Tafsir Al Wasit
Waseet
يوسف
Yusuf
111 versets
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
Ainsi avons-nous affermi (l'autorité de) Joseph dans ce territoire et il s'y installait là où il le voulait. Nous touchons de Notre miséricorde qui Nous voulons et ne faisons pas perdre aux hommes de bien le mérite [de leurs œuvres]
Tafsir Al Wasit — Waseet
هذا ، وقوله - سبحانه - ( وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض . . . ) بيان لسنة الله - تعالى - فى خلقه ، من كونه - سبحانه - لا يضيع أجر الصابرين المحسنين أى : ومثل هذا التمكين العظيم . مكنا ليوسف فى أرض مصر ، بعد أن مكث فى سجنها بضع سنين ، لا لذنب اقترفه ، وإنما لاستعصامه بأمر الله .وقوله ( يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ) تفصيل للتمكين الذى منحه الله - تعالى - ليوسف فى أرض مصر ، والتبوأ اتخاذ المكان للنزول به . يقال : بوأ فلان فلانا منزلاً . أى مكنه منه وأنزله به أى : ومثل هذا التمكين العظيم ، مكنا ليوسف فى أرض مصر ، حيث هيأنا له أن يتنقل فى أماكنها ومنازلها حيث يشاء له التنقل ، دون أن يمنعه مانع من الحلول فى أى مكان فيها .فالجملة الكريمة كناية عن قدرته على التصرف والتنقل فى جميع أرض مصر ، كما يتصرف ويتنقل الرجل فى منزله الخاص .وقوله : ( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ . . . ) بيان لكمال قدرته ونفذا إرادته - سبحانه - أى نصيب برحمتنا وفضلنا وعطائنا من نشاء عطاءه من عبادنا بمقتضى حكمتنا ومشيئتنا .( وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ) الذين يتقنون أداء ما كلفهم الله بأدائه ، بل نوفيهم أجورهم على إحسانهم فى الدنيا قبل الآخرة إذا شئنا ذلك .
وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
Et la récompense de l'au-delà est meilleure pour ceux qui ont cru et ont pratiqué la piété
Tafsir Al Wasit — Waseet
( وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ ) وأبقى ( لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ) يالله - إيماناً حقا ( وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ) خالقهم - عز وجل - فى لك ما يأتون وما يذرون ، بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه .وهكذا كافأ الله - تعالى - يوسف على صبره وتقواه وإحسانه ، بما يستحقه من خير وسعادة فى الدنيا والآخرة .ثم تطوى السورة بعد ذلك أحداثاً تكل معرفتها إلى فهم القارئ وفطنته ، فهى لم تحدثنا - مثلاً - عن الطريقة التى اتبعها يوسف فى إدراته لخزائن أرض مصر ، اكتفاء بقوله ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) للدلالة على كفايته وأمانته .كذلك لم تحدثنا عن أحوال الناس فى السنوات السعب العجاف ، وفى السنوات الخضر لأن هذا مقرر ومعروف فى دنيا الناس .كذلك لم تحدثنا عن صلة الملك وحاشيته بيوسف ، بعد أن صار أميناً على خزائن الأرض ، بل أفسحت المجال كله للحديث عن يوسف ، إنزالاً للناس منازلهم ، إذ هو صاحب التفسير الصحيح لرؤيا الملك ، وصاحب الأفكار الحكيمة التى أنقذت الأمة من فقر سبع سنوات شداد ، وصابح الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى - وإخلاص العبادة له ، بين قوم يشركون مع الله فى العبادة آلهة أخرى .
وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ
Et les frères de Joseph vinrent et entrèrent auprès de lui. Il les reconnut, mais eux ne le reconnurent pas
Tafsir Al Wasit — Waseet
لم تحدثنا السورة الكريمة عن كل ذلك ، فى أعقاب حديثها عن تمكين الله - تعالى - ليوسف فى الأرض ، وإنما انتقلت بنا بعد ذلك مباشرة إلى الحديث عن لقاء يوسف بإخوته ، وعما دار بينه وبينهم من محاورات ، وعن إكرامه لهم . . .قال تعالى :( وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ . . . )قال الفخر الرازى - رحمه الله - اعلم أنه لما عم القحط فى البلاد ، ووصل أيضاً إلى البلدة التى ان يسكنها يعقوب - عليه السلام - وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه : إن بمصر صالحاً يمير الناس - أي يعطيهم الطعام وما هم فى حاجة إليه فى معاشهم - فاذهبوا إليه بدراهمكم ، وخذوا منه الطعام ، فخرجوا إليه وهم عشرة وبقى " بنيامين " مع أبيه ، ودخلوا على يوسف - عليه السلام - وصارت هذه الواقعة كالسبب فى اجتماع يوسف مع إخوته ، وظهور صدق ما أخبره الله - تعالى - عنه فى قوله ليوسف حال ما ألقوه فى الجب ( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) وقد جاءوا إليه جميعاً - ما عدا " بنيامين " وهو الشقيق الأصغر ليوسف ليحصلوا منه على أكبر كمية من الطعام على حسب عددهم ، وليكون عندهم القدرة عل صد العدوان إذا ا تعرض لهم قطاع الطرق الذين يكثرون فى أوقات الجدب والجوع .وعبر عن معرفة يوسف لهم بالجملة الفعلية ، وعن جهلهم له بالجملة الإسمية للإشعار بأن معرفته لهم حصلت بمجرد رؤيته لهم ، أما هم فعدم معرفتهم له كان أمرا ثابتاً متمكناً منهم .قال صاحب الكشاف : " لم يعرفوه لطول العهد ، ومفارقته إياهم فى سن الحداثة ولاعتقادهم أنه قد هلك ، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه ، واهتمامهم بشأنه ، ولبعد حاله التى بلغها من الملك والسلطان عن حاله التى فارقوه عليها طريحاً فى البئر ، حتى لو تخيلوا أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم ، ولأن الملك مما يبدل الزى ، ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف . . . "ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المجاعة الى حدثت فى السبع السنين الشداد شملت مصر وما جاورها من البلاد - كما سبق أن أشرنا - .كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط أنظار المعسرين من مختلف البلاد بفضل حسن تدبير يوسف - عليه السلام - وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة وسهره على مصالح الناس ، ومراقبته لشئون بيع الطعام ، وعدم الاعتماد على غيره حتى إن إخوته قد دخلوا عليه وحده ، دون غيره من المسئولين فى مصر .
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ
Et quand il leur eut fourni leur provision, il dit: «Amenez-moi un frère que vous avez de votre père. Ne voyez-vous pas que je donne la pleine mesure et que je suis le meilleur des hôtes
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - سبحانه - ( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائتوني بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ . . . ) بيان لما فعله يوسف معهم بعد ان عرفهم دون أن يعرفوه .وأصل الجهاز - بفتح الجيم وكسرها قليل - : ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع ، يقال : جهزت المسافر ، أى هيأت له جهازه الذى يحتاج إليه فى سفره ، ومنه جهاز العروس وهو ما تزف به إلى زوجها ، وجهاز الميت وهو ما يحتاج إليه فى دفنه . . .والمراد : أن يوسف بعد ان دخل عليه إخوته وعرفهم ، أكرم وفادتهم .وعاملهم معاملة طبية جعلتهم يأنسون إليه ، وهيأ لهم ما هم فى حاجة إلأيه من الطعام وغيره ، ثم استدرجهم بعد ذلك فى الكلام حتى عرف منهم على وجه التفصيل أحوالهم .وذلك لأن قوله لهم ( ائتوني بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ) يستلزم أن حديثا متنوعاً نشأ بيته وبينهم ، عرف منه يوسف ، أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا فلو كان هذا الطلب منه لهم بعد معرفت لهم مباشرة ، لشعروا بأنه يعرفهم وهو لا يريد ذلك .ومن هنا قال المفسرون : إن قوله ( ائتوني بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ) يقتضى كلاماً دار بينه وبينهم نشأ عنه هذا الطلب ، ومما قالوه فى توضيح هذا الكلام : ما روى من أنهم بعد أن دخلوا عليهم قال لهم : من أنتم وما شأنكم؟ فقالوا : نحن قوم من أهل الشام ، جئنا نمتار ، ولنا أب شيخ صديق نبى من الأنبياء اسمه يعقوب ، فقال لهم : كم عددكم قالوا عشرة ، وقد كنا اثنى عشر ، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك ، وكان أحبنا إلى أبينا ، وقد سكن بعده إلى أخ له أصغر منه ، هو باق لديه يتسلى به ، فقال لهم حينئذ؛ ( ائتوني بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ) .ويروى أنه قال لهم ذلك بعد أن طلبوا منه شيئا زائداً عن عددهم ، لأن لهم أخاً لم يحضر معهم ، فأعطاهم ما طلبوه ، واشترط عليهم إحضار أخيهم هذا معهم ، ليتأكد من صدقهم .والمعنى : وبعد أن أعطى يوسف إخوته ما هم فى حاجة إليه ، وعرف منهم أن لهم أخاً من أبيهم قد تركوه فى منازلهم ولم يحضر معهم ، قال لهم : أنا أريدكم فى الزيارة القادمة لى ، أن تحضروه معكم لأراه . . .وقوله ( مِّنْ أَبِيكُمْ ) حال من قوله ( بِأَخٍ لَّكُمْ ) أى : أخ لكم حاله كونه من أبيكم ، وليس شقيقاً لكم ، فإن هذا هو الذى أريده ولا أريد غيره .وهذا من باب المبالغة فى عدم الكشف لهم عن نفسه ، حتى لكأنه لا معرفة له بهم ولا به إلا من ذكرهم إياه له .وقوله : ( أَلاَ تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين ) تحريض لهم على الإِتيان به ، وترغيب لهم فى ذلك حتى ينشطوا فى إحضاره معهم .أى : ألا ترون أنى أكرمت وفادتكم ، وأعطيتكم فوق ما تريدون من الطعام ، وأنزلتكم ببلدى منزلاً كريماً . . . وما دام أمرى معكم كذلك ، فلابد من أن تأتونى معكم بأخيكم من أبيكم فى المرة القادمة ، لكى أزيد فى إكرامكم وعطائكم .والمراد بإيفاء الكيل : إتمامه بدون تطفيف أو تنقيص .وعبر بصيغة الاستقبال ( أَلاَ تَرَوْنَ . . . ) مع كونه قد قال هذا القول بعد تجهيزه لهم . للدالة على أن إيفاءه هذا عادة مستمرة له معهم كلما أتوه .وجملة ( وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين ) حالية ، والمنزل : المضيف لغيره .أى : والحال أنى خير المضيفين لمن نزل فى ضيافتى ، وقد شاهدتم ذلك بأنفسكم .
فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ
Et si vous ne me l'amenez pas, alors il n'y aura plus de provision pour vous, chez moi; et vous ne m'approcherez plus»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أتبع هذا الترغيب والترهيب فقال : ( فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ) .أى : لقد رأيتم منى كل خير فى لقائكم معى هذا ، وقد طلبت منكم أن تصحبوا معكم أخاكم من أبيكم فى لقائكم القادم معى ، فإن لم تأتونى به معكم عند عودتكم إلى ، فإنى لن أبيعكم شيئاً مما تريدونه من الأطعمة وغيرها ، وفضلاً عن ذلك فإنى أحذركم من أن تقربوا بلادى فضلاً عن دخولها .هذا التحذير منه - عليه السلام - لهم ، يشعر بأن إخوته قد ذكروا له بأنهم سيعودون إليه مرة أخرى ، لأن ما معهم من طعام لا يكفيهم إلا لوقت محدود من الزمان .