Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Anfal
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

الأنفال

Al-Anfal

75 versets

Versets 5660 sur 75Page 12 / 15
56S08V56

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ

ceux-là mêmes avec lesquels tu as fait un pacte et qui chaque fois le rompent, sans aucune crainte [d'Allah]

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله : ( الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ) بدل من الموصول الأول وهو قوله : ( الذين كَفَرُواْ ) أو عطف بيان له .أى : إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه ، الذين ( عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ) أى : أخذت منهم عهدهم ، ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة .فقوله : ( عَاهَدْتَّ ) مضمن معنى الأخذ ، ولذا عدى بمن .قال الآلوسى : قوله : ( الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ) بدل من الموصول الأول ، أو عطف بيان ، أو نعت ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو نصب على الذم ، وعائد الموصل قيل : ضمير الجمع المجرور ، والمراد : عاهدتم ، و ( مِن ) للإِيذان بأن المعاهدة - التى هى عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين - معتبرة هنا من حيث أخذه - صلى الله عليه وسلم - ، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض ، لا إعطاؤه - عليه الصلاة والسلام إياهم عهده كأنه قيل : الذين أخذت منهم عهدهم ، وقال أبو حيان : بتعيضية ، لأن المباشر لا كلهم ..وقوله : ( ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ) معطوف على الصلة .وكان العطف " بثم " المفيدة للتراخى ، للإِيذان بالتفاوت الشديد بين ما أخذ عليهم من عهود ، وبين ما تردوا فيه من نقض لها ، واستهانة بها .وجئ بصيغة المضارع ( يَنقُضُونَ ) المفيدة للحال والاستقبال ، لدلالة على تعدد النقض وتجدده ، وأنهم على نيته فى كل مرة يعاهدون فيها غيرهم .وقوله : ( وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ) فى موضع الحال من فاعل ( يَنقُضُونَ ) .أى : أن هؤلاء الوم دأبهم نقض العهود والمواثيق فى كل وقت ، ومع ذلك فحالهم وشأنهم أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بآ تحرج أو خجل ، بل يرتكبون ما يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها ، أو يخشوا سوء عاقبتها .

57S08V57

فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ

Donc, si tu les maîtrises à la guerre, inflige-leur un châtiment exemplaire de telle sorte que ceux qui sont derrière eux soient effarouchés. Afin qu'ils se souviennent

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم فى كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال : ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) فالقاء فى قوله ( فَإِمَّا ) لترتيب ما عدها على ما قبلها .وقوله : ( تَثْقَفَنَّهُمْ ) من الثقف بمعنى الحذق فى إدراك الشئ وفعله .قال الراغب : يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق فى النظر ، ثم يتجوز فيه فيستعمل فى الإِدراك وإن لم تكن معه ثقافته .قال - تعالى - ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب ) .وقوله : ( فَشَرِّدْ بِهِم ) التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب ، يقال شردت بنى فلان ، أى : قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها قال الشاعر :أطوف فى الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بى حكيمأى : مخافة أن يسمع بى ويطردنى حكيم ، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء .والمعنى : إنك يا محمد إذا ما أدركت فى الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين لعهودهم وظفرت بهم - وهم بنو قريظة ومن لف لفهم - . . فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كا ناقض للعهد ، ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم فى الكفر ونقض العهود ، ويعتبر به كل من سمعه من أهل مكة وغيرهم .فالباء فى قوله ( فَشَرِّدْ بِهِم ) للسبية ، وقوله ( مَّنْ خَلْفَهُمْ ) مفعول شرد .والمراد بمن خلقهم : كفار مكة وغيرهم من الضالين ، أى : افعل ببنى قريظة ما يشرط غيرهم خوفا وفزعا .وقوله ( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) أى : لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل والتنكيل الذى نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم فى كل مرة ، فيمنعهم ذلك عن نقض العهد .هذا ، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التى ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذاً شديداً رادعا . . حتى يبقى للمجتمع الإِسلامى أمانة واستقراره وهيبته أمام أعدائه .إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع ، والهول المرعب ، الذى يكفى السماع به للهرب والشرود ، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟إن الضربة المروعة ، بأمر الله - تعالى - رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود . . وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته .

58S08V58

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ

Et si jamais tu crains vraiment une trahison de la part d'un peuple, dénonce alors le pacte (que tu as conclu avec), d'une façon franche et loyale car Allah n'aime pas les traîtres

Tafsir Al WasitWaseet

هذا هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم . . أما الذين تخشى منهم الخيانة فقد بين - سبحانه - حكمهم بقوله : ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين ) .وقوله : ( تَخَافَنَّ ) من الخوف والمراد به هنا العلم .وقوله : ( فانبذ ) من النبذ بمعنى الطرح ، وهو مجاز عن إعلامهم بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم ، فشبه - سبحانه - العهد بالشئ الذى يرمى لعدم الرغبة فيه ، وثبت النبذ له على سبيل التخييل ، ومفعول " فانبد " محذوف أى : فانبذ إليهم عهودهم .قال الجمل : وقوله : ( على سَوَآء ) حال من الفاعل والمفعول معا ، أى : فاعل الفعل وهو ضمير النبى - صلى الله عليه وسلم - ومفعوله وهو المجرور بإلى .أى : حال كونكم مستوين فى العلم بطرح العهد . فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك ، وعلمهم به بإعلامك إياهم ، فكأنه قيل فى الآية : فانبذ عهدهم وأعلمهم بنبذه ، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر وليس هذا من شأنك ولا من صفاتك .والمعنى : وإما تعلمن - يا محمد - من قومك بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه منهم ، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم ، فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ظاهر : بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم ، حتى تكون أنت وهم فى العلم بنبذ العهد سواء ، لأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم ، حتى تكون أنت وهم فى العلم بنبذ العهد سواء ، لأن الله - تعالى - لا يحب الخائنين وإن من ظاهر الخيانة التى يبغضها الله - تعالى - أن يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده .قال ابن كثير : " قال الإِمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شبعة عن أبى الفيض عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منها ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر الله أكبر ، وفاء لا غدرا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ، ولا يشدها حتى ينقضى أمدها أو ينبذ إليهم على سواء " " .قال : فبلغ ذلك معاوية فرجع ، فإذا بالشيخ عمرو بن عيسة .ثم قال ابن كثير ، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسى عن شبعة ، وأخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وابن نحبان فى صحيح من طرق عن شعبة به ، وقال الترمذى حسن صحيح .وروى الإِمام أحمد " عن سلمان الفارسى أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه : دعونى ادعوهم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ، فقال : إنما كنت رجلا منكم فهدانى الله إلى الإِسلام؛ فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم ، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ، يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله " .وقال الفخر الرازى : قال أهل العلم : آثار نقض العهد إذا ظهرت ، فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً ، أو ظهورا مقطوعا به .فإن كان الأول : وجب الإِعلام على ما هو مذكور فى هذه الآية ، وذلك لأن بنى قريظة عاهدوا النبى - صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ، فحصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم خوف الغدر منهم به وأصحابه ، فهنا يجب على الإِمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب .أما إذا ظهر نقض لعهد ظهوراً مقطوعاً به ، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد ، وذلك كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل مكة ، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم فى ذمة النبى - صلى الله عليه وسلم - وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة .أى : أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان .وبذلك ترى أن تعاليم الإِسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشر والأمان . . وتحقر من شان الخيانة والخائنين ، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله ، وبالبعد عن رضوانه ومحبته .

59S08V59

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ

Que les mécréants ne pensent pas qu'ils Nous ont échappé. Non, ils ne pourront jamais Nous empêcher (de les rattraper à n'importe quel moment)

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه ، وبشر المؤمنين بالنصر فقال : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ) وقوله ( يَحْسَبَنَّ ) من الحسبان بمعنى الظن ، وقد قرأ ابن عامر وحفص وحمزة " يحسبن " بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء .وقوله : ( يُعْجِزُونَ ) من العجز ، وأصله - كما يقول الراغب - : التأخر عن الشئ . . ثم صار فى التعارف اسماً للقصور عن فعل الشئ ، وهو ضد القدرة . . والعجوز سميت بذلك لعجزها فى كثير من الأمور . .والمعنى - على القراءة بالياء - : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد سبقوا الله فنجوا من عقابه ، وخلصوا من عذابه .. كلا إن حسبانهم هذا باطل - لأنهم لا يعجزون الله ، بل هو - سبحانه - قادر على إهلاكهم وتعذيبهم فى كل وقت . .وأن نجاتهم من القتل أو السر فى الدنيا لن تنفعهم شيئاً من العذاب المهين فى الآخرة .وعلى هذه القراءة يكون فاعل ( يَحْسَبَنَّ ) قوله ( الذين كَفَرُواْ ) ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أى : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ، والمفعول الثانى جملة ( سبقوا ) .وأما على القراءة الثانية ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ ) فيكون قوله ( الذين كَفَرُواْ ) هو المفعول الأول . وجملة ( سبقوا ) هى المفعول الثانى .أى : ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا خيانتهم لك ، أو أفلتوا من عقابنا وصاروا فى مأمن منا . . كلا ، إنهم لا يعجزوننا عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم فى أى وقت نريده فنحن لا يعجزنا شئ . .وعلى كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين فى النجاة ، وإقناطهم من الخلاص ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن من لم يصبه عذاب الدنيا ، فسوف يصيبه عذاب الآخرة ، ولا مفر له من ذلك ما دام قد استحب الكفر على الإِيمان ، أما المؤمنون فلهم من الله - تعالى - التأييد والنصر وحسن العقابة .

60S08V60

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ

Et préparez [pour lutter] contre eux tout ce que vous pouvez comme force et comme cavalerie équipée, afin d'effrayer l'ennemi d'Allah et le vôtre, et d'autres encore que vous ne connaissez pas en dehors de ceux-ci mais qu'Allah connaît. Et tout ce que vous dépensez dans le sentier d'Allah vous sera remboursé pleinement et vous ne serez point lésés

Tafsir Al WasitWaseet

ثم أمر - سبحانه - المؤمنين باعداد وسائل القوة التى بها يصلون إلى النصر ، وغلى بعث الرعب فى قلوبهم أعدائهم . . فقال - عز وجل - : ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ . . . ) .وقوله : ( وَأَعِدُّواْ ) معطوف على ما قبله ، وهو من الإِعداد بمعنى تهيئة الشئ للمستقبل ، والخطاب لكافة المؤمنين .والرباط فى الأصل مصدر ربط ، أى شد ، ويطلق ، بمعنى المربوط مطلقا ، وكثر استعماله فى الخيل التى تربط فى سبيل الله ، فالإِضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى ، أو بملاحظة كون الربط مشتركا بين معان آخر كملازمة الثغور ، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معانيه للبيان .قال صاحب الكشاف : والرباط : اسم للخيل التى تربط فى سبيل الله ، ويجوز أن يسمى بالرباط الذى هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال - يقال نعم الربيط هذا ، لما يرتبط من الخيل .والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون إعداه من وسائل القولة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها .وجاء - سبحانه - بلفظ ( قُوَّةٍ ) منكراً ، ليشمل كل ما يتقوى به فى الحرب كائنا ما كان .قال الجمل : وقوله ( مِّن قُوَّةٍ ) فى محل نصب على الحال ، وفى صاحبها وجهان : أحدهما أنه الموصول . والثانى : أنه العائد عليه ، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة ، ويجوز أن تكون ( مِن ) لبيان الجنس .وقوله : ( وَمِن رِّبَاطِ الخيل ) معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام .أى : أعدوا لقتال أعدائكم ، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم فى الحرب ، من نحو : حصون وقلاع وسلاح . ومن رباط الخيل للغزو والجهاد فى سبيل الله .وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به ، لمزيد فضلها وغنائها فى الحرب ، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية فى القتال فى العهد النبوى ، وقوله : ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ) بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة .وقوله : ( تُرْهِبُونَ ) من الرهبة وهى مخافة مع ترحز واضطراب .والضمير المجرور - وهو قوله ( بِهِ ) - يعود إلى الإِعداد المأخوذ من قوله ( وَأَعِدُّواْ ) .أى : أعدوا ما استطعتم من قوة ، حال كونكم مرهبين بهذا الإِعداد عدو الله وعدوكم ، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق ، وعلى رأس هؤلاء جميعا ، كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق ، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإِضرار بكم إلا فعلوها .وقوله ( وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ) معطوف على ما قبله .أى : ترهبون بهذا الإِ عداد أعداء معروفين لكم - كمشركى مكة ويهود المدينة ، وترهبون به أيضاً أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم ، ولكن الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ يعلمهم ، وسيحبط أعمالهم .وقد اختلف المفسرون فى المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فمنهم من قال : المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال : المراد بهم أهل فارس والروم .ورجح ابن جرير أن المراد بهم : كفار الجن . . لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريضة وفارس والروم لهم . . والمعنى ترهبون بذلك الإِعداد عدو الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم ، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم : الله يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا يرونهم .ورجح الفخر الرازى أن المراد بهم المنافقون ، قال : لأن المنافقين من عادته أن يتربص ظهور الآفات ، ويحتال فى إلقاء الإِفساد والتفريق بين المسلمين - بطرق قد لا تعرف ، فإذا شاهد كون المسلمين فى غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة .ولعل ما رجحه الفخر الرازى هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيراً ما تكون خافية ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ثم ختم - سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى الإِنفاق فى سبيله ، وبشر المنفقين بسحن الجزاء فقال : ( وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) .أى : ( وَمَا تُنفِقُواْ ) - أيها المؤمنون - ( مِن شَيْءٍ ) قل أو أكثر هذا المنفق ( فِي سَبِيلِ الله ) أى فى وجوه الخيرات التى من أجَلِّها الجهاد لإِعلاء كلمة الدين ( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) أى : يصل إليكم عوضه فى الدنيا وأجره فى الآخرة ( وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) أى : لا تنقصون شيئاً من العوض أو الأجر .قال : والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح ، وإبراز الإِثابة فى معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى - .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإِسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقواياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم .قال القرطبى : وقوله - تعالى - ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ ) . أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمه التقوى . فإن الله - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل فى وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ . .وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، أتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضاره الإِسلام ، كان الإِسلام عزيزاً ، عظيماً ، أبى الضيم ، قوى القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار .أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضاً من فروض الكفاية ، فأصحبت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى .وكيف لا يطمع العدو فى بلاد الإِسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاط العدو؟أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التى أمر الله بها لأعدائه ، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى منها بخيله ورجله . . ؟إن القوة التى طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء . كإعداد الجيوش المدربة ، والأسلحة المتنوعة التى تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة .وما روى من تفسيره القوة - التى وردت فى الآية - بالرمى ، فإنما هو على سبيل المثال ، ولأن الرمى كان فى ذلك الوت أقوى ما يتقوى به .قال الفخر الرازى عند تفسيره للآية ، والمراد بالقوة هنا ما يكون سبباً لحصول القوة ، وذكروا فيه وجوها :الأول : المراد من القوة أنواح الأسلحة .الثانى : روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية على المنبر وقال : " ألا إن القوة الرمى " قالها ثلاثاً .الثالث : قال بعضهم : القوة هى الحصون .الرابع : قال أصحاب المعانى : الأولى أن يقال : هذا عام فى كل ما يتقوى به على حرب العدو ، ولك ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " القوة هى الرمى " لا ينفى كون غير الرمى معتبراً . كما أن قوله - صلى الله عليه وسلم - " الحج عرفه " " والندم توبة " لا ينفى اعتبار غيره . بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا .وهذه الآية تدر على أن الاستعداد للجهاد بالنبل ، والسلاح ، وتعليم الفروسية ، والرمى فريضة إلا أنه من فرض الكفايات .إن رباط الخيل للجهاد فى سبيل الله فضله عظيم ، وثوابه كبير فقد كانت الخيل هى خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال فى الحرب وأسرعها ، وما زالت الخيل لها قيمتها فى بعض أنواع الحروب .قال القرطبى ، فإن قيل : إن قوله ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ ) كان يكفى ، فلماذا خص الخيل بالذكر؟قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها الى عقد الخير فى نواصيها ، وهى أقوى القوة ، وأشد العدة ، وحصون الفرسان ، وبها يجال فى الميدان ، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفاً ، وأقسم بغبارها تكريماً ، فقال : ( والعاديات ضَبْحاً ) وقال الإِمام ابن العربى : وأما رباط الخيل هو فضل عظيم ومنزلة شريفة .روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" الخيل ثلاثة ، لرجل ستر ، ولرجل أجر ، وعلى رجل وزر . فأما الذى هى عليه وزر رجل ربطها رياء وفخراً ونواء لأهل الإِسلام - أى : مناوأة ومعاداة - فهى عليه وزر " .وأما الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله ، فأطال لها فى مرج أو روضة ، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شئ إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات . .وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوى ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول : " الخير معقود فى نواصى الخيل إلى يوم القيامة " " .4- أن المقصود من إعداد العدة فى الإِسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا فى الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين فى ديارهم ، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحداً سواه - عز وجل . .وليس المقصود بأعداد العدة إرهاب المسالمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو القهر والإِذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى - .ولذلك وجدنا الآية صريحة فى بيان المقصود من هذا الإِعداد ، وهو - كما عبرت عنه ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ) .وهناك آيات أخرى صريحة فى بيان سبب مشروعيته القتال فى الإِسلام ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ) وقوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) والخلاصة : أن من تتبع آيات القرآن الواردة فى القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال فى الإِسم ينحصر فى رد العدوان ، وحماية الدعوة الإِسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقدية ، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان .5- وجوب الإِنفاق فى سبيل الله ، ومن أشرف وجوه الإِنفاق فى سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله فى الجهاد الذى هو ذروة سنام الإِسلام ، والذى ما تركه قوم إلا ذلوا . . وألقوا بأنفسهم فى التهلكة . .ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين فى سبيل الله ، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم .قال - تعالى - ( وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) وفى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى عن أبى يحيى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أنفق نفقة فى سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " .