Tafsirs/Tafsir Al Wasit/At-Tawbah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

التوبة

At-Tawbah

129 versets

Versets 5660 sur 129Page 12 / 26
56S09V56

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ

Et ils (les hypocrites) jurent par Allah qu'ils sont vraiment des vôtres; alors qu'ils ne le sont pas. Mais ce sont des gens peureux

Tafsir Al WasitWaseet

وبعد أن بينت السورة الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا والآخرة ، أتبعت ذلك بالحديث عن رذائلهم وقبائحهم التى على رأسها الجبن والكذب فقال - تعالى - : ( وَيَحْلِفُونَ بالله . . . وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) .أى : أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - " إنهم لمنكم " أى : فى الدين والملة ، والحق أنهم ما هم منكم ، لأنهم يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر ، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى قوله : ( إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وقوله : ( ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) استدراك للرد عليهم فيما قالواه وأقسموا عليه كذاب وزروا .وقوله : ( يَفْرَقُونَ ) من الفرق ، بمعنى الفزع الشديد من أمر يتوقع حصوله .يقا : فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه .أى : أن هؤلاء المنافقين لشدة خوفهم وهلعهم - أيها المؤمنون - يحلفون لكم كذبا وزورا بأنهم منكم ، والحق أنهم ما هم منكم ، ولكنهم قوم جبناء . لا يستطيعون مصارحتكم بالعداوة ، ولا يجرؤون على مجابهتكم بما تخفيه قلوبهم لكم به بغضاء .

57S09V57

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ

S'ils trouvaient un refuge, des cavernes ou un souterrain, ils s'y tourneraient donc et s'y précipiteraient à bride abattue

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - سبحانه - : ( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ . . . ) تأكيد لما كان عليه أولئك المنافقون من جبن خالع .والملجأ : اسم للمكان الذى يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان حصنا أو قلعة أو غيرهما .والمغارات : جمع مغارة وهى المكان المنخفض فى الأرض أو فى الجبل . قال بعضهم : والغور - يفتح الغين - من كل شئ قعره . يقال : غار الرجل غورا إذا أتى الغور هو المنخفض من الأرض .والمدخل - بتشديد الدال اسم للموضع الذى يدخلون فيه ، بصعوبة ومشقة لضيقه ، كالنفق فى الأرض .وقوله : ( يَجْمَحُونَ ) أى : يسرعون أشد الإِسراع مأخوذ من الجموح وهو أن يغلب الفرس صاحبه فى سيره وجريه . يقال : جمع الفرس براكبه جموحا ، إذا استعصى عليه حتى غلبه .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات يستخفون فيها . أو سردابا فى الأرض ينجحرون فيه ، لقبلوا نحوه مسرعين أشد الإِسراع دون أن يردهم شئ ، كالفرس الجموح الذى عجز صاحبه عن منعه من النفور والعَدْو .فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف شديد من المؤمنين ، ومن بغض دفين لهم ، حتى إنهم لو وجدوا شيئا من هذه الأمكنة - التى هى منفور منها - لأسرعوا نحوها إسراعا شديداً .

58S09V58

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ

Il en est parmi eux qui te critiquent au sujet des Sadaqats: s'il leur en est donné, les voilà contents; mais s'il ne leur en est pas donné, les voilà pleins de rancœur

