Tafsir Al Wasit
Waseet
الكهف
Al-Kahf
110 versets
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا
ou que son eau tarisse de sorte que tu ne puisses plus la retrouver»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن حضه على الشكر لله - تعالى - رد على إفتخاره وغرروه بقوله - كما حكى القرآن عنه - : ( إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ) .أى : إن ترن - أيها المغرور - أنا أقل منك فى المال والولد فإنى أرجو الله الذى لا يعجزه شئ ، أن يرزقنى ما هو خير من جنتك فى الدنيا والآخرة .( وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء ) أى : عذابا من جهة السماء كالصواعق والسموم وغيرها مما يشاء الله - تعالى - إرساله عليها من المهلكات التى تذرها قاعا صفصفا .قال صاحب الكشاف : والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب .
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا
Et sa récolte fut détruite et il se mit alors à se tordre les deux mains à cause de ce qu'il y avait dépensé, cependant que ses treilles étaient complètement ravagées. Et il disait: «Que je souhaite n'avoir associé personne à mon Seigneur!»
Tafsir Al Wasit — Waseet
أى : وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه ، أن أهلكت أمواله وأبيدت كلها . فصار يقلب كفيه ظهراً لبطن أسفا وندما ، على ما أنفق فى عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء ، ومن جهد كبير ذهب سدى .وقوله - سبحانه - : ( وأحيط بثمره ) معطوف على مقدر محذوف لدلالة السباق والسياق عليه .وأصل الإِحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإِهلاكه واستئصاله .والمعنى : فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور ( وأحيط بثمره ) بأن هلكت أمواله وثماره كلها .وجاء الفعل ( أحيط ) مبنيا للمجهول ، للإِشعار بأن فاعله متيقن وهو العذاب الذى أرسله الله - تعالى - أى : وأحاط العذاب بجنته .وقوله : ( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا ) تصوير بديع لما اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة . وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما على الأخرى ، أو أن يبدى ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا ، وأيَّامَّا كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة ، والندم العظيم ." وهى " أى الجنة التى أنفق فيها ما أنفق ( خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ) أى : ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها .وأصل الخواء السقوط والتهدم . يقال : خوى البيت إذا سقط . كما يطلق على الخلاء من الشئ . يقال : خوى بطن فلان من الطعام أى : خلا منه ، وخوت الدار إذا خلت من سكانها .والعروش جمع عرش ، وهو سقف البيت .والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه ، صارت حطاما وهشيما تذروه الرياح .وجملة : ( وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ) معطوفة على جملة ( يقلب كفيه . . ) .أى : صار يقلب كفيه حسرة وندامة لهلاك جنته ، ويقول زيادة فى الحسرة والندامة : يا ليتنى اتبعت نصيحة صاحبى فلم أشرك مع ربى - سبحانه - أحدا فى العبادة أو الطاعة .وهكذا حال أكثر الناس ، يذكرون الله - تعالى - عند الشدائد والمحن ، وينسونه عند السراء والعافية .والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد فى جنته تصويرا واقعيا بديعا .فقد جرت عادة الإِنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه . أن يعجز عن النطق فى أول وهلة . فإذا ما أفاق من دهشته بدأ فى النطق والكلام .وهذا ما حدث ما ذلك الرجل - كما صوره القرآن الكريم - فإنه عند ما رأى جنته وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق ، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول : يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا .فيا له من تصوير بديع . يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا
Il n'eut aucun groupe de gens pour le secourir contre (la punition) d'Allah. Et il ne put se secourir lui-même
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته فقال .( وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) .أى : ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها ، عشيرة ، أو أعوان ينصرونه ، أو يدفعون عنه ما حل به ، وإنما القادر على ذلك هو الله - تعالى - وحده ، وما كان هذا الرجل الذى جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه ، بسبب إيثاره الغى على الرشد ، والكفر على الإِيمان .فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح ، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة الله - عز وجل - ، وعجز ذلك الرجل فى نفسه عن رد انتقام الله - تعالى - منه .وقوله - سبحانه - : ( هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق . . ) تقرير وتأكيد للآية السابقة . ولفظ هنالك ظرف مكان .وكلمة ( الولاية ) قرأها الجمهور بفتح الواو ، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة ( الحق ) بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة .فيكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة والصلة - من كل الناس ، لله - تعالى - وحده إذ الكافر عندما يرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - كما قال - سبحانه - ( فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ) ويجوز أن يكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة لله - تعالى - وحده . فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم . كما قال - سبحانه - ( ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ ) وقرأ حمزة والكسائى : ( الولاية ) بكسر الواو ، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ ( الحق ) بالرفع على أنه نعت للولاية .فيكون المعنى : فى ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، لله رب العالمين ، كما قال - سبحانه - : ( الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً ) قال بعض العلماء : وقوله ( هنالك ) يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده ، والوقف تام على قوله ( وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ) .ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله .
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا
En l'occurrence, la souveraine protection appartient à Allah, le Vrai. Il accorde la meilleure récompense et le meilleur résultat
Tafsir Al Wasit — Waseet
فعلى القول الأول يكون الظرف ( هنالك ) عامله ما بعده أى : الولاية كائنة لله هنالك .وعلى القول الثانى فالعامل فى الظرف اسم الفاعل الذى هو ( منتصرا ) . أى : لم يكن انتصاره واقعا هنالك .وقوله - سبحانه - : ( وَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) أى : هو - عز وجل - خير إثابة وإعطاء لأوليائه ، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .وعاقبة الأمر : آخره وما يصير إليه منتهاه . و ( ثوابا ) و ( عقبا ) منصوبان على التمييز ، بعد صيغة التفضيل ( خير ) التى حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك - رحمه الله - :
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا
Et propose-leur l'exemple de la vie ici-bas. Elle est semblable à une eau que Nous faisons descendre du ciel; la végétation de la terre se mélange à elle. Puis elle devient de l'herbe desséchée que les vents dispersent. Allah est certes Puissant en toutes choses
Tafsir Al Wasit — Waseet
قال الإِمام الرازى : " اعلم أن المقصود : اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا ، وقلة بقائها . والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين . . " .والمعنى . واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها ، ثم فى سرعة زوال هذا الحسن والنضارة ، لكى لا يركنوا إليها ، ولا يجعلوها أكبر همهم ، ومنتهى آمالهم .وقوله : ( كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء . . ) بيان للمثل الذى شبه الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى : مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا الازدهار ، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء ، فى الوقت الذى نريد إنزاله فيه .( فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ) والاختلاط والخلط : امتزاج شيئين فأكثر بعضهما ببعض .أى : كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض ، فارتوى منه وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه .وفى التعبير بقوله : ( فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ) دون قوله : فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء ، وإلى أنه السبب الأساسى فى ظهور هذا النبات ، وفى بلوغه قوته ونضارته .وقوله : ( فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح ) بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته ، بعد اخضراره وشدته وحسنه .قال القرطبى ما ملخصه : ( هشيما ) أى متكسرا متفتتا ، يعنى بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه ، والهشم ، كسر الشئ اليابس . والهشيم من النبات : اليابس المتكسر . . ورجل هشيم : ضعيف البدن .و ( تذروه الرياح ) أى تفرقه وتنفسه . . يقال : ذرت الريح الشئ تذروه ذروا ، إذا طارت به وأذهبته .أى : فأصبح النبات بعد اخضراره ، يابسا متفتتا ، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى حسنها وجمال رونقها ، ثم فى سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك ، بحال النبات الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه ، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت .والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - فاختلط . فأصبح . . يزيد الأسلوب القرآنى جمالا وبلاغة ، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التى استمر فيها النبات نضرا جميلا ، ثم صار هشيما تذروه الرياح .وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها ، جميلة عزيزة ، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقونها ، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ، ( وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ) أى : وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شئ من الأشياء التى من جملتها الإِنشاء والإِفناء؛ كامل القدرة ، لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء .وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ).