Tafsir Al Wasit
Waseet
التغابن
At-Taghabun
18 versets
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ
Ce qui est dans les cieux et ce qui est sur la terre glorifient Allah. A Lui la royauté et à Lui les louanges. Et Il est Omnipotent
Tafsir Al Wasit — Waseet
سورة " التغابن " هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح ، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها .( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض . . . ) أى : ينزه الله - تعالى - عن كل نقص ، ويجله عن كل مالا يليق به ، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه ، كما قال - عز وجل - : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع ( يُسَبِّحُ ) للدلالة على تجدد هذا التسبيح ، وحدوثه فى كل وقت وآن .وجىء فى سورة الحديد ، والصف ، بصيغة الماضى ( سَبَّحَ ) . للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده ، من قديم الزمان .وقوله - سبحانه - : ( لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) مؤكد لما قبله ، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها .وتقديم الجار والمجرور ( لَهُ ) لإفادة الاختصاص والقصر .أى : له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون ، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته ، وليس لغيره شىء منهما ، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه ، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء .
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ
C'est Lui qui vous a créés. Parmi vous [il y a] mécréant et croyant. Allah observe parfaitement ce que vous faites
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ) .والخطاب فى قوله : ( خَلَقَكُمْ ) لجيمع المكلفين من هذه الأمة .والفاء فى قوله : ( فَمِنكُمْ كَافِرٌ ) للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه ، وخلق كل شىء .وقدم ذكر الكافر ، لأنه الأهم فى هذا المقام ، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة .أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته ، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك ، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر ، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه ، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها . . .ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق ، المعرض عن الإيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته ، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها .قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية - : وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال ، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة - : إن الله خلق الكافر ، وكفره فعل له وكسب ، مع أن الله خالق الكفر . وخلق المؤمن ، وإيمانه فعل له وكسب ، مع أن الله خالق الإيمان .والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه ، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه ، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما ، غير الذى قدر عليه ، وعلمه منه .وقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أى : والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ
Il a créé les cieux et la terre en toute vérité et vous a donné votre forme et quelle belle forme Il vous a donnée! Et vers Lui est le devenir
Tafsir Al Wasit — Waseet
( خَلَقَ السماوات والأرض بالحق ) أى : خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث ، فالباء فى قوله " بالحق " للملابسة .والمراد بالسموات والأرض : ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس .والمراد بالحق : المقصد الصحيح ، والغرض السليم ، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال : ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) .وقوله : ( وَصَوَّرَكُمْ ) من التصوير ، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها ، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا ، بمعنى تحول إليه ، أو من صاره إلى كذا ، بمعنى أماله وحوله .أى : وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها ، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره .وصدق الله إذ يقول : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) قال الآلوسى : ولعمرى إن الإنسان أعجب نسخة فى هذا العالم ، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار ، وعلم ما علم منها أولو الأبصار ، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن ، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب . . . كما قال بعض الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان .وقوله - تعالى - ( وَإِلَيْهِ المصير ) معطوف على ما قبله ، لأن التصوير يقتضى الإيجاد ، فبين - سبحانه - أن هذا الإيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم .أى : وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة ، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية .
يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
Il sait ce qui est dans les cieux et la terre, et Il sait ce que vous cachez ainsi que ce que vous divulguez. Et Allah connaît bien le contenu des poitrines
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال : ( يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض ) أى : هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السموات والأرض .( وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله ، من علم ما فى السموات وما فى الأرض ، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد .( والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) والمراد بذات الصدور ، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور ، وتكتمها القلوب .أى : والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور ، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل ، كل جملة منها أخص من سابقتها .وجمع - سبحانه - بينها للإشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات ، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها .وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين ، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة ، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم ، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - ( وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ).
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ
Ne vous est-elle pas parvenue, la nouvelle de ceux qui auparavant ont mécru et qui ont goûté la conséquence néfaste de leur acte; ils auront en outre un châtiment douloureux
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .والاستفهام فى قوله ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ . . . ) للتقرير والتبكيت .والمراد بالذين كفروا من قبل : قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق ، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك .والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم ، ممن استحبوا العمى على الهدى .والوبال فى الأصل : الشدة المترتبة على أمر من الأمور ، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة . المضر لها . . . والمراد به هنا : العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم ، وعبر عن هذا العقاب بالوبال ، للإشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا ، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه .والمراد بأمرهم : كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم ، ومخالفتهم لرسلهم .وقوله ( فَذَاقُواْ ) معطوف على كفروا ، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإحساس والوجدان . شبه ما حل بهم من عقاب ، بشىء كريه الطعم والمذاق .وعبر عن كفرهم بالأمر ، للإشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء .والمعنى : لقد أتاكم ووصف إلى عملكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم ، فعليكم أن تعتبروا بهم . وأن تفيئوا إلى رشدكم ، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم .