Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Baqarah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

البقرة

Al-Baqarah

286 versets

Versets 96100 sur 286Page 20 / 58
96S02V96

وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ

Et certes tu les trouveras les plus attachés à la vie [d'ici-bas], pire en cela que les Associateurs. Tel d'entre eux aimerait vivre mille ans. Mais une pareille longévité ne le sauvera pas du châtiment! Et Allah voit bien leurs actions

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بأن هؤلاء اليهود الذين يزعمون أن الجنة خالصة لهم في غاية الحرص على الحياة فقال تعالى : ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) .ومعنى الآية الكريمة : ولتجدن - يا محمد - أولئك اليهود - الذين يزعمون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس - لتجدنهم أحب الناس للحياة ، وأحرصهم عليها ، وأشدهم كراهية للموت " وليس ذلك عندما يكونون متمتعين بالطمأنينة والعافية فقط بل هم كذلك حتى ولو زالت عنها كل معاني الراحة والطمأنينة ، فهم أحرص عليها حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث ، والذين يعتبرون نعيمهم الأكبر هو ما يتمتعون به من اللذائذ في هذه الدنيا ، وهم في حرصهم على الحياة يتمنون أن تطول أعمارهم دهوراً طويلة ، لا يصلل إليها خيال أحد ممن يحرصون عليها كما قال تعالى : ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) . وبذلك تكون الآية الكريمة قد كذبتهم في دعواهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس لأن الأمر لو كان كما يزعمون لرحبوا بالانتقال إليها ، ولكنهم لا يحبون الموت ولا يكاد يخطر ببالهم ، ويحرصون كل الحرص على البقاء حتى مع سوء الحالة ورذالة العيش ، كما يشعر بذلك التنكير في قوله تعالى ( على حَيَاةٍ ) .والمراد بالناس جميعهم ، وأفعل التفضيل في ( أَحْرَصَ ) على بابه ، لأن الحرص على الحياة غريزة في البشر إلا أنهم متفاوتون فيه قوة وكيفية وأسباباً ، كما قال الشاعر :أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صبافحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربافالناس جميعاً وإن كانوا يشتركون مع اليهود في الحرص على الحياة ، إلا أن اليهود يزيدون على سائر الناس أنهم أحرصهم ، وأنهم من أجل حرصهم عليها يضحون بدينهنم وبكرامتهم وبكل شيء .ونكر - سبحانه - الحياة التي يحرصون عليها ، زيادة في تحقيرهم ، فكأنه - سبحانه - يقول : إنهم شديدوا الحرص على الحياة ، ولو كانت حياة بؤس وشقاء ، وللإِشعار بأ نما يهمهم هو ملطق الحياة كفيما كانت ، بصرف النظر عن العزة والكرامة ، فمن أمثال اليهود المشهورة " الحياة وكفى " .ولا شك أن شدة التهالك على الحياة ، تؤدى إلى الجبن ، واحتمال الضيم ، وتجعل الأمة التي تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين الحياة الكريمة والحياة الرذيلة .وقوله تعالى : ( وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ) عطف على الناس ، لأنه لما كان قوله تعالى : ( أَحْرَصَ الناس ) في معنى : أحرص من جميع الناس صح أن يراعى المعنى ، فيكون قوله : ( وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ) معطوف عليه ، فيكون المعنى : أحرص من جميع الناس ، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة .والذين أشركون ، هم الذين جعلوا لله شركاء وإأنما أقردوا بالذكر مع أنهم من الناس ، مبالغة في توبيخ اليهود وذمهم ، لأنهم إذا زاد حرصهم على الحياة - وهم أهل كتاب - على المشركين الذين لا كتاب لهم ولا يدينون ببعث أو نشور كان ذلك دليلا على هوان نفوسهم ، وابتذال كرامتهم وعدم اعتدادهم بوصايا كتبهم التي تناهم عن الحرص على الحياة الرذيلة .قال صاحب الكشاف : " وفيه توبيخ عظيم ، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد عليها في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء ، كان حقيقياً بأعظم التوبيخ ، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت : لأأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك " .ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حرصهم على الحياة فقال تعالى : ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش دهوراً كثيرة ، ليس من عادة الناس أن يحبوا بلوغها ، لأنهنا تؤدي بهم إلى أرذل العمر ، وعدم طيب العيش .فالجملة الكريمة مستأنفة لإِظهار مغالاتهم في التهالك على الدنيا ولتحقيق عموم النوعية في الحياة المنكرة ، ولدفع ما يظنه بعض الناس من أن حرصهم على الحياة مهما اشتد فلن يصل بهم إلى تمنى أن يعيش الواحد منهم ألف عام ، أو أكثر ، فجيء بهذه الجملة الكريمة . لتحقيق أن تعلقهم بالدنيا يشمل حتى هذه السن المتطاولة ، التي لا هناء فيها ولا راحة ، والتي استعاذ من بلوغها المؤمنون .ثم بين - سبحانه - أن تعميرهم الطويل لن ينجيهم من العقوبة ، لأن الموت لا يتركهم مهما طال عمرهم ، فقال تعالى : ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ ) أي : وما أحد منهم بمبعده تعميره عن العذاب المعد له ، ولا بمنجيه منه .والجملة الكريمة فيها بيان مصيرهم المحتوم ، وقطع لحبال مطامعهم ، لأن الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم ، وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم .وفي التعبير ( بِمُزَحْزِحِهِ ) أشارة إلى أن طول عمرهم ، ليس له أي أثر في تخفيف العذاب عنهم ، وقوله : ( والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) تهديد ووعيد لهم لأنه - سبحانه - عليم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون .ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود في دعواهم أن الجنة خالصة لهم ، رداً يبطل حجتهم ، ويفضح مزاعمهم ، ويكبت نفوسهم ، ويخرس ألسنتهم ، ويعلن أن الجنة إنما هي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، لأنهم يعلمون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوا من سيئات ، واقترفوا من أكاذيب .

97S02V97

قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ

Dis: «Quiconque est ennemi de Gabriel doit connaître que c'est lui qui, avec la permission d'Allah, a fait descendre sur ton cœur cette révélation qui déclare véridiques les messages antérieurs et qui sert aux croyants de guide et d'heureuse annonce»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ساق القرآن بعد ذلك لوناً عجيباً من ألوان اليهود وهو مجاهرتهم بالعداوة لأمين الوحي جبريل - عليه السلام - فقال - تعالى - :( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ . . . )هاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقاً من رذائل اليهود وهي عداوتهم لملك من ملائكة الله ، لا يأكل مما يأكلون ، ولا يشرب مما يشربون وإنما هو من الملائكة المقربين ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وإذا فليس هناك مقتض لعداوته ، فلماذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيته؟لقد سمعوا أن جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحي من عند الله على محمد صلى الله عليه وسلم وهم يحسدونه على النبوة ، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن أعلنوا عن عدائهم لجبريل - أيضاً - وهذه حماقة وجهالة منهم ، لأن جبريل - عليه السلام - نزل بالخير لهم في دينهم وفي دنياهم . ولكن الحقد والحسد إذا استوليا على النفوس جعلالها لا تفرق بين الخير والشر .ومعنى الآيتين الكريمتين ، قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم لجبريل أنه لا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل على قلبك بأمر الله ليكون مؤيداً لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون هداية إلى طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة ، وقل لهم كذلك من كان معادياً لله أو لملك من ملائكته أو لرسول من رسله ، فقد كفر وباء بغضب من الله ، ومن غضب الله عليه ، فجزاؤه الخزي وسوء المصير .قال الإِمام ابن جرير : ( أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً ، على أن هذه نزلت جواباً ليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وميكائيل ولي لهم ) .وروى البخاري في صحيحه - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : " سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف - أي يجني ثمارها - فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ، فيم أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة ، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال : أخبرني بهن جبريل آنفاً . قال : جبريل؟ قال : نعم قال ذكل عدو اليهود من الملائكة - فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ . . . ) الآية ثم قال : أما أول أشراط الساعة ، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب! وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سببق ماء المرأة نزعت فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله . يا رسول الله : إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني ، فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أي رجل فيكم عبد الله؟ قالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا : قال " أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ فقالوا : أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبد الله فقال : " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقالوا : شرنا وابن شرنا ، وانتقصوه ، قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله " .وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس : " أن اليهود بعد أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة أجابهم عنها ، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك . قال : وليى جبريل ، لم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه ، قالوا : فعندما نفارقك ، ولو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك ، قال : فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا : إنه عدونا ، فأنزل الله - تعالى - قوله : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ . . . ) الآيات .وفي حديث للإِمام أحمد والترمذي والنسائي " قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سألوه عن أشياء أجابهم عنها إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها ، إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخير ، فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل - عليه السلام - قالوا : جبريل ذلك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا ، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان . فأنزل الله - تعالى - : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ) الآية .فيؤخذ من هذه الأحاديث وما في معناها أن اليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهرون بعداوتهم لجبريل - عليه السلام - وأن هذه المجاهرة بالعداوة ، قد تكررت منهم في مواقف متعددة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وأن الذي حملهم على ذلك هو حسدهم له ، وغيظهم من جبريل ، لأنه ينزل بالوحي عليه .قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : " ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من عند الله ، ومع ذلك يبغضونه ، وهذا أحط درجات الانحطاط في العقل والعقيدة ، ولا شك أن الاضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تضافر آرائهم على الخطأ والأوهام " .وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ ( قُلْ ) كي يرد على اليهود ، تثبيت له ، وتطمين لنفسه وتوبيخ لهم على معاداتهم لأمين الوحي ، وهو جبريل - عليه السلام - .وقوله تعالى : ( مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ) شرط عام قصد الإِتيان به ليعلموا أن الله - تعالى - لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادي جبريل ، إن وجد معاد آخر له سواهم .وقوله تعالى : ( على قَلْبِكَ ) زيادة تقرير للتنزيل ، ببيان محل الوحي ، وإشارة إلى أن السبب في تمكنه صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن الكريم ، وإبلاغه للناس ، ثباته في قلبه .وقوله تعالى : ( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله ) معناه : فلا موجب لعداوته . لأنه نزل القرآن على قلبك يا محمد بإذن الله وأمره . وإذاً فعداوته عداوة لله في الحقيقة والواقع ، ومن هنا يتبين أن هذه الجملة تعليل لجواب الشرط وقائمة مقامه .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف استقام قوله تعالى : ( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ ) جزاء للشرط؟ قلت : فيه وجهان :أحدهما : إن عادي جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته ، حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب التي بين يديه ، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم .والثاني : إن عاداه أحد فالسبب في عداواته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم ، وموافقاً له ، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم ، ولذلك يحرفونه ويجحدون موافقته له . كقولك : " إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه " .وقوله - تعالى - : ( بِإِذْنِ الله ) أي بأمره ، وهو توبيخ لهم على عداوتهم لجبريل ، الذي أنزل بالقرآن بإذن الله ، لا من تلقاء نفسه ، وهذه حجة أولى عليهم .وقوله تعالى : ( مُصَدِّقاً ) حال من الضمير العائد على القرآن الكريم ، ف قوله ( نَزَّلَهُ ) أي أنزله حالة كونه مؤيداً للكتب السماوية التي قبله ومن بينها التوراة ، وهذه حجة ثانية عليهم .ثم عززهما بثالثة ورابعة - فقال تعالى : ( وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي هذا القرآن الذي نزل مصدقاً لكتبكم ، هو هاد إلى طريق الفلاح والنجاح ، والعقال لا يرفض الهداية التي تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان الواسطة في مجيئها عدواً له ، وهو - أيضاً - مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى - عنهم في الدنيا والآخرة ، أما الضالون فقد أنذرهم بسوء العقبى فعليكم أن تتبعوا طريق الإِيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام حججاً متعددة على حماقتهم وعنادهم وجحودهم للحق بعد ما تبين . وتكون الآية الكريمة قد مدحت القرآن بخمس صفات .أولها : أنه منزل من عند الله وبإذنه .وثانيها : أنه منزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .وثالثها : أنهن مصدق لما نزل قبله من الكتب السماوية .ورابعها : أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه .وخامسها : أنه بشارة سارة للمؤمنين .

98S02V98

مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ

[Dis:] «Quiconque est ennemi d'Allah, de Ses anges, de Ses messagers, de Gabriel et de Michaël... [Allah sera son ennemi] car Allah est l'ennemi des infidèles»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - تعالى - حقيقة الأمر فيمن يعادي جبريل وأن عداواته عداوة الله - تعالى - فإنه أمين وجيه إلى رسله ليس له في ذلك شيء إلا أن يبلغ ما أمر به فقال تعالى : ( مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) .والمعنى : أن عداوة جبريل عداوة لله ، وأن عداوة محمد صلى الله عليه وسلم عداوة لله - أيضاً - فالإِيمان بالله وملائكته ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع .ومعنى عداوة العبد لله : كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته لملائكته : إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافي عصمتهم ورفعة منزلتهم . ومعنى عداوته لرسله : تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده : غضبه سبحانه - عليه ، ومجازاته له على كفره . وصدر - سبحانه - الكلام باسمه الجليل تفخيماً لشأن ملائكته ورسله وإشعاراً بأن عداوتهم إنما هي عداوة له - تعالى- .وأفرد - سبحانه - جبريل وميكال بالذكر ، مع اندراجهما تحت عموم ملائكته ، لتصريح اليهود بعداوة جبريل وتعظيم ميكائيل ، فأفردهما بالذكر للتنبيه على أن المعاداة لأحدهما معاداة للجميع ، وأن الكفر بأحدهما كفر بالآخر .قال ابن جرير : " فإن قال قائل : أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟ قيل بلى ، فإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما في الآية في جملة أسماء الملائكة؟ قيل : معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت جبريل عدونا وميكائيل ولينا ، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريل صاحبه ، أعلمهم الله - تعالى - أن من كان لجبريل عدواً فإن الله عدو له وأنه من الكافرين ، فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه ، لئلا يقول منهم قائل : إنما قال الله : من كان عدواً لله وملائكته ورسله ، ولسنا لله ولا لملائكته ، ولا لرسله أعداء ، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصاً ، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه ، وكذلك قوله ورسله فلست يا محمد داخلا فيهم ، فنص الله - تعالى - على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقلع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويهم أمورهم على ضعاف الإِيمان " .وقال - سبحانه - في ختام الآية الكريمة ( فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) ولم يقل فإن الله عدو له أو لهم ، ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية الكريمة على ذكرهم كفر وجحود ، وليكون اندراجهم تحت هذا الحكم العام من باب إثبات الحكم بالدليل ، وللإِشعار بأن عداوة الله - تعالى - لهم سببها كفرهم فإن الله لن يعادي قوماً لذواتهم ولا لأنسابهم ، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو .قال صاحب المنار : " فهذه الآية الكريمة وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها ، فهم لم يدعوا عداوة لهؤلاء كلهم ، لكنهم كذلك في نفس الأمر ، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقعِ ، وهي أنهم أعداء كل من يمثله ويدعو إليه ، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكائيل الذي يزعمون أنهم يحبونه . وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه ، ومعاداة القرآن الكريم كمعاداة سائر الكتب الإِلهية لأن المقصود من الجميع واحد فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر ، وهذا من ضروب إيجاز القرآن الكريم التي انفرد بها " .وبهذا تكون الآيتان الكريمتان قد دمغتا اليهود بالكفر والجهالة ، لمعاداتهم لجبريل وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وبينتا ما عليه أمرهم من خزي وهوان بسبب هذه العداوة التي لا باعث عليها إلا الحسد ، وكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده .

99S02V99

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ

Et très certainement Nous avons fait descendre vers toi des signes évidents. Et seuls les pervers n'y croient pas

Tafsir Al WasitWaseet

ثم أخذ القرآن في تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما يفعله معه اليهود فقال تعالى :( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ . . . )أي : لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله ، وبينا لك فيها علوم اليهود ، ومكنونات سرائرهم وأخبارهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم من كتبهم ، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى :( إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) وإن هذه الآيات التي أنزلها الله إليك يا محمد ، ما يكفر بها ، ويجحد صدقها إلا المتمردون من الكفرة ، الخارجون على حدود الله المنتهكون لحرماته .

100S02V100

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ

Faudrait-il chaque fois qu'ils concluent un pacte, qu'une partie d'entre eux le dénonce? C'est que plutôt la plupart d'entre eux ne sont pas croyants

Tafsir Al WasitWaseet

والهمزة في قوله ( أَوَكُلَّمَا ) للإِنكار ، والواو للعطف على محذوف يقتضيه المقام : أي أكفروا بالآيات البينات ، وكلما عاهدوا عهداً نبذه فرق منهم ، أي : طرحوه وانقضوه من النبذ وهو إلقاء الشئ وطرحه لقلة الاعتداد به ومنه سمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء وهو حقيقة في الأجرام وإسناده إلى العهد مجاز .والضمير في قوله : ( مِّنْهُم ) يعود لليهود الذين اشتهروا بنقض العهود وقوله : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) يفيد الترقي إلى الأغلظ فالأغلظ ، أي أن فريقاً منهم عرف بنقضه للعهد ، وأكثرهم عرف بكفره وجحده للحق .قال صاحب الكشاف ، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود ، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا ، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفوا ( الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ) وقال الرازي : " والمقصود من هذا الاستفهام الإِنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التوبيخ والتبكيت . ودل بقوله : ( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ ) على عهد بعد عهد نبذوه ونقضوه ، بل يد على أن ذلك كالعادة منهم ، فكأنه - تعالى - أراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عند كفرم بما أنزل عليه من الآيات ، بأن بين له أن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم . . . "