Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّـٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ
Cela (le châtiment), pour ce que vos mains ont accompli.» Et Allah n'est point injuste envers les esclaves
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : ( ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) بيان للأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ . وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بشؤوم صنيعهم ، وانقيادهم للهوى والشيطان .أى : ذلك الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من الضرب وعذاب النار ، سببه ما قدمته أيديكم من عمل سئ ، وفعل قبيح ، وقول منكر ، وجحود للحق . وأن الله - تعالى - ليس بذى ظلم لكم ولا لغيركم ، لأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت ألا يعذب أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه ، وجرم اقترفه .فاسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى الضرب وعذاب الحريق ، وهو مبتدأ ، وخبره قوله ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) .والمراد بالأيدى : الأنفس والذوات ، والتعبير بالأيدى عن ذلك من قبيل التعبير بالجزء عن الكل .وخصت الأيدى بالذكر ، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته ، وأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى . ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به ، والاتصال بذاته .وقوله : ( وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة اعتراض تذييلى مقرر مضمون ما قبله .أى : ذلك الذى نزل بكم سببه ما قدمته ايدكم ، والأمر أن الله - تعالى - ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب جنوه .ويجوز أن يكون معطوفا على ( ما ) المجرورة بالباء . أى : ذلك بسبب ما قدمته ايدكم وأن الله ليس بظلام للعبيد .قال بعض العلماء : فإن قيل ما سر التعبير بقوله ( بِظَلاَّمٍ ) بالمبالغة ، مع أن نفى نس الظلم أبلغ من نفى كثتره ، ونفى الكثرة لا ينفى أصله ، بل ربما يشعر بوجوده ، وبرجوع النفى للقيد؟ .وأجيب بأجوبة :منها : أنه نفى لأصل الظلم وكثرته ، باعتبار آحاد من ظلم ، كأنه قيل ظالم لفلان ولفلان وهلم جرا ، فلما جمع هؤلاء عدل إلى ( بِظَلاَّمٍ ) لذلك ، أى : لكثرة الكمية فيه .ومنها : أنه إذا انتفى الظلم الكثير ، انتفى الظلم القليل ، لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم ، فإذا ترك كثيره ، مع زيادة نفعه فى حق من يجوز عليه النفع والضر ، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا .ومنها : أن " ظلاما " للنسب كعطار ، أى : لا ينسب إليه الظلم أصلا .ومنها : أن كل صفة له - تعالى - فى أكمل المراتب ، فلو كان - سبحانه - طالما ، كان ظلاما ، فنفى اللازم نفى للملزوم .ومنها : أن نفى ( الظلام ) لنفى الظالم ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى كماله ، فجعل نفى المبالغة كناية عن نفى أصله ، انتقالا من اللازم إلى الملزوم .ومنها : أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه ، فالمراد تنزيهه - تعالى - وهو جدير بالمبالغة .وفى صحيح مسلم عن أبى ذر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله - تعالى - يقول :" يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا " .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد بينتا حالة المشركين عند قبض أرواحهم بيانا يحمل النفوس على الإِيمان والطاعة لله - تعالى - فقد رسم القرآن رصورة مفزعة لهم ، صورة الملائكة وهى تضرب وجوههم وأدبارهم بأمر من الله - تعالى الذى ما ظلمهم ، ولكنهم هم الذين أحلوا بأنفسهم هذا المصير المؤلم المهين ، حيث كفروا بالحق ، وحاربوا أتباعه ، واستحيوا العمى على الهدى
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ
Il en fut de même des gens de Pharaon et ceux qui avant eux n'avaient pas cru aux signes (enseignements) d'Allah. Allah les saisit pour leurs péchés. Allah est certes Fort et sévère en punition
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين سبحانه - أن هؤلاء الكافرين عادتهم فى كفرهم وطغيانهم كعادة من سبقهم من الأمم الظاملة وإن من سنة الله - تعالى - فى خلقه ألا يعاقب إلا بذنب ، وألا يغير النعمة إلا لسبب . فقال - تعالى - : ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ . . . كَانُواْ ظَالِمِينَ ) .والكاف فى قوله : ( كَدَأْبِ ) ، للتشبيه ، والجار والمجرور فى موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف .والدأب : أصله الدوام والاستمرار ، يقال : دأب فلان على كذا يدأب دأباً - بفتح الهمزة - ودأباً - بسكونها - ودؤوباً ، إذا دوام عليهي وجد فيه ، ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة ، لأن الذى يستمر فى عمل أمدا طويلا يصيره هذا العمل عادة من عاداته ، وحالا من أحواله ، فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم .والآل - كما يقول الراغب - مقلوب عن الأهل ، ويصغر على أهيل ، إلا أنه خص بالإِضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة يقال : آل فلان ، ولا يقال : آل رجل ، ولا يقال : آل الحجام . . بل يضاف إلى الأشرف والأفضل يقال : آل الله ، وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل ، فيقال : أهل الله ، وأهل الحجام ، وأهل زمان كذا . .والمقصود بآل فرعون : هو وأغوانه وبطانته ، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاص بالمضاف إليه .والمعنى : شأن هؤلاء الكافرين الذين حربواك يا محمد ، والذين هلك منهم من هلك فى بدر ، شأنهم وحالهم وعادتهم فيما اقترفوه من الكفر والعصيان وفيما فعل بهم من عذاب وخذلان ، كشأن آل فرعون الذين استحبوا العمى على الهدى ، والذين زينوا له الكفر والطغيان حتى صار عادته له ولهم ، وقد أخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، بسبب كفرهم وفجورهم .وقد خص - سبحانه - فرعون وآله بالذكر من بين الأمم الكافرة ، لأن فرعون كان أشد الطغاة طغيانا ، وأكثرهم غرورا وبطرا ، وأكثرهم فى الاستهانة بقومه وفى الاحتقار لعقولهم وكيانهم .ألم يقل لهم - كم حكى القرآن عنه - ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ) وألم يبلغ به غروره أن يقول لهم : ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ) أما آله وبطانته وأعوانه ، فهم الذين زينوا له السوء ، وحرضوه على البطش موسى لأنه جاءهم بالحق ، ولقد حكى الله عنهم نفاقهم وضلالهم وانغماسهم فى الآثام فى آيات كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية ، وتفاهة العقل ، والخروج عن كل مكرمة فقال : ( فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ) وذلك لأن الأمة التى تترك الظالم وبطانته يعيثون فى الأرض فساداً ، لا تستحق الحياة ، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران .وقوله ( كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله ) تفسير لصنيعهم الباطل ، ودأبهم على الفساد والضلال .والمراد بآيات الله : ما يعم المتلوة فى كتب الله - تعالى - ، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم .وفى إضافتها إلى الله : تعظيم لها وتشريف ، وتنبيه إلى قوة دلالتها على الحق والخير .وقوله : ( فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ ) معطوف على قوله ( كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله ) لبيان ما ترتب على كفرهم من عقوبات أليمة .وفى التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العذاب ، فهو - سبحانه - قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع الفكاك من آسره .والباء فى قوله : ( بِذُنُوبِهِمْ ) للسببية أى كفروا بآيات الله فعاقبتهم - سبحانه - بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره .ويجوز أن تكون للملابسة ، أى : أخذهم وهم تلبسون بذنوبهم دون أن يثوبوا منها ، أو يقعلوا عنها .وعلى الوجهين فالجملة الكريمة تدل على كمال عدل الله - تعالى - لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم استحقوا العقاب .والمراد بذنوبهم : كفرهم وما ترتب علهي من فسوق وعصيان ، وأصل الذنب : الأخذ بذنب الشئ أى بمؤخرته ، ثم أطلق على الجريمة ، لأن مرتكبها يعاقب بعدها .وقوله : ( إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ الشديد ، بسبب الكفر والمعاصى .أى : إن الله - تعالى - قوى لا يغلبه غالب ، ولا يدفع قضاءه دافع ، شديد عقابه لمن كفر بآياته ، وفسق عن أمره .
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ
C'est qu'en effet Allah ne modifie pas un bienfait dont Il a gratifié un peuple avant que celui-ci change ce qui est en lui-même. Et Allah est, Audient et Omniscient
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : ( ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ . . . ) بيان لسنة من سننه - تعالى - فى خلقه ، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار ، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإِشارة : ( ذلك ) يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله - تعالى - ( فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ ) .وهو ، أى : اسم الإِشارة مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - ( بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً . . ) إلخ .والمعنى : ذلك الذى نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهيى ، فقد جرت سنته - سبحانه - فى خلقه ، واقتضت حكمته فى حكمه ألا يبدل نعمه بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب ، واجتراح السيئات ، فإذا لم يتلق الناس نعمه - عز وجل - بالشكر والطاعة ، وقابلوها بالكفر والعصيان ، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا .وشبيه بهذا قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) قال الفخر الرازى : قال القاضى : معنى الآية أنه - تعالى - أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل ، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ، ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة الله - تعالى - على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم ، والمنح بالمحن .قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه - تعالى - لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة .وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركى مكة حتى غير الله نعمته عليهم ، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟ .قلت : كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة ، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم كفرة عبدة أصنام ، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين فى إراقة دمه ، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت ، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإِمهال وعاجلهم بالعذاب .وقوله : ( وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) معطوف على قوله : ( بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً ) إلخ .أى : ذلك التعذيب بسبب جحودهم لنعم ، وبسبب أنه - سبحانه - سميع لما نطقوا به من سوء ، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات ، وقد عاقبتهم على ذلك بما يستحقون من عذاب : ( وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ
Il en fut de même des gens de Pharaon et ceux qui avant eux avaient traité de mensonges les signes (enseignements) de leur Seigneur. Nous les avons fait périr pour leurs péchés. Et Nous avons noyé les gens de Pharaon. Car ils étaient tous des injustes
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ذكر - سبحانه - ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل التأكيد والتوبيخ فقال : ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ ) .أى : أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد ، كشأن آل فرعون ومن تقدمهم من الأقوام السابقة ، كقوم نوح وقوم هود . . ، كذب ألوئك جميعا بآيات ربهم التى أوجدها - سبحانه - لهدايتهم وسعادتهم . . فكانت نتيجة ذلك أن أهلكهم - سبحانه - بسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، وبسبب النعم فى غير ما خلقت له .( وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ ) الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان .( وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ ) أى : وكل من الأقوام المذكورين ومن على شاكلتهم فى الكفر والضلال ، كانوا ظالمين لأنفسهم بكفرهم ، ولأنبيائهم بسبب محاربتهم لهم ، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما جاءوا إلا لهدايتهم .وجمع الضمير فى ( كَانُواْ ) و ( ظَالِمِينَ ) مراعاة لمعنى ( كُلٌّ ) لأنها متى قطعت عن الإِضافة جاز مراعاة لفظها تارة ، ومراعاة معناها أخرى ، واختير هنا مراعاة المعنى أجل الفواصل .قال الجمل : فإن قلت : ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية؟ .قلت : فيها فوائد منها : أن الكلام الثانى يجرى مجرى التفصيل للكلام الأول ، لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذهم ، والثانية ذكر إغراقهم فذلك تفسير للأول .ومنها : أنه ذكر فى الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفى الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ، ففى الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها ، وفى الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها ، وكفرهم بها .ومنها : أن تكرير هذه القصة للتأكيد .وبعد ، فإن المتدبر فى هذه الآيات الكريمة ، يراها تصور تصويرا واضحا سنة من سنن الله فى خلقه ، وهى أنه - سبحانه - لا يسلب نعمه عن قوم إلا بسبب ذنوب اقترفوها ، وأنه - تعالى - لا ينزل عقوباته بهم إلا بعد لجاجهم فى طغيانهم ، وإدبارهم عن نصح الناصحين .ورحم الله الأستاذ الإِمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيداً صدره بقوله تعالى : ( ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .. ) .ومما جاء فى هذا المقال قوله : تلك آيات الكتاب الحكيم ، تهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم .أرشدنا - سبحانه - إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها ، ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التى سنها - سبحانه - على أساس الحكمة البالغة ، إن الله لا يغير ما بقوم من عز وسلطان ، ورفاعة وخفض عيش ، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل ، وصحة الفكر ، وإشراق البصيرة ، والاعتبار بأفعال الله فى الأمم السابقة ، والتدبر فى أحوال الذين حادوا عن صراط الله فهلكوا ، أو حل بهم الدمار ، ثم لعدولهم عن سنة العدل ، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة ، حادوا عن الاستقامة فى الرأى ، والصدق فى القول ، والسلام فى الصدر ، والعفة عن الشهوات ، والحمية على الحق ، والقيام بنصرته والتعاون على حمايته . . خذلوا العدل ولم يجمعوا همم على إعلاء كلمته وابتعوا الأهواءالباطلة ، وانكبوا على الشهوات الفانية . . فأخذهم بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين .هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها فى التحلى بالفضائل وجعل هلاكها ودمارها فى التخلى عنها .سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم ، ولا تتبدل بتبدل الأخيال ، كسنته - سبحانه - فى الخلق والإِيجاد ، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال . .
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ
Les pires bêtes, auprès d'Allah, sont ceux qui ont été infidèles (dans le passé) et qui ne croient donc point (actuellement)
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن شرح - سبحانه - أحوال المهلكين من شرار الكفرة ، شرع فى بيان أحوال الباقين منهم ، وتفصيل أحكامها ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ شَرَّ الدواب . . إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وصف كل الكفار بقوله : ( وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ ) أفرد بعضهم بمزية فى الشر والعناد فقال : ( إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله ) أى : فى حكمه وعلمه من حصلت له صفتان :الأولى : الكافر الذى يكون مستمراً على كفره مصرا عليه . .الثانية : أن يكون ناقصا للعهد على الدوام . .قال ابن عباس : هم بنو قريظة ، فإنهم نقضوا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعانوا عليه المشركين بالسلاح فى يوم بدر ، ثم قالوا : أخطأنا ، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق . .والدواب : جمع دابة . وهى كل ما يدب على الأرض قال - تعالى - ( والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ ) قال الجمل : وإطلاق الدابة على الإِنسان إطلاق حقيقى ، لما ذكروه فى كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو أدميا . وفى الصباح " الداية كل حيوان فى الأرض مميزاً وغير مميز " .والمعنى : إن شر ، ما يدب على الأرض ( عِندَ الله ) أى : فى حكمه وقضائه ( الذين كَفَرُواْ ) أى : الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه .وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم شر الدواب لا شر الناس ، للإِشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى به الناس من تعقل وتدبر للأمور ، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس ، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التى لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء ، وفى وصفه - سبحانه - لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم ، لأنهم ليسوا دوابا فحسب بل هم شرها وأخسها .وقوله : ( فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) تذييل جئ به على وجه الاعتراض بالبيان أى : أنهم - بسبب إصرارهم على الكفر - صار الإِيمان بعيدا عنهم ، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون فى الضلال والعناد .