ) من اللى بمعنى الإمالة من جانب إلى آخر ، يقال : لوى فلان رأسه ، إذا أمالها وحركها ، وهو كناية عن التكبر والإعراض عن النصيحة .أى : وإذ قال قائل لهؤلاء المنافقين : لقد نزل فى شأنكم ما نزل من الآيات القرآنية التى تفضحكم . . . فتوبوا إلى الله توبة نصوحا ، وأقلعوا عن نفاقكم ، وأقبلوا نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم ، لكى يستغفر الله - تعالى - لكم ، بأ يلتمس منه قبول توبتكم . . ما كان من هؤلاء المنافقين ، إلا أن تكبروا ولجوا فى طغيانهم ، وأمالوا رءوسهم استهزاء وسخرية ممن نصحهم .( وَرَأَيْتَهُمْ ) أيها المخاطب ( يَصُدُّونَ ) أى : يعرضون عن النصيحة ( وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) عن قبولها ، لانطماس بصائرهم ، وإصرارهم على ما هم فيه من باطل وجحود للحق .قال الآلوسى ما ملخصه : روى أنه لما صدق الله - تعالى - زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبى ، مقت النسا ابن أبى ، وقال له بعضهم : امض إلى رسول الله - صلى الله عيه وسلم - واعترف بذنبك ، يستغفر لك ، فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأى ، وقال لهم : لقد أشرتم على بالإيمان فآمنت ، وأشرتم على بأن أعطى زكاة مالى فأعطيت . . . ولم يبق لكم إلا أن تأمرونى بالسجود لمحمد - صلى الله عليه وسلم - .وفى حديث أخرجه أحمد والشيخان . . . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاهم ليستغفر لهم ، فلووا رءوسهم .وقوله : ( يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ . . ) مجزوم فى جواب الأمر ، وهو قوله : ( تَعَالَوْاْ ) وقوله : ( لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ) جواب ( إِذَا ) .والتعبير بقوله : ( تَعَالَوْاْ ) تتضمن إرادة تخليص هؤلاء المنافقين مما هم فيه من ضلال ، وإرادة ارتفاعهم من انحطاط هم فيه إلى علو يدعون إليه ، لأن الأصل فى كل " تعالى " أن يقولها من كان فى مكان عال ، لمن هو أسفل منه .والتعبير بقوله - تعالى - ، ( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) يرسم صورة بغيضة لهم وهم يتركون دعوة الناصح لهم ، بعناد وتكبر وغرورهم ، وبراهم الرائى بعينه وهم على تلك الصورة المنكرة ، التى تدل على جهالاتهم وإعراضهم عن كل خير .