Tafsir Al Wasit
Waseet
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ
Et tuez-les, où que vous les rencontriez; et chassez-les d'où ils vous ont chassés: l'association est plus grave que le meurtre. Mais ne les combattez pas près de la Mosquée sacrée avant qu'ils ne vous y aient combattus. S'ils vous y combattent, tuez-les donc. Telle est la rétribution des mécréants
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : ( واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ) الضمير المنصوب فيه يعود على قوله : ( الذين يُقَاتِلُونَكُمْ ) في الآية السابقة .و ( ثَقِفْتُمُوهُم ) : أدركتموهم وظفرتم بهم . يقال : ثقف الشيء إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة ومنه جرل ثقف إذا كان سريع الأخذ لأقرانه . قال الشاعر :فإما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلودويقال - أيضاً - رجل ثقف : إذا كأن محكماً لما يتناوله من الأمور .والمعنى : عليكم أيها المسلمون أن تقتلوا هؤلاء الذين إذنا لكم بقتالهم حيث وجدتموهم وظفرتم بهم ، فأنهم قد بادءوكم بالعدوان ، وتمنوا لكم كل شر وسوء .وقوله : ( وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) معطوف على ما قبله .وحيث ظرف مكان . والمكان الذي أخرجوهم منه هو مكة ، فإن المشركين من قريش قد أنزلوا بالمسلمين الأولين من صنوف الأذى ما جعلهم يتركون مكة ويهاجرون إلى بلاد الحبشة .أولا : ثم إلى المدينة المنورة ثانياً .أي : اقتلوا هؤلاء الذين قاتلوكم في أي مكان لقيتموهم فيه ، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة .وفي هذا تهديد للمشركين ، وإغراء للمسلمين بهم ، ووعد بفتح مكة وقد أنجز الله - تعالى - وعده ففتح المسلمون مكة في السنة الثامنة من الهجرة .وقولع - تعالى - : ( والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ) . دفع لما قد يقع من بعض المسلمين من استعظام قتل المشركين في مكة .والفتنة في الأصل : مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزائف منهم ثم استعملت في الابتلاء والامتحان والصرف عن الشيء ، وأكثر استعمالها في التضليل والصد عن الدين ، ثم على الكفر .ويبدو أن المراد منها هنا ما كان يفعله المشركون مع المسلمين من التعذيب والصد عن الدين ، والإِخراج من الوطن ، وغير ذلك من صنوف الأذى .والمعنى : لا تقصروا في قتل المشركين الذين يقاتلونكم ، والذين أخرجوكم من دياركم ، فإن فتنتهم لكم بالإِيذاء والتعذيب والصد عن الدين ، أشد ضررا من قتلكم لهم في أي مكان وجدوا به .وبعضهم فسر الفتنة هنا بالشرك ، أو بالرجوع إلى الكفر ، أو بعذاب الآخرة ، وقد بين ذلك صاحب الكشاف بقوله . وقوله : ( والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ) أي : المحنة والبلاء الذي ينزل بالإِنسان يتعذب به أشد عليه من القتل وقيل لبعض الحكماء : ما أشد من الموت : قال : الذي يتمنى فيه الموت ، جعل الإِخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت ، ومنه قول القاتل :القتل بحد السيف أهون موقعا ... على النفس من قتل بحد فراقوقيل : ( والفتنة ) عذاب الآخرة قال - تعالى - ( ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ) وقيل : الشرك أعظم من القتل في الحرم ، وذلك لأنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين . فقيل : والشرك الذي هم عليه أشد وأعظم مما يستعظمونه ويجوز أن يراد : وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم ، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم " .وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد أذنت للمؤمنين في قتل الذين يناجزونهم القتال دفعاً لشرهم أينما وجدوا .ثم ساقت الآية جملة أخرى نهت فيها المؤمنين عن قتال المشركين عند المسجد الحرام مراعاة لحرمته . ما دام المشركون لم يفاتحوهم بالقتال عنده ، أما إذا فاتحوهم بالقتال فيه ، فقد أصبح من حق المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم ، وأن يقاتلوا أعداءهم . وهذه الجملة هي قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم ) .أي : لا تقاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم عند المسجد الحرام احتراماً له حتى يبدأ المشركون قتالكم عنده فإن بدءوكم بالقتال فيه فلا حرج عليكم في قتلهم عنده ، لأن المنتهك لحرمة المسجد الحرام إنما هو البادئ بالقتال فيه وهم المشركون ، وليستم أنتم أيها المؤمنون لأن موقفكم إنما هو موقف المدافع عن نفسه .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حفظت للمسجد الحرام حرمخته وهيبته ومكانته السامية لأن حرمته لذاته ، وحرمة سائر الحرم من أجله ، إلا أنها أذنت للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم إذا ما هاجمهم المشركون عنده أو فيه .قال ابن كثير ما ملخصه : وقد دلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم إذا بدأوا بالقتال فيه دفعا لصولتهم ، كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم سأًحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال ، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ ، ثم كف الله القتال بينهم فقال : ( وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) وقال صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد ومن معه يوم الفتح : " إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا " . فما عرض لهم أحد إلا أناموه وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلاً " .وقمل يقل - سبحانه - فإن قاتلوكم فقاتلوهم ، وإنما قال ( فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم ) تبشيراً للمؤمنين بالغلبة عليهم ، وإشعاراً بأن هؤلاء المشركين من الخذلان والضعف بحالة أمر الله المؤمنين معها بقتلهم لا بقتالهم فهم لضعفهم لا يحتاجون من المؤمنين إلا إلى القتل .وقوله : ( كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين ) تذييل لما قبله . واسم الإِشارة ذلك يعود إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا .والجزاء : ما يقع في مقابلة الإِحسان أو الإِساءة ، فيطلق على ما يثاب به المحسن ، وعلى ما يعاقب به المسيء . والمراد به في الآية العقاب .أي : مثل هذا الجزاء العادل من القتل والردع يجازي الله الكافرين الذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم .
فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
S'ils cessent, Allah est, certes, Pardonneur et Miséricordieux
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم فتح القرآن للكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال : ( فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .الانتهاء : أصله مطاوع نهى . يقال : نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن الشيء ، لأن النهي هو طلب ترك الشيء .أي : فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم فإن الله غفور رحيم . وكل من تاب من كفر أو معصية فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه .ونظير هذه الآية قوله - تعالى - : ( قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ) وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأن سياق الحديث عن الكافرين المقاتلين للمؤمنين ، فيكون حمل الانتهاء على الأمرين معا أولى من حمله على القتال فحسب .
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ
Et combattez-les jusqu'à ce qu'il n'y ait plus d'association et que la religion soit entièrement à Allah seul. S'ils cessent, donc plus d'hostilités, sauf contre les injustes
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ ) معطوف على جملة ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ ) والضمير " هم " يعود على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم .والمراد من ( والفتنة ) الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين واضطهادهم وتعذيبهم .قال الآلوسي : ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإِسلام أو السيف .لقوله - سبحانه - : ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) وفي الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله " .والدين في اللغة : العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله - تعالى - سواء أكان ما تعبد الصلاح في الحال والفلاح في المآل .والمعنى : قالتوا أولئك المشركين حتى تزيلوا الشرك ، وحتى تكسروا شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق ، وحتى يكون الدين الظاهر في الأرض هو الدين الذي شرعه الله - تعالى - على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .وقد تحقق ذلك بالقتال الذي دار المسلمين والمشركين في أكثر من عشرين غزوة قادها النبي صلى الله عليه وسلم وفي أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه ، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل ، وقبل أن يلتحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر في جزية العرب هو الدين الإِسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) والعدوان في أصل اللغة : الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة والمراد به في الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين .والفاء في قوله : ( فَإِنِ انتهوا ) للتعقيب . وقوله : ( فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) قائم مقام جواب الشرط ، لأنه علة الجواب المحذوف .والمعنى : فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه ، وأذعنوا لتعاليم الإِسلام ، فكفوا عن قتالهم ، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم ، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم ، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديباً لهم ليرجعوا عن ظلمهم .ففي الجملة الكريمة إيجاز بالحذف ، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه .قال الإِمام الرازي : أما قوله - تعالى - : ( فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) ففيه وجهان :الأول : فإن انتهوا فلا عدوان أي : فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر ، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال - تعالى - ( إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) فإن قيل : لم يسمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟ قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه ، كقوله - تعالى - : ( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) الثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين ، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم .
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ
Le Mois sacré pour le mois sacré! - Le talion s'applique à toutes choses sacrées -. Donc, quiconque transgresse contre vous, transgressez contre lui, à transgression égale. Et craignez Allah. Et sachez qu'Allah est avec les pieux
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) بيان للحكمة في إباحة القتال في الأشهر الحرم ، وإيذان بأن مراعاة حرمة الشهر الحرام إنما هي واجبة في حق من يصون حرمته ، أمن من هتكها فقد صار بسبب انتهاكه لحرمة الشهر الحرام محلا للقصاص والمعاقبة في الشهر وفي غيره .وسمي الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه ، والتعريف فيه - على الراجح - للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعها وهي أربعة : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب .قال - تعالى - : ( إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ) قال القرطبي : نزلت في عمرة القضاء ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده - سبحانه - أنه سيدخله فدخله في ذي القعدة سنة سبع وقضى نسكه ونزلت هذه الآية .والمعنى : هذا الشهر الحرام الذي تؤدون فيه عمرة القضاء ، بذلك الشهر الحرام الذي صدكم المشركون فيه عن دخول المسجد الحرام ، فإذا بدءوا بانتهاك حرمته بقتالكم فيه ، فلا تبالوا أن تقاتلوهم فيه دفاعاً عن أنفسكم ، إذ هم البادئون بهتك حرمته .وقوله : ( والحرمات قِصَاصٌ ) متضمن لإِقامة الحجة على الحكم السابق والحرمات : جمع حرمة ، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك .والقصاص : المساواة . أي ، وكل حرمة يجري فيها القصاص . فمن هتك أية حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة .والمراد : أن المشركين إذا أقدموا على مقاتلتكم - أيها المؤمنون - في الحرم أو في الشهر الحرام ، فقاتلوهم أنتم أيضاً على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل ، حتى لا يتخذوا الأشهرا لحرام ذريعة للغدر والإِضرار بكم .ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ( فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ) .أي : فمن اعتدى عليكم وظلمكم فجاوزوه باعتدائه وقابلوه بمثل ما اعتدى عليكم بدون حيف أو تجاوز للحد الذي أباحه الله لكم .وسمى جزاء الاعتداء اعتداء على سبيل المشاكلة .قال الآلوسي : واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق . حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح . واستدل بها أيضاً على أن من غصب شيئاً وأتلفه لزمه رد مثله ، ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة - كما في ذوات الأمثال - وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالتقوى والخشية منه فقال : ( واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين ) .أي : اتقوا الله وراقبوه في الانتصار لأنفسكم ، وترك الاعتداء فيما لا يرخص لكم فيه ، واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه بالنصر والرعاية والتأييد .
وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
Et dépensez dans le sentier d'Allah. Et ne vous jetez pas par vos propres mains dans la destruction. Et faites le bien. Car Allah aime les bienfaisants
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين ببذل المال من أجل إعلاء كلمته ، ونصرة دينه ، فقال : ( وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ) .قال الإِمام الرازي : الإِنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح فلذلك لا يقال في المضيع : إنه منفق . فإذا قيد الإِنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به طريق الدين ، لأن السبيل هو الطريق ، وسبيل الله هو دينه ، فكل ما أمر الله به في دينه من الإِنفاق فهو داخل في الآية سواء أكان إنفاقاً في حج أو في صلة رحم أو غير ذلك ، إلا أن الأقرب في هذه الآية - وقد تقدم ذكر الجهاد - أنه يراد به الإِنفاق في الجهاد ، وقوله ( فِي سَبِيلِ الله ) كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإِنفاق ، وذلك لأن المال مال الله فيجب انفاقه في سبيله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال .و ( تُلْقُواْ ) من الإِلقاء وهو طرح الشيء من اليد .قال الجمل : والباء في قوله : ( بِأَيْدِيكُمْ ) تحتمل وجهين :أحدهما : أنها زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه ، قال - تعالى - ( فألقى عَصَاهُ ) والثاني : أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره ، ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة كقوله : أفضيت بجنبي إلى الأرض أي : طرحته على الأرض " .والمراد بالأيد : الأنفس ، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل ، لأن أكثر ظهور أفعال النفس تكون عن طريق اليد .والتهلكة : الهلاك والموت . أو كل شيء تصير عاقبته إليه . مصدر هلك يهلك هكلاً وهلاكاً وتهلكه .والجملة الكريمة معطوفة على جملة ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ . . . ) ألخ ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم ، وكان أوفر منهم عدة وعدداً ، كلفهم بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله لأن هذا الإِنفاق من أقوى الوسائل التي توصل إلى النصر .والمعنى : عليكم ، أيها المؤمنون - أن تقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم ، وأن تنفقوا من أجل إعلاء كلمة الله أموالكم ، ولا تقلوا أنفسكم فيما فيه هلاككم في دين أو دنيا ، بسبب ترككم الجهاد وبخلكم عن الإِنفاق فيه مق القدرة على ذلك .ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي عمران قال : كنا بمدينة الروم القسطنطينية - فأخرجوا إلينا صفا عظيماً من الروم . فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة!! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار .لما أعز الله الإِسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإِسلام ، وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله - تعالى - على نبيه يرد علينا ما قلناه ( وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ) . فكانت التهلكة الإِقامة على الأموال ، وإصلاحها ، وتركنا الغزو .قال الراوي : فمازال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم .فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن ببذلوا أموالهم في الجهاد في سبيل الله بصفة خاصة ، وفي كل موطن من مواطن الخير بصفة عامة ، لأن عدم البذل في سبيل الخير يؤدي إلى ضعف الأمة واضملالها .ثم ختم - سبحانه - الآية بالترغيب في الإِحسان فقال : ( وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ) أي : أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها ، لأنه - سبحانه - يحب المحسنين في كل شئونهم ، ويثيبهم على ذلك بما يسعدهم في دينهم ودنياهم .هذا ، وتأمل معي - أيها القارئ الكريم - في هذه الآيات تراها قد رسمت أحكم منهاج وأعدله في شأن الحرب والسلم .إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدأوهم بالقتال ، وأن يقتلوهم حيث وجدوهم ، ويخرجوهم من حيث أخرجوهم ، كما تأمرهم أن يبذلوا أموالهم في سبيل الله بدون إمساك أو بخل ، وهذا من أقوى أنواع الحض على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله .ولكنها في الوقت نفسه تنهاهم عن الاعتداء ، وتنهاهم عن القتال في الأشهر الحرام وفي الأماكن المقدسة إلا إذا قاتلهم المشركون فيها ، كما تنهاهم عن قتالهم إذا ما انتهوا عن عدوانهم وكفرهم ، لأن شريعة القرآن تستجيب لداعي السلم متى كف المعتدون عن العدوان ، واحترموا كلمة الإِسلام .وبذلك نرى أن القتال في الإِسلام ليس من أجل الغنائم ، أو الاستغلال أو الاستعباد ، أو التباهي . . كلا ليس لأجل شيء من هذا ، وإنما هو من أجل الدفاع عن الحق وأهله ، حتى تكون كلمته هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى ، وبهذا تسعد الإِنسانية ، وتنال ما تصبوا إليه من عزة وفلاح .وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال في سبيل الله ، وبيان أحكامه بالنسبة للأشهر الحرام وللبيت الحرام ، ساق القرآن في بضع آيات جملة من الأحكام والآداب التي تتعلق بفريضة الحج ، إذ القتال جهاد لحماية الأمة الإِسلامية من الخارج ، والحج جهاد لتذهيب النفس وحماية الأمة من الداخل عن طريق تجميع أبنائها على اختلاف ديارهم في مكان واحد ليشهدوا منافع لهم ، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان . استمع إلى سورة البقرة وهي تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول :( وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ . . . )