Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ
Et s'ils inclinent à la paix, incline vers celle-ci (toi aussi) et place ta confiance en Allah, car c'est Lui l'Audient, l'Omniscient
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أمر - تعالى - رسوله - صلى الله عليه - بقبول السلم والمصالحة ، إذا ما رغب أعداؤه فى ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال - تعالى - : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ . . . عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .قوله ( جَنَحُواْ ) من الجنوح بمعنى الميل ، يقال : جنح فلان للشئ وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحاً . أى : مال إليه .قال القرطبى : والجنح : الميل . وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه . ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشورة - بضم الحاء وكسرها - أى : الأمعاه .وجنحت الإِبل : إذا مالت أعناقها فى السير قال ذو الرمة :إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنحوقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص " للسلم " - بكسر السين - وقرأ الباقون بالفتح . وإنما قال ( لَهَا ) لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب . . ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة .والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل فى الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة ، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإِرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى ( لِلسَّلْمِ ) أى : المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة .وقوله ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) معطوف على ( فاجنح لَهَا ) لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة فى قلبه .أى : اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك ، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم ، إنه - سبحانه - ( هُوَ السميع ) لأقوالهم ( العليم ) بأحوالهم ، فيجازيهم بما يستحقون ، ويرد كيدهم فى نحورهم .وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف ( إِن ) الذى يعبر به عن الشئ المشكوك فى وقوعه ، للإِشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها ، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم ، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائماً على حذر منهم ، وألا يأمنوا مكرهم .هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية ، فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة ، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين . ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها منسوخة أولاً؟وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه :عن قتادة أن قوله ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ) منسوخة بقوله فى سورة براءة ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وبقوله ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ) فقد كانت هذه - أي الآية التى معنا وهى قوله - تعالى - ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ . . . ) قبل براءة . كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يوادع القول إلى أجل ، فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد براءة فقال : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وعن عكرمة والحسن البصرى قالا : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ . . . ) نسختها الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر )الآية .ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل .لأن قوله ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا . . ) إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزئية منهم ، وأما قوله : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) فإنما عنى به مشركو العرب ن عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس فى إحدى الآتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه . .هذا ما يراه ابن جرير . أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه الله - :قوله : ( وَإِن جَنَحُواْ ) أى : مالوا ( لِلسَّلْمِ ) أى المسالمة والمصالحة والمهادنة ( فاجنح لَهَا ) أى : فمل إليها واقبل منهم ذلك . ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر . .وقال مجاهد : نزلت فى بنى قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله فى موقعه بدر ، وذكرها مكتنف لها كله .وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف فى براءة ، وهى قوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) وفيه نظر أيضاً ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ( وَإِن جَنَحُواْ ) وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص . .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاماً فى معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك فى مصلحة المسلمين .ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - " والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإِمام صلاح الإِسلام وأهله من حرب أو سلم . وليس يحتم أن يقاتلوا أبداً . أو يجابوا إلى الهدنة أبداً " .
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ
Et s'ils veulent te tromper, alors Allah te suffira. C'est Lui qui t'a soutenu par Son secours, ainsi que par (l'assistance) des croyants
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أمن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خداع أعدائه ، إن هم أرادوا خيانته ، ويبتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى - : ( وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين ) .أى : وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم فى الظاهر أو يخدعوك - يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تباك بخداعهم ، بل صالحهم مع ذلك إن كان فى الصلح مصلحة للإِسلام وأهله ، ولا تخف منهم ، فإن الله كافيك بنصره ومعوته ، فهو - سبحانه - الذى أمدك بما أمدك بم أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية ، وهو - سبحانه - الذى أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل إعزاز هذا الدين ، وإعلاء كلمته . .فالآية الكريمة تشجيع للنبى - صلى الله عليه وسلم - على السير فى طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإِسلام وأهله ، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة . وقوله : ( حَسْبَكَ ) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل . أى . بحسبك وكافيك .قال الفخر الرازى : فإن قيل : أليس قد قال - تعالى - ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ . . . ) أى : أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما كذره فى هذه الآية؟قلنا : قوله : ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ) محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل فى قلوبهم بنوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة . .فإن قيل : لما قال : ( هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ) فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال ( وبالمؤمنين ) ؟قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة أسباب معلومة .فالأول هو المراد من قوله ( أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ) والثانى هو المراد من قوله : ( وبالمؤمنين ) .
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ
Il a uni leurs cœurs (par la foi). Aurais-tu dépensé tout ce qui est sur terre, tu n'aurais pu unir leurs cœurs; mais c'est Allah qui les a unis, car Il est Puissant et Sage
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله فى كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال - تعالى - : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) .أى : أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك - سبحانه - بنصره وأن أيدك بالمؤمنين ، بأن حبب إليهم الإِيمان وزينه فى قلوبهم ، وجعل منهم قوة موحدة ، فاصاروا بفضله - تعالى - كالنفس الواحدة ، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت يا محمد ( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً ) من الذهب والفضة وغيرهما ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة ( ولكن الله ) بفضله وقدرته هو وحده الذى ( أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) فصاروا إخواناً متحابين متصافين ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( عَزِيزٌ ) أى : غالب فى ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن ( حَكِيمٌ ) فى كل أفعاله وأحكامه ..وهذه الآية الكريمة يؤديها التاريخ ، ويشهد بصدقها أحداثه ، فنحن نعلم أن العرب - وخصوصاً الأوس والخزرج - كانوا قبل الإِسلام فى حالة شديدة من التفرق والتخاصم والتنزاع التحارب . . فلما دخلوا فى الإِسلام تحول بغضهم إلى حب ، وتخاصمهم إلى مودة ، وتفرقهم إلى اتحاد . . وصاروا فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل . .ولقد أجاد صاحب الكشاف - رحمه الله - فى تصويره لهذه المعانى حيث قال : " التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الباهرة ، لأن العرب - لما فيهم من الحمية والعصبية ، والانطاء على الضغينة . . لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتحدوا ، وأنشأوا يرمون عن وس واحدة ، وذلك لما نظم الله من ألفتهم ، وجمع من كلمتهم ، وأحدث بينهم من التحاب والتواد ، وأماط عنهم عن التباغض والتماقت ، وكلفهم من الحب ، فى الله والبغض فى الله ، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب ، فهو يقلبها كيف يشاء ، ويصنع فيها ما يريد .قيل : هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الرحوب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم ، ودق جماجمهم . ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى . وبينهما التاور الذى يهيج الضغائن ، ويديم التحاسد والتنافس . وعادة كل طائفتين كانتا بهذه الماثبة أن تتجنب هذه ما ىثرته أختها ، وتكرهه وتنفر منه .فأنساهم الله - تعالى - ذلك كله ، حتى اتفقوا على الطاعة ، وتصافوا وصاروا أنصاراً ، وعادوا أعواناً ، وما ذاك إلا بلطيف صنعه ، وبليغ قدرته " . هذا ، وفى الصحيحين " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار فى شأن غنائم " حنين " قال لهم : يا معشر الأنصار!! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى؛ وعالة فأغناكم الله بى؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى؟ فكانوا يقولون كلما قال شيئا : الله ورسوله آمن " .وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول : إن الرحم لقتطع ، وإن النعمة لتنكر ، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شئ . ثم يقرأ قوله - تعالى - : ( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ
O Prophète, Allah et ceux des croyants qui te suivent te suffisent
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم مضت السورة الكريمة فى تثبيت الطمأنينة فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى قلوب أصحابه فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم ، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي . . . مَعَ الصابرين ) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات ، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار؛ لأن المعنى فى الآية الأولى؛ إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم .والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج إليه فى الدين والدنيا .وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال . .وقوله : ( حَسْبُكَ ) صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل ، والكاف فى محل جر .والواو فى قوله ( وَمَنِ اتبعك ) بمعنى مع ، و ( مَنِ ) فى محل نصب عطفاً على الموضع ، فإن قوله ( حَسْبُكَ ) بمعنى كافيك فى جميع أمورك .والمعنى : يأيها النبى كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو - سبحانه - ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم ، وما دام الأمر كذلك ، فاعتمدوا عليه وحده ، وأطيعوا فى السر والعلن؛ لكى يديم عليكم عونه وتأييده ونصره .قال بعض العلماء : قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية : أى : الله وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد . ثم قال : وههنا تقديران :أحدهما : أن تكون الواو عاطفة للفظ " من " على الكاف المجرروة . .والثانى : أن تكون الواو بمعنى " مع " وتكون " من " فى محل نصب عطفاً على الموضع . فإن " حسبك " فى معنى كافيك أى : الله يكفيك ويكفى من اتبعك ، كما يقول العرب : حسبك وزيدا درهم ، قال الشاعر :وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهندوهذا أصح التقديرين . وفيها تقدير ثالث : أن تكون " من " فى موضع رفع بالابتداء : أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله .وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى ، وهو أن يكون " من " فى موضع رفع عطفا على اسم الله . ويكون المعنى : حسبك الله وأتباعك .هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض ، لا يجوز حمل الآية عليه ، فإن الحسب والكفاية لله وحده ، كالتوكل والتقوى والعبادة . .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ
O Prophète, incite les croyants au combat. S'il se trouve parmi vous vingt endurants, ils vaincront deux cents; et s'il s'en trouve cent, ils vaincront mille mécréants, car ce sont vraiment des gens qui ne comprennent pas
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتحريض المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق ، فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال . . . ) .وقوله : ( حَرِّضِ ) من التحريض بمعنى الحق على الشئ بكثرة التزيين له ، وتسهيل اللأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس .قال الراغب : الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه ، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك حرض . قال - تعالى - ( حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين . . . ) .والتحريض : الحث على الشئ . . فكأنه فى الأصل إزالة الحرض نحو حرضته وقذيته أى : أزلت عنه الحرض والقذى ..والمعنى : يأيها النبى بالغ فى حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر وجلد ، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل .ولهذا " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض أصحابه على القتال عند وصفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون فى عددهم وعددهم : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض " . فقال عمير بن الحمام : عرضها السماوات والأرض؟ فقال رسول الله : نعم فقال عمير : بخ بخ فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما يحملك على قولك بخ بخ "؟ قال : رجاء أن أكون من أهلها ، قال - صلى الله عليه وسلم - " فإنك من أهلها " فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن " ثم ألقى بقيتهن من يده وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن ، إنها لحياة طويلة ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رضى الله عنه - " .وقوله : ( إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم .أى : قابلوا - أيها المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام ، فإنكم إن يوجد منكم عشرون رجلاً صابروا يغلبوا - بسبب إيمانهم وصبرهم - مائتين من الكافرين ، وإن يوجد منكم مائة يغلبوا ألفاً منهم ، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة بحقوق الله - تعالى - وبما يجب عليهم نحوه .فهم - كما يقول صاحب الكشاف - : " يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم " فيقل ثباتهم . ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ، ويستحقون الخذلان . بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه يستوجب به النصر والإِظهار من الله - تعالى .وقال صاحب المنار : والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وإرتقاء الأمم . وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السب فى كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين . .وهكذا كان المؤمنون فى قرونهم الأولى . . أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعانى الجليلة ، فزال مجدهم . .