Tafsir Al WasitWaseet

ثم تمضى السورة بعد ذلك فى الكشف عن الأقوال المنكرة ، والأفعال القبيحة التى كانت تصدر عن المنافقين فتقول . ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ . . . إِلَى الله رَاغِبُونَ ) .قال الإِمام الرازى : اعلم أن المقصود من هذا ، شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم فى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ، ويقولون إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته ، وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل .هذا ، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآتين روايات منها :ما أخرجه البخارى والنسائى " عن أبى سعيد الخردى - رضى الله عنه - قال : بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمى فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال : " ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل "؟ فقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : ائذن لى فأضرب عنقه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعه فإن له أصحاب يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصايمه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم فى الرمية . . " " .قال أبو سعيد ، فنزلت فيهم : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات . . ) .وروى ابن مردويه " عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال : " لما قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - غنائم حين سمعت رجلا يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال : " رحمة الله على موسى ، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر " ونزل ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ) .وقوله : ( يَلْمِزُكَ ) أى : يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات وغيرها من الأموال ، مأخوذ من اللمز وهو العيب . يقال لمزه وهمزه يلمزه ويهمزه إذا عابه وطعن عليه ، ومنه قوله - تعالى - : ( ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) وقيل : اللمز ما كان يحضره الملموز ، والهمز ما كان فى غيابه .والمعنى : ومن هؤلاء المنافقين - يا محمد - من يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات والغنائم ، زاعمين أنك لست عادلا فى قسمتك .وقوله : ( فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ . . . ) بيان لفساد لمزهم وطعنهم ، وأن الدافع إليه إنما هو الطمع والشره فى حطام الدنيا ، وليس الغضب من أجل إحقاق الحق : أو من أجل نشر العدالة بين الناس .أى : أن هؤلاء المنافقين إن أعطيتهم . يا محمد . من تلك الصدقات ، رضوا عنك ، وحكموا على هذا العطاء بأنه عدل حتى ولو كان ظلماً ، وإن لم تعطهم منهم سخطوا عليك ، واتهموك بأنك غير عادل ، حتى ولو كان عدم عطائهم هو الحق بعينه ، فهم لا يقولون ما يقولونه فيك غضبا للعدل ، ولا حماسة للحق ، ولا غيرة على الدين . . وإنما يقولون ما يقولون من أجل مطامعهم الشخصية ، ومنافعهم الذاتية .

59S09V59

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

S'ils s'étaient contentés de ce qu'Allah leur avait donné ainsi que Son messager et avaient dit: «Allah nous suffit. Bientôt Allah nous accordera Sa faveur de même que Son messager!... C'est vers Allah que va tout notre désir»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم تمضى السورة بعد ذلك فى الكشف عن الأقوال المنكرة ، والأفعال القبيحة التى كانت تصدر عن المنافقين فتقول . ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ . . . إِلَى الله رَاغِبُونَ ) .قال الإِمام الرازى : اعلم أن المقصود من هذا ، شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم فى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ، ويقولون إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته ، وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل .هذا ، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآتين روايات منها :ما أخرجه البخارى والنسائى " عن أبى سعيد الخردى - رضى الله عنه - قال : بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمى فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال : " ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل "؟ فقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : ائذن لى فأضرب عنقه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعه فإن له أصحاب يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصايمه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم فى الرمية . . " " .قال أبو سعيد ، فنزلت فيهم : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات . . ) .وروى ابن مردويه " عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال : " لما قسم النبى - صلى الله عليه وسلم - غنائم حين سمعت رجلا يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال : " رحمة الله على موسى ، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر " ونزل ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ) .وقوله : ( يَلْمِزُكَ ) أى : يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات وغيرها من الأموال ، مأخوذ من اللمز وهو العيب . يقال لمزه وهمزه يلمزه ويهمزه إذا عابه وطعن عليه ، ومنه قوله - تعالى - : ( ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) وقيل : اللمز ما كان يحضره الملموز ، والهمز ما كان فى غيابه .والمعنى : ومن هؤلاء المنافقين - يا محمد - من يعيبك ويطعن عليك فى قسمة الصدقات والغنائم ، زاعمين أنك لست عادلا فى قسمتك .وقوله : ( فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ . . . ) بيان لفساد لمزهم وطعنهم ، وأن الدافع إليه إنما هو الطمع والشره فى حطام الدنيا ، وليس الغضب من أجل إحقاق الحق : أو من أجل نشر العدالة بين الناس .أى : أن هؤلاء المنافقين إن أعطيتهم . يا محمد . من تلك الصدقات ، رضوا عنك ، وحكموا على هذا العطاء بأنه عدل حتى ولو كان ظلماً ، وإن لم تعطهم منهم سخطوا عليك ، واتهموك بأنك غير عادل ، حتى ولو كان عدم عطائهم هو الحق بعينه ، فهم لا يقولون ما يقولونه فيك غضبا للعدل ، ولا حماسة للحق ، ولا غيرة على الدين . . وإنما يقولون ما يقولون من أجل مطامعهم الشخصية ، ومنافعهم الذاتية .

60S09V60

۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ

Les Sadaqâts ne sont destinés que pour les pauvres, les indigents, ceux qui y travaillent, ceux dont les cœurs sont à gagner (à l'Islam), l'affranchissement des jougs, ceux qui sont lourdement endettés, dans le sentier d'Allah, et pour le voyageur (en détresse). C'est un décret d'Allah! Et Allah est Omniscient et Sage

Tafsir Al WasitWaseet

قال الإِمام ابن كثير . لما ذكر الله - تعالى - اعتراض المنافقين الجهلة على النبى - صلى الله عليه وسلم - ولمزهم إياه فى قسم الصدقات . بين - سبحانه - أنه هو الذى قسمها ، وبين حكمها ، وتولى أمرها بنفسه ، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين ، كما رواه أبو داود فى سنته عن زيادة بن الحارث الصدائى قال . أتين النبى - صلى الله عليه وسلم - فبايعته .فأتى رجل فقال . أعطنى من الصدقة فقال له . " إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره . فى الصدقات حتى حكم فيها هو ، فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك .والمراد بالصدقات هنا - عند كثير من العلماء - الزكاة المفروضة .ولفظ الصدقات . مبتدأ . والخبر محذوف ، والتقدير : إنما الصدقات مصروفة للفقراء والمساكين . . إلخ .والفقراء . جمع فقير ، وهو من له أدنى شئ من المال . أو هو من لا يملك المال الذى يقوم بحاجاته الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن .يقال فقر الرجل - من باب تعب - إذا قل ماله .قالوا : وأصل الفقير فى اللغة : الشخص الذى كسر فقار ظهره ، ثم استعمل فيمن قل ماله لانكساره بسبب احتياجه إلى غيره .أو هو من الفقرة بمعنى الحفرة ، ثم استعمل فيما ذكر لكونه أدنى حالا من اكثر الناس ، كما أن الحفرة أدنى من مستوى سطح الأرض المستوية .والمساكين : جمع مسكين ، وهو من لا شئ له ، فيحتاج إلى سؤال الناس لسد حاجاته ومطالب حياته .وهو مأخوذ من السكون الذى هو ضد الحركة ، لأن احتياجه إلى غيره أسكنه وأذله .وقيل : المسكين هو الذى مال أو كسب ولكنه لا يكفيه ، وعلى هذا يكون قريب الشبه بالفقير .وقوله : ( والعاملين عَلَيْهَا ) بيان للصنف الثالث من الأصناف الذين تجب لهم الزكاة .والمارد بهم . من كلفهم الإِمام بجمع الزكاة وتحصيلها ممن يملكون نصابها .ويدخل فيهم العريف ، والحاسب ، والكاتب ، وحافظ المال ، وكل من كلفه الإِمام أو نائبه بعمل يتعلق بجمع الزكاة او حفظها ، أو توزيعها .وقوله . ( والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ) بيان للصنف الرابع .والمراد بهم الأشخاص الذين يرى الإِمام دفع شئ من الزكاة إليهم تأليفاً لقلوبهم ، واستمالة لنفوسهم نحو الإِسلام ، لكف شرهم ، أو لرجاء نفعهم ، وهم أنواع :منهم قوم من الكفار ، كصفوان بن أمية ، فقد أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - من غنائم حنين ، وكان صفوان يومئذ كافراً ، ثم أسلم وقال : والله لقد أعطانى النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان أبغض الناس إلى ، فما زال يعطينى . حتى أسلمت وإنه لأحب الناس إلى .ومنهم قوم كانوا حديثى عهد بالإِسلام وكانوا من ذوى الشرف فى أقوامهم فكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم ، ليثبت إيمانهم ، وليدخل معهم فى الإِسلام أتباعهم .ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، والزبرقان بن بدر ، فقد أعطاهم - صلى الله عليه وسلم - لمكانتهم فى عشيرتهم ، ولشرفهم فى أقوامهم . وليدخل معهم فى الإِسلام غيرهم .ومن أمثلة هذا الصنف العباس من مرداس السملى ، فقد أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - تأليفاً لقلبه ، وتثبيتاً لإِيمانه .والخلاصة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء ، دفعاً لشرهم ، أو أملا فى نفعهم ، أو رجاء هدايتهم .وقوله : ( وَفِي الرقاب ) بيان لنوع خامس من مصارف الزكاة . وفى الكلام مجاز بالحذف ، والتقدير : وتصرف الصدقات أيضا فى فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشئ منها علىأداء بدل الكتابة؛ لكن يصروا أحراً . أو بأن يشترى بجز منها عدداً من العبيد لكى يعتقوا من الرق .وذلك لأن الإِسلام يجب أتباعه فى عتق الرقاب ، وفى مساعدة الأرقاء على أن يصيروا أحراراً .وقوله : ( والغارمين ) من الغرم بمعنى الملازمة للشئ ومنه قوله . تعالى : ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ) أى : عذاب جهنم كان ملازماً لأهلها من الكافرين .والمراد بالغارمين : من لزمتهم الديون فى غير مصعية لله ، ولا يجدون المال الذى يدفعونه لدائنيهم ، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على سداد ديونهم .وقوله : ( وَفِي سَبِيلِ الله ) بيان لنوع سابع من مصارف الزكاة .والسبيل : الطريق الذى فيه سهولة ، وجمعه سبل . وأضيف إلى الله تعالى للإِشارة إلى أنه هو السبيل الحق الذى لا يحرم حوله باطل ، وهو الذى يوصل السائر فيه إلى مرضاة الله ومثوبته .أى : وتصرف الصدقات فى سبيل الله ، يدفع جزء منها لمساعدة المجاهدين والغزاة والفقراء الذين خرجوا لإِعلاء كلمة الله .قال بعض العلماء ما ملخصه : قال أبو حنيفة ومالك والشافعى . يصرف سهم سبيل الله المذكور فى الآية الكريمة إلى الغزاة . . لأن المفهوم فى الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله هو الغزو ، وأكثر ما جاء فى القرآن الكريم كذلك .وقال الإِمام أحمد : يجوز صرف سبيل الله إلى مريد الحج .وقال بعضهم : يجوز صرف سبيل الله إلى طلبة العلم .وفسره بعضهم بجميع القربات . فيخل فيه جميع الخير ، مثل تكفين الموتى ، وبناء القناطر ، والحصون ، وعمارة المساجد ( وَفِي سَبِيلِ الله ) عام فى الكل . .وقوله : ( وابن السبيل ) بيان للصنف الثامن والأخير من الأصناف الذين هم مصارف الزكاة .والمراد بابن السبيل : المسافر المنقطع عن ماله فى سفره . ولو كان غنياً فى بلده ، فيعطى من الزكاة ما يساعده على بلوغ موطنه .وقد اشترط العلماء لابن السبيل الذى يعطى من الصدقة ، أن يكون سفره فى غير معصية الله . فإن كان فى معصية لم يعط : لأن إعطاءه يعتبر إعانة له على المصعية ، وهذا لا يجوز .وقد ألحقوا بابن السبيلن كل من غاب من ماله ، ولو كان فى بلده .وقوله . فريضة من الله ، منصوب بفعل مقر أى : فرض الله لهم هذه الصدقات فريضة ، فلا يصح لكم أن تبخلوا بها عنهم ، أو تتكاسلوا فى إعطائها لمستحقيها .فالجملة الكريمة زجر للمخاطبين عن مخالفة أحكامه . سبحانه .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) تذييل قصد به بيان الحكمة من فرضية الزكاة .اى : والله - تعالى - عليم بأحوال عباده ، ولا تخفى عليه خافية من تصرفاتهم ، حكيم فى كل أوامره ونواهيه ، فعليكم . أيها المؤمنون أن تأتمروا بأوامره ، وأن تنتهوا عن نواهيه لتنالوا رضاه .هذا ، من الأحكام والآداب التى أخذها العماء من هذه الآية ما يأتى :1- أن المراد بالصدقات هنا ما يتناول الزكاة المفروضة وغيرها من الصدقات المندوبة ، وذلك لأن اللفظ عام فيشمل كل صدقة سواء أكانت واجبة أم مندوبة ، ولأن لفظ الصدقة فى عرف الشرع وفى صدر الإِسلام ، كان يشمل الزكاة المفروضة ، والصدقة المندوبة ، ويؤيده قوله - تعالى - : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) ومن العلماء من يرى أن المراد بالصدقات فى الآية : الزكاة المفروضة ، لأن ( أل ) فى الصدقات للعهد الذكرى والمعهود هو الصدقات الواجبة التى أشار إليها القرآن . بقوله قبيل هذه الآية . ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ) ولأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها فى غير الأصناف الثمانية كبناء المساجد والمدارس .ويبدو لنا أن لفظ الصدقات فى الآية عام بحيث يتناول كل صدقة ، إلا أن الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولا أوليا .2- قال بعض العلماء : ظاهر الآية يقضى بالقسمة بين الثمانية الأصناف ، ويؤيد هذا وجهان .الأول . ما يقتضيه اللفظ اللغوى ، إن قلنا . الواو للجمع والتشريك .والثانى : ما رواه أبو داود فى سنته من قوله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات ، حتى حكم فيها ، فجزأ ثمانية أجزاء " .وقد ذهب إلى هذا الشافعى وعكرمة والزهرى ، إلا إن استغنى أحدهما فتدفع إلى الآخرين بلا خلاف .وذهبت طوائف إلى جواز الصرف فى صنف واحد . منهم عمر وابن عباس وعطاء وابن جبير ومالك وأبو حنيفة .قال فى التهذيب : وخرجوا عن الظاهر فى دلالة الآية المذكورة والخبر بوجوه :الأول : أن الله - تعالى - قال فى سورة البقرة : ( وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من يستحقها .الثانى : الخبر ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم " .الثالث : حديث سلمة بن صخر . فإنه - صلى الله عليه وسلم - جعل له صدقة بنى زريق .الرابع : أنه لم يظهر فى ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه .3- يرى جمهور العلماء أن الفقراء والمساكين صنفان من مصارف الزكاة لأن الله . - تعالى - قد ذكر كل صنف منهما على حدة ، إلا أنهم اختلفوا فى أيهما أسوأ حالا من الآخر . فالشافعية يرون أن الفقير أسوأ حلالا من المسكين .ومن أدلتهم على ذلك ، أن الله . تعالى . بدأت فى الآية بالفقراء ، وهذا البدء ، يشير إلى أنهم أشد حاجة من غيرهم ، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم .ولأن لفظ الفقير أصله فى اللغة المفقور الذى نزعت فقرة من فقار ظهره : فلا يستطيع التكسب ، ومعلوم أنه لا حال فى الاقلال والبؤس آكد من هذه الحال .ولأن الله . تعالى . وصف بالمسكنة من كانت له سفينة من سفن البحر فقال : ( أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر ) أما الأحناف والمالكية فيرون أن المسكين أسوأ حالا من الفقير .ومن أدلتهم على ذلك : أن علماء اللغة عرفوا المسكين بأنه أسوأ حالا من الفقير ، وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت ، والقتبى ، ويونس بن حيبيب .ولأن الله - تعالى - وصف المسكين وصفا يدل على البؤس وصفاً يدل على البؤس والفاقة فقال : ( أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) أى : مسكيناً ذا حاجة شديدة ، حتى لكأنه قد لصق بالتارب من شدة الفاقة ، ولم يصف الفقير بذلك . .قال بعض العلماء : وأنت إذا تأملت أدلة الطرفين وجدت أنها متعارضة ومحل نظر ، وأياما كان فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان .وروى عن ابى يوسف ومحمد أنهما صنف واحد واختاره الجبائى ، ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم . وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين؛ فمن قال إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به ، ومن قال إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك .4- ظاهر الآية يدل على أن الزكاة يتجوز دفعها لكل من يشكله اسم الفقير والمسكين ، إلا أن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد قيدت هذا الإِطلاق .قال القرطبى : اعلم أن قوله - تعالى - : ( لِلْفُقَرَآءِ ) مطلق ليس فيه شرط وتقييد ، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء ، سواء أكانوا من بنى هاشم أو من غيرهم ، إلاأن السنة وردت باعتبار شروط ، منها : ألا يكونوا من بنى هاشم ، وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته ، وهذا لا خلاف فيه .وشرط ثالث ألا يكن قوياً على الاكتساب؛ لأنه - سبحانه - قال : " لا تحل الصدقة لغنى ، ولا لذى مرة سوى " .ولا خلاف بين علماء المسلمين فى أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولا لنبى هاشم ولا لمواليهم . .وكذلك لا يصح أن تعطى لغير المسلمين ، ففى الصحيحين عن ابن عباس - رضى الله عنهما -" أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال معاذ حين بعثه إلى ايمن : " أعلمهم أنعليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " فاقتضى ذلك أن الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين .إلا أنه نقل عن أبى حنيفة جواز دفع صدقة الفطر إلى الذمى .5- أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى ( والعاملين عَلَيْهَا ) أنه يجب على الإِمام أن يرسل من يراه أهلا لجمع الزكاة ممن تجب عليهم .وقد تأكد هذا الوجوب بفعل النبى - صلى الله عليه وسلم فقد ثبت فى أحاديث متعددة أنه أرسل بعض الصحابة لجمع الزكاة .روى البخارى عن أبى حميد الساعدى قال : استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه .6- أخذ بعض العلماء - أيضاً - من قوله - تعالى - ( والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ) أن حكمهم باق ، لأنهم قد ذكروا من بين مصارف الزكاة ، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاهم ، فيعطون عند الحاجة .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : واختلف العلماء فى بقاء المؤلفة قلوبهم .فقال عمر والحسن والشعبى وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإِسلام وظهوره .وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأى .قال بعض علماء الحنفية . لما أعز الإِسلام وأهله ، أجمع الصحابة فى خلافة أبى بكر على سقوط سهمهم .وقال جماعة من العلماء : هم باقون لأن الإِمام ربما احتاج أن يستألف على الإِسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين .وقال ابن العربى . الذى عندى أنه إن قوى الإِسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم ، فإن فى الصحيح " بدأ الإِسلام غريباً وسيعود كما بدأ " .والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن العربى أقرب الأقوال إلى الصواب لأن مسألة إعطاء المؤلفة قلوبهم تختلف باختلاف الأحوال؛ فإن كان الإِمام يرى أن من مصلحة الإِسلام إعطاءهم ، وإن كانت المصحلة فى غير ذلك لم يعطهم .7- دلت الآية الكريمة على أن الزكاة ركن من أركان الاسلام ، لقوله تعالى ( فَرِيضَةً مِّنَ الله ) .قال بعض العلماء ما ملخصه ، تلك هى فريضة الزكاة . ليست أمر الرسول وإنما هى أمر الله وفريضته وقسمته وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين . وهذه الزكاة تؤخذ من الأغنياء على أنها فريضة من الله ، وترد على الفقراء على أنها فريضة من الله ، وهى محصورة فى طوائف من الناس عينهم القرآن وليست متروكة لاختيار أحد حتى ولا اختيار الرسول نفسه .وبذلك تأخذ الزكاة مكانها فى شريعة ، ومكانها فى النظام الإِسلامي ، لا تطوعاً ولا تفضلا ممن فرضت عليهم ، فهى فريضة محتمة ، ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع فهى فريضة معلومة .إنها إحدى فرائض الإِسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدى بها خدمة اجتماعية محددة . وهى . ليست إحساناً من المعطى ، وليست شحاذرة من الآخذ ، كلا فما قام النظام الاجتماعى فى الإِسلام على التسول ولن يقوم .إن قوم الحياة فى النظام الإِسلامى هو العمل - بلك صنوفه وألوانه - على الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه .والزكاة ضريبة تكافل اجتماعى بين القادرين والعاجزين ، تنظمها الدولة وتتولاها فى الجمع والتوزيع ، متى قام المجمع على أساس الإِسلام الصحيح ، منفذاً شريعة الله لا يبتغى له شرعاً ولا منهجاً سواه .إن فريضة الزكاة تؤدى فى صورة عبادة إسلامية ، ليطهر الله بها القلوب من الشح ، وليجعلها شرعة تراحم وتضمن بين أفراد الأمة المسلمة .إنها فريضة من الله ، الذى يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، ويدير أمرها بالحكمة ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .