Tafsir Al Wasit
Waseet
الإسراء
Al-Isra
111 versets
ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا
Ensuite, Nous vous donnâmes la revanche sur eux; et Nous vous renforçâmes en biens et en enfants. Et Nous vous fîmes [un peuple] plus nombreux
Tafsir Al Wasit — Waseet
تستطيع أن تسترد مجدها ، متى أصلحت من شأن أنفسها ، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه - : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) .ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم ، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم .أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ ) .والكَرَّة : المرة من الشئ : وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع ، مصدر كريكر - من باب قتل - ، يقال : كرَّ الفارس كَرًّا ، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال .والمراد بالكرة هنا : الدولة والغلبة على سبيل المجاز .أى : ثم أعدنا لكم - يابنى إسرائيل - الدولة والغلبة علىأعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم ، بعد أن أحسنتم العمل ، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ماجاءكم به رسلكم .والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان ، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر .قال أبو حيان : وجعل - سبحانه - ( رددنا ) موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع ، عبر عن المستقبل بالماضى .وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ( وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) .أى : لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم ، بل فضلا عن ذلك ، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم ، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم .وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) .والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته ، وهو منصوب على التمييز . والمفضل عليه محذوف ، والتقدير : وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم . .فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحسنوا الاستفادة منها ، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة ، فقد نصركم بعد هزيمتكم ، وأغناكم بعد فقركم ، وكثّركم بعد قتلكم .
إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا
«Si vous faites le bien; vous le faites à vous-mêmes; et si vous faites le mal, vous le faites à vous [aussi]». Puis, quand vint la dernière [prédiction,] ce fut pour qu'ils affligent vos visages et entrent dans la Mosquée comme ils y étaient entrés la première fois, et pour qu'ils détruisent complètement ce dont ils se sont emparés
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه ، فقال - تعالى - : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) .أى : إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل ، وإن أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى - .وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار ) .وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن ( رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة ) على أعدائكم ( وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) .قال صاحب البحر ما ملخصه : وجواب ( وإن أسأتم ) قوله ( فلها ) وهو خبر لمبتدأ محذوف أى : فالإِساءة لها . قال الكرمانى : قال - سبحانه - : ( فلها ) باللام ازدواجا .أى : أنه قابل ( لأنفسكم ) بقوله ( فلها ) . وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى : فإليها ترجع الإِساءة .وقيل : اللام بمعنى على . أى : فعليها ، كما فى قول الشاعر : فخر صريعا لليدين وللفم .ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال - تعالى - : ( فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ) .والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ ) فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى : ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم ، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل .قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( ليسوءوا ) الواو للعباد أولى البأس الشديد .وفى عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده .وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ( ليسوء ) والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد ، وإما البعث .وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة . أى : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من قوله : بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، وقرأ الباقون . ليسوءوا ، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو موافق لما بعده من قوله : ( وليدخلوا المسجد ) ( وليتبروا ) .وقال الإِمام الرازى : ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب ، ظهر الكلوح فى الوجه .وقوله - سبحانه - : ( وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - ( ليسوءوا وجوهكم ) .والمراد بالمسجد : المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس ، وقوله ( كما دخلوه ) صفة لمصدر محذوف .والمعنى : وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة .قال أبو حيان : ومعنى ( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال .أى : أن المراد من التشبيه ، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم .وقوله - تعالى - : ( وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ) يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل ، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه . ومنه قول الشاعر :وما الناس إلا عاملان فعامل ... يتبر ما يبنى وآخر رافعأى : يخرب ويهد ما يبنى .و " ما " فى قوله ( ما علوا ) اسم موصول مفعول يتبروا : وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله .أى : وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها ، وصارت فى حوزتهم ، تدميرا تاما لا مزيد عليه .وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل ، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض ، لم يكتفوا بجوس الديار ، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم ، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف .ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا فى توبتهم وإنابتهم ، إن فتحوا قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر ، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك .
عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا
Il se peut que votre Seigneur vous fasse miséricorde. Mais si vous récidivez, Nous récidiverons. Et Nous avons assigné l'Enfer comme camp de détention aux infidèles
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه . فقال - تعالى - : ( عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) .أى : عسى ربكم أن يرحمكم : ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة ، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم ، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفعه إلا بتوبة .قال : أبو حيان : وهذه الترجية ليست لرجوع دولة ، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا .وقوله - سبحانه - : ( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم ، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم .أى : وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى ، وانتهاك حرماتى ، بعد أن تداركتكم رحمتى ، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار .ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين ، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .قال ابن عباس - رضى الله عنهما - : " عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين " .ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال : ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) أى : إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة ، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم ( حصيرا ) أى : سجنا : حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه ، أو الفكاك عنه ، أو فراشا تفترشونه ، كما قال - تعالى - : ( لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وكذلك نَجْزِي الظالمين ) قال بعض العلماء : " قوله ( حصيرا ) فيه وجهان : الأول : أن الحصير المحبس والسجن . من الحصر وهو الحبس : يقال حصره يحصره حصرا ، إذا ضيق عليه وأحاط به .والثانى أن الحصير : البساط والفراش ، من الحصير الذى يفرش ، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا . . " .وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل ، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف ، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .هذا ، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض ، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف .ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ ) فكان أول الفسادين قتل زكريا ، فبعث الله عليهم ملك النبط ، وكان يدعى " صحابين " فبعث الجنود ، وكانوا من أهل فارس . . فتحصنت بنو إسرائيل . . ودخل فيهم