Tafsir Al Wasit
Waseet
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
Et quand on leur dit: «Croyez à ce qu'Allah a fait descendre», ils disent: «Nous croyons à ce qu'on a fait descendre à nous». Et ils rejettent le reste, alors qu'il est la vérité confirmant ce qu'il y avait déjà avec eux. - Dis: «Pourquoi donc avez-vous tué auparavant les prophètes d'Allah, si vous étiez croyants?»
Tafsir Al Wasit — Waseet
معنى الآيات الكريمة . أن اليهود المعاصرين للعهد النبوي كانوا إذا عرض عليهم الإِيمان بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم أجابوا بقولهم : نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة التي أنزلها الله - تعالى - على موسى ، ويجحدون غيرها وهو القرآن الكريم المصدق لها في الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكذبهم في دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم فقال : ( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) بالتوراة فإنها تنهاكم عن قتلهم ثم كذبهم القرآن الكريم مرة أخرى فقال : ( وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات ) أي : بالآيات الواضحات الدالة على صدقه ، ولكنكم ( اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ ) أي : من بعد ذهابه لميقات ربه ( وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) لعبادتكم غير الله تعالى .ثم كذبهم القرآن الكريم - في دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم - بصورة أخرى سوى ما سبقها فقال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ) وقلنا لكم : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم - من التوراة - بِقُوَّةٍ ) أي بجد حزم ( واسمعوا ) ما أمرتم به فيها سماع تدبر وطاعة . ولكن أسلافكم الذين أنتم على شاكلتهم قالوا لنبيهم : ( سَمِعْنَا ) قولك ( وَعَصَيْنَا ) أمرك . وخالط حب العجل قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن ، وكل هذه الأفاعيل منكم لا تناسب دعواكم الإِيمان بما أنزل إليكم ، وإذا فبئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون ، فالواقع أن التوراة بريئة من أعمالكم ، وأنتم بعيدون عن الإِيمان بها .وقوله تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) تصوير لنوع آخر من قبائح اليهود ، وإخبار عن إعراضهم عن الحق بدعوى أنهنم مكلفون بعدم الإِيمان إلا بما أنزل الله على موسى وهو التوراة .والمقصود ( بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) القرآن الكريم . ولم يذكر المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم للعلم به أو للتنبيه على أن وجوب الإِيمان بالكتاب ، يكفى فيه العلم بأنه منزل من عند الله - تعالى - ومتى استقر في النفس أن القرآن الكريم من عند الله ، استتبع ذلك استحضاراً أنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .وقولهم : ( بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) معناه : نؤمن بالتوراة التي أنزلها الله على نبينا موسى دون غيرها مما أنزله الله عليك - يا محمد- ، وجوابهم هذا يدل على غبائهم وعنادهم . لأن الداعي لهم إلى الإِيمان ، يطلب منهم أن يؤمنوا بكل ما أنزل الله من الكتب السماوية ، ولكنهم قيدوا أنفسهم بالإِيمان ببعض ما أنزل الله وهو ما أنزل عليهم ، فلم يكن إيمانهم مطابقاً لما أمر الله به وهو التصديق بجميع الكتب السماوية ، ولا شك أن من آمن ببعض الكتب السماوية وكفر ببعضها يكون كافراً بجميعها .وقوله تعالى : ( وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ) قصد به بيان التصريح بكفرهم بالقرآن الكريم بعد أن لمحوا بذلك في قولهم : ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) والضمير في ( وَرَآءَهُ ) يعود على ( ِبمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) المكنى به عن التوراة ، أي : قالوا نؤمن بما أنزل علينا والحال أنهم يكفرون بما سوى التوراة أو بما بعدها وهو القرآن الكريم .قال ابن جرير - رحمه الله - : " وتأويل وراء في هذا الموضع : سوى ، كما يقال للرجل المتلكم باحسن ما وراء هذا الكلام الحسن شيء . يراد به : ليس من عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام ، فكذلك معنى قوله تعالى : ( وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ) أي بما سوى التوراة ، وبما بعده من كتب الله التي أنزلها على رسله " .والضمير " هو " في قوله تعالى : ( وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ) يعود إلى القرآن الكريم المكني عنه بقوله " بما وراءه " والحق : الحكم المطابق للواقع . ووصف به القرآن الكريم لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع .ومعنى كون القرآن مصدقاً لما مع اليهود وهو التوراة ، أنه يدل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . وبهذا كان مؤيداً للتوراة التي بشرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له نعوتاً لا تنطبق إلا عليه ، وبذلك يكون اليهود الذين يدعون الإِيمان بما أنزل عليهم كاذبين في دعواهم ، لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بِشرت به توراتهم وأمرتهم بالإيمان به وأيدها القرآن الكريم في ذلك .قال صاحب الكشاف : وفي قوله تعالى : ( وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ) رد لمقالتهم ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) لأنهم إذ كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها " .ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم ويبطل دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم بدليل إلزامي فقال تعالى : ( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين إذا دعوتهم إلى الإيمان بك قالوا . ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) قل لهم : إن كنتم حقاً مؤمنين بما أنزل عليكم وهو التوراة ، فلأي شيء تقتلون أنبياء الله مع أن التوراة تحرم عليكم قتلهم ، بل هي تأمركم باتباعهم وتصديقهم وطاعتهم لأنه أرسلهم لهدايتكم وسعادتكم .إن قتلكم لهم أكبر دليل على أنكم لم تؤمنوا لا بما أنزل عليكم ، ولا بغيره وأنكم كاذبون في مدعاكم لأن جميع ما أنزل الله من وحي يحرم قتل الأنبياء ، ويأمر الناس باتباعهم وطاعتهم .ويرجع معنى الآية إلى نفي فعل الشرط وهو كونهم مؤمنين ، إذ لا وجه لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة ، وهذا كما تريد أن تنفي عن جرل العقل لفعله ما ليس من شأنه أن يصدر من عاقل ، فتقول له : إن كنت عاقلا فلم فعلت كذا؟ أي أنت لست بعاقل .والفاء في قوله تعالى : ( فَلِمَ تَقْتُلُونَ ) واقعة في جواب محذوف دل عليه ما بعده ، والتقديرر إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله - تعالى - .والإِتيان بالمضارع في قوله - تعالى - : ( تَقْتُلُونَ ) مع أن القتل للأنبياء وعق من أسلافهم بقرينة قوله تعالى : ( مِن قَبْلُ ) لقصد استحضار تلك الجناية الشنيعة ، وللتنبيه على أن ارتكابهم لتلك الجريمة البشعة يتجدد ويقع منهم المرة تلو الأخرى ، وللإِشعار بأن الخلف يمشون على عماية السلف ، في التعدي والعصيان ، فلقد حاول اليهود المعاصرون للعهد النبوي قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله - تعالى - عصمه منهم ، ونجاه من مكرهم .وأضاف سبحانه - الأنبياء إليه فقال : ( أَنْبِيَآءَ الله ) للتنبيه على شرفهم العظيم ، وللدلالة على فظاعة عصيان اليهود واجتراحهم المنكر ، إذ قابلوا بالقتل من يجب عليهم أن يقابلوهم بالتصديق والتوقير والطاعة .
۞وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ
Et en effet Moïse vous est venu avec les preuves. Malgré cela, une fois absent, vous avez pris le Veau pour idole, alors que vous étiez injustes
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ذكر القرآن الكريم لهم جنايات أخرى تدل على أنهم لم يؤمنوا بما أنزل عليهم كما يدعون . ومن تلك الجنايات عبادتهم العجل ، فقال تعالى : ( وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) .البينات : جمع بينة وهي الآيات والمعجزات الدالة على صدقة وحقية نبوته ، كانقلاب العصا ثعباناً ، وفلق البحر ، وانفجار العيون من الحجر . . . إلخ .وإنما سماها الله بينات ، لأنها لما كانت لا يقدر على أن يأتي بها بشر إلا بتسخير الله ذلك له دلت على صدق موسى - عليه السلام - في نبوته ورسالته .والمعنى : ولقد جاءكم - يا بني إسرائيل - نبينا موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقة ، وحقيقة نبوته ، وكان من الواجب عليكم أن تتبعوه وتطيعوهولكنكم لم تفعلوا فقد اتخذتم العجل إلهاً من بعد مفارقة نبيكم موسى لكم لمناجاة ربه ، ومن بعد مشاهدتكم لتلك المعجزات ، التي استبان بها صدقة فيما يبلغكم عن ربه فأنتم ظالمون بذلك ، لأنكم تركتم عبادة من يستحق العبادة وهو الله - تعالى - وعبدتم العجل الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً .فالآية الكريمة فيها أبطال لدعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقاص بنبيهم الذي جاءهم بالبينات ، لما تركوا ما أمرهم به وهو عبادة الله ، وفعلوا ما نهاهم عنه وهو عبادة العجل .
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
Et rappelez-vous, lorsque Nous avons pris l'engagement de vous, et brandi sur vous AT-Tûr (le Mont Sinaï) en vous disant: «Tenez ferme à ce que Nous vous avons donné, et écoutez!». Ils dirent: «Nous avons écouté et désobéi». Dans leur impiété, leurs cœurs étaient passionnément épris du Veau (objet de leur culte). Dis-[leur]: «Quelles mauvaises prescriptions ordonnées par votre foi, si vous êtes croyants»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ذكر القرآن الكريم جناية أخرى تكذبهم في دعواهم : أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم - وهي إباؤهم التوراة عناداً واستكباراً فقال تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واسمعوا قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .ومعنى الآية الكريمة : واذكروا - يا بني إسرائيل - وقت أن أخذنا الميثاق عليكم بأن تعملوا بما في التوراة ، وتتلقوا أحكامها بالتقبل والطاعة ورفعنا فوقكم الطور لنريكم آية من آياتنا العظمى التي تقوى قلوبكم ، وتجعلكم تقبلون على تعاليم التوراة برغبة واستجابة ، وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم بجد وحزم ، واسمعوا ما أمرناكم به سماع تدبر وطاعة ، ولكنكم - يا بني إسرائيل - يا من تدعون الإِيمان بما أنزل عليكم - أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة وقلتم لنبيكم سمعنا قولك وعصينا أمرك ، وخالط حب عبادة العجل قلوبكم كما يخالط الماء أعماق البدن ولم تأبهوا بما جاءكم في التوراة من الهدى والنور وبما صحب عرضها عليكم من الآية البينة وهي رفع الجبل فوقكم حتى ظننتم أنه وافع بكم فكفرتم بذلك كله ولازالت نفوسكم تحن إلى عبادة العجل ولقد سرتم على منهج أسلافكم في العناد والجحود والإِعراض عما ينزله الله من الحق ، وإذا كان هذا شأنكم فكيف تدعون الإِيمان بما أنزل عليكم؟ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على تخرصاتهم فقال تعالى : ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .وقوله تعالى : ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ) معناه : أننا حركناه ونقلناه معلقاً فوقكم في الهواء ، لتروا بأعينكم آية كونية من شأنها أنها تحملكم على الإِيمان والطاعة إن كانت لكم عقول تعقل .ومعنى قوله تعالى : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واسمعوا ) : قلنا لكم خذوا ما أمرناكم به في التوراة بجد واجتهاد في تأديته ، واسمعوا ما تؤمرون به سماع طاعة وتفهم . فقوله تعالى ( واسمعوا ) ليس المراد به مجرد السماع للقول فقط ، بل المقصود منه السماع الذي يصحبه التدبر والاستجابة للأمر : فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ) .ثم حكى - سبحانه - جوابهم الذي يدل على عنادهم فقال : ( قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا : وليكن سماعكم تقبل وطاعة ، فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة .وقد اختلف المفسرون هل صدر متهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقاص أو أنهم فعلوا فعلا مقام القول فيكون مجازاً؟قال الفخر الرازي : الأكثرون من المفسرين على أنهم قالوا هذا القول حقيقة . وقال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول ولم يقولوه ، كقوله تعالى ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) قال : والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز .وقوله تعالى : ( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ ) عطف على قولهم سمعنا وعصينا والإِشراب؛ السقي وجعل الشيء شارباً ، واستعمل على وجه التجوز في خلط لون بأخر كأن أحد اللونين سقى الآخر ، يقال : بياض مشرب بحمرة أي مختلط ، وفلان أشرب قلبه حب كذا بمعنى خالط حبه قلبهقال الإِمام الرازي : قوله تعالى : ( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ) في وجه هذه الاستعارة وجهان : الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله في قلوبهم بيان لمكان الإِشراب كقوله :( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ) الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض ، فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال .وفي الجملة الكريمة ( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ) مضاف محذوف وهو لفظ ( حب ) لدلالة المعنى عليه .والمعنى : إن هؤلاء اليهود الذين مردوا على العصيان قد خالط حب العجل نفوسهم حتى استقر في قلوبهم كما يخالط الماء أعماق الجسد . وحذف لفظ الحب من الجملة الكريمة ، يشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى لكأنهم أشروبا ذاته .والتعبير بقوله : ( وَأُشْرِبُواْ ) يشير إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي ال اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه .وقوله تعالى : ( بِكُفْرِهِمْ ) دليل على أن محبتهم للعجل ناشئة عن كفر سابق ، وجحود متأصل فكفرهم الذي ترتب على عبادتهم للعجل ، قد سبقه كفر آخر ، فهو كفر على كفر .ثم أمر الله - تعالى - نبيه في ختام الآية الكريمة بتوبيخهم فقال تعالى :( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) أي : قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين يدعون الإِيمان بما أنزل عليهم - قل لهم - بئس الشيء الذي يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم مصدقين - كما زعمتم - بالتوراة ، والحق أن التوراة ما أمرتكم بشيء من ذلك فلما أنتم مؤمنين بها ولا بغيرها من كتب الله ، لأنها لا تأمر بالفحشاء .فالجملة الكريمة خلاصة لإِبطال قولهم ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) بعد أن أبطله الله - تعالى - فيما سبق بشواهد متعددة ، لأنهم لما زعموا ذلك ، وكانوا مع هذا يفعلون أفعالا قبيحة تناقض الإِيمان بأي كتاب سماوي ، أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذمهم على هذه الأفعال التي تناقض الإِيمان بما أنزل عليهم لكي يعلم الناس جميعاً أن دعواهم لا أساس لها من الصحة .وأضاف - سبحانه - الإِيمان إليهم فقال ( إِيمَانُكُمْ ) ولم يقل الإِيمان ، لأنه ليس إيماناً صحيحاً وإنما هو إيمان مزعوم ، فإضافة الإِيمان إليهم من باب التهكم بهم والاستهزاء بعقولهم .وقوله تعالى : ( إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) أي إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم . وإنما كذبهم الله بذلك لأن التوراة تنهى عن ذلك كله ، وتأمر بخلافه ، فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة إن كان يأمرهم بذلك ، فبئس الأمر تأمر به . وإنما ذلك نفي من الله - تعالى - عن التوراة أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله ، وإعلام منه - جل ثناؤه - أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم ، والذي يحملهم عليه البغي والعدوان " .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة ، والبراهين القاطعة على كذب اليهود في دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم ، ووبختهم على مزاعمهم الباطلة ، وأقوالهم الفاسدة .هذا ، ولفضيلة أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز كلام رصين عند حديثه عن هذه الآيات ، فقد قال - رحمه الله - :يقول الله تعالى في ذكر حجاج اليهود : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ . . . ) .هذا قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل ، والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة نلخص فيما يلي :1 - مقالة ينصح بها الناصح لليهود : إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن .2 - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين .3 - الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه .وأٌسم لو أن محامياً بليغاً وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن في هذه القضية ، ثم هدى إلى استنباط هذه المعاني التي تحتاج في نفس الداعي لما وسعه في أدائها أضعاف أضعاف هذه الكلمات ، ولعله بعد ذلك لا يفى بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق .قال الناصح لليهود : آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة ، ألستم قد أمنتم بالتوراة التي جاء بها موسى لأنها أنزلها الله؟ فالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنزله الله ، فآمنوا به كما آمنتم بها .فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذه اللفظ الوجيز ( آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ ) . وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته . فجعل دعاءهم إلى الإِيمان به دعاء إلى الشيء بحجته ، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد .ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل : آمنوا بما أنزل الله ( على محمد ) ، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة .أتدري لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائداً ، وفي نظر الحكمة الإِرشادية مفسداً .أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإِلزام ، فأدير الأمر على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل .وأما الثاني فلأن إلقاء هذا الاسم على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإِصلاح .كان جواب اليهود أن قالوا : إن الذي دعانا للإِيمان بالتوراة ليس هو كونها أنزلها الله فحسب ، بل إننا آمنا بها لأن الله أنزلها علينا . والقرآن لم ينزله علينا ، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا ، ولكل أمة شرعة ومنهاج .هذا هو المعنى الذي أوجزه القرآن في قوله : ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) وهذا هو المقصد الأول ، وقد زاد إيجاز هذه العبارة أن حذف منها فاعل الإِنزال وهو لفظ الجلالة ، لأنه تقدم ذكره في نظيرتها .ومن البين أن اقتصارهم على الإِيمان بما أنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما أنزل على غيرهم ، وهذا هو المقصد الثاني ، ولكنهم تحاشوا التصريح به لما فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر ، فأراد القرآن أن يبرزه ، أنظر كيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهباً له ، ولم يدخل مضمون قولهم في جملة ما نقله من كلامهم ، بل أخرجه في معرض الشرح والتعليق على مقالتهم فقال :( وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ) أليس ذلك هو غاية الأمانة في النقل؟ . . ثم جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه .فتراه لا يبدأ بمحاورتهم في دعوى إيمانهم بكتابهم ، بل يتركها مؤقتاً كأنها مسلمة ليس عليهم وجوب الإِيمان بغيره من الكتب فيقول : كيف يكون الإِيمان بكتابهم باعثاً على الكفر بما هو حق مثله؟ لا بل هو الحق كله ، وهل يعارض الحق الحق حتى يكون الإِيمان بأحدهما موجباً للكفر بالآخر؟ثم يترقى فيقول : وليس الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السالفة عليه كالأمر بين كل حق وحق ، فقد يكون الشيء حقاص وغيره حقاً فلا يتكاذبان ، ولكنهما في شأنهما مختلفين ، فلا يشهد بعضها لبعض ، أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهداً ومصدقاً لما بين يديه من الكتب ، فكيف يكذب به من يؤمن بها .فانظر إلى الإِحكام في صنعه البيان : إنما هي كلمة رفعت وأخرى وضعت في مكانها عند الحاجة إليها ، فكانت هذه الكلمة حسما لكل عذر ، وسداً لكل باب من أبواب الهرب ، بل كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت خطوة واحدة ، وفي غير ما جلبه ولا طنطنة .ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوي الذي ساقه مساق الاعتراض والاستطراد ، استوى إلى الرد على المقصد الأصلي الذي تبجحوا بإعالنه والافتخار به ، وهو دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم ، فأوسعهم إكذاباً وتفنيداً . وبين أن داء الجحود فيهم داء قديم ، قد أشربوهن في قلوبهم ومضت عليه القرون حتى أصبح مرضاً مزمناً وأن الذي أتوه اليوم من الكفر بما أنزل على محمد ما هو إلا حلقه متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عيلهم ، وساق على ذلك الشواهد التاريخية المفظة التي لا سبيل لإنكارها في جهلهم بالله ، وانتهاكهم لحرمة أنبيائه ، وتمردهم على أوامره .( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له في آخر المرحلة السابقة ، إذ يفهم السامع من تكذيبهم لما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين لكتابهم نفسه ، وهو الذي يكذب من يصدقك يبقى مصدقاً لك؟؟ ..ثم انظر بعد أن سجل القرآن على بني إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس ، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبيهم على أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة . بعد كل ذلك تراه لا يزيد على أن يقول في أول الأمر : إن هذا " ظلم " وفي الثانية ( بئسما ) صنعتم ، أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات؟ نعم إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فهمتا على وجههما ، ولكن أين حدة الألم وحرارة الاندفاع في الانتقام؟ بل أين الإِقذاع والتشنيع؟ وأين الإِسراف والفجور الذي تراه في كلام الناس ، إذا أحفظوا بالنيل من مقامهم .تالله ما أعف هذه الخصومة وما أعز هذا الجانب ، وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين ، وتالله إن هذا الكلام لا يصدر عن نفس بشر " .
قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ
Dis: «Si l'Ultime demeure auprès d'Allah est pour vous seuls, à l'exclusion des autres gens, souhaitez donc la mort [immédiate] si vous êtes véridiques!»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أمر الله - تعالى - نبيه " صلى الله عليه وسلم " أن يرد على اليهود في دعواهم أن الجنة لن يدخلها إلا من كان على ملتهم فقال - تعالى - :( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة . . . )معنى الآيات الكريمة إجمالا :قل - يا محمد - لأولئك اليهود الين ادعوا أن الجنة لن يدخلها إلأا من كان هودا : إن انت الجنة مختصة بكم ، وسالمة لكم دون غيركم ، وليس لأحد سواكم فيها حق . فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في دعواكم ، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وأحب الوصول إليها .ثم أخبر الله أن هذا التمني لن يحصل منهم فقال : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) أي الموت ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) أي بسبب ما ارتكبوه من كفر ومعصية ( والله عَلِيمٌ بالظالمين ) الذين وضعوا الأمور في غير موضعها ، فادعوا ما ليس لهم ، ونفوه عمن هو لهم .ثم أخبر القرآن بأن حرصهم على الحيباة لا نظير له ولا مثيل فقال : ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ ) متطاولة ( وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ) أي : وأحرص عليها - أيضاًٍ - من الذين أشركوا الذين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) أي يتمنى الوحد من هؤلاء اليهود أن يعيش السنين الكثيرة ولو تجاوزت الحدود المعقولة لعمر الإِنسان والحال أنه ما أحد منهم بمزحزحه ومنجيه تعميره من العذاب ( والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون ) أي : لا يخفى عليه أعمالهم ، فهو محاسبهم عليها ، ومجازيهم بما يستحقونه من عقاب .وقوله تعالى : ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) رد على زعمهم الباطل أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً ، والمراد بالدار الآخرة : الجنة ونعيمها ، ومعنى ( خَالِصَةً ) سالمة لكم مختصة بكم ، لا يشارككم فيها أحد من الناس .قال الإِمام ابن جرير : " يقال : خلص لي فلان بمعنى صار لي وحدي وصفا لي ، ويقال منه خلص هذا الشيء ، فهو يخلص خلوصاً وخالصة ، والخالصة مصدر مثل العافية . . "وقوله تعالى : ( فَتَمَنَّوُاْ الموت ) التمنى هو ارتياح النفس ورغبتها القوية في الشيء . بحيث توده وتحب المصير إليه ، وهو يستعمل في المعنى القائم بالقلب كما بينا ، ويستعمل في اللفظ الدال على هذا المعنى ، كأن يقول الإِنسان بلسانه ، ليتني أحصل على كذا .والاستعمال الثاني هو المراد بقول تعالى : ( فَتَمَنَّوُاْ الموت ) أي اذكروا بألسنتكم لفظاً يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه . وإنما قلنا إن ذلك هو المراد من الآية لأن المعنى الكائن بالقلب لا يعرفه أحد سوى الله - تعالى - والتحدي لا يقع بتحصيل المعاني القائمة بالضمائر والقلوب .ومعنى الآية الكريمة . قل يا محمد لليهود : إن كانت الجنة خاصة بكم ، ولا منازع لكم فيها ولا مزاحم كما تزعمون ، فتمنوا الموت بألسنتكم لكي تظفروا بنعيمها الدائم ، إن كنتم صادقين في دعواكم أنها خالصة لكم ، وإلا فإنكم لا تكونون صادقين في دعواكم ، إذ لا يقعل أن يرغب الإِنسان عن السعادة المحضة الدائمة المضمونة له في الآخرة ، إلى سعادة ممزجة بالشقاء في الدنيا .قال الإِمام الرازي : ( وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة . ثم إن نعم الدنيا على قلتهها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم ، بالجدال والقتال ، ومن كان في النعم القليلة المنغصة . ثم تيقن أنه بعد الموت لابد أن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا الموت وحيث كان الموت يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون هذا الإِنسان راضياً بالموت متمنياً له ، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت خالصة لهم ، لوجب أن يتمنوا الموت . ثم إن الله - تعالى - أخبر أنهم ما تمنوا الموت ، بل لن يتمنوه أبداً ، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائها في قولهم : " إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس " .وتحديهم بتمنى الموت يكون بأن يقولوا بألسنتهم ليتنا نموت ، أو يقولوا ما في معنى هذه الكلمة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، وهذا رأي جمهور المفسرين .وروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ذلك يكون عن طريق المباهلة ، بأن يحضروا مع المؤمنين في صعيد واحد ، ثم يدعو الفريقان بالموت على الكاذب منهما .ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ الذي نطقت به الآية وأقرب أيضاً إلى معناها . إذ ليس في الآية إشارة ما إلى طلب المباهلة ، والقرآن حينما دعا إليها نصارى نجران ، جاء اللفظ بها صريحاً في قوله تعالى : ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين )
وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ
Or, ils ne la souhaiteront jamais, sachant tout le mal qu'ils ont perpétré de leurs mains. Et Allah connait bien les injustes
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أخبر - سبحانه - بأن هؤلاء اليهود لن يتمنوا الموت أبداً بسبب ما فعلوا من شرور فقال تعالى : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين ) .أي : لا يتمنى اليهود الموت أبداً بسبب ما قدمت أيديهم من آثام ، والله - عز وجل - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم بل هو سيسجلها عليهم ، ويجازيهم عليها الجزاء الذي يستحقونه ، والآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن اليهود بأنهم يكرهون الموت ، ويمتنعون عن الإِجابة إلى ما دعوا إليه من تمنيه ، لعلمهم بأنهم إن فعلوا فالموت نازل بهم ، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم خبراً إلأا كان حقاً كما أخبر فهم يحذرون أن يتمنوا الموت ، خوفاً من أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب .وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال : " لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه " .وقال ابن جرير في تفسيره : " وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا؛ ولرأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا " قال حدثنا بذلك أبو كريب ، حدثنا زكريا بن عيد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقال الإِمام ابن كثير : ورواه الإِمام أحمد عن اسماعيل بن يزيد الرقي نحدثنا فرات عن عبد الكريم به " .وقال صاحب الكشاف : قوله : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به ، كقوله تعالى : ( وَلَن تَفْعَلُواْ ) فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت : قلت لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كما نقلت سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإِسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل عنه ذلك " .ويكفى في تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل في طريق دعوته ، ويصرون على جحود نبوته؛ فلا يقدح في هذه المعجزة أن ينطق يهودي بعد العهد النبوي بتمنى الموت وهو حريص على الحياة ، لأن المعنيين بالتحدي هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي .وقوله تعالى : ( والله عَلِيمٌ بالظالمين ) وارد مورد التهديد والوعيد لهم وكان اليهود ظالمين بسبب ما قدمت أيديهم وبسبب كونهم قد كذبوا على الله في دعواهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان منهم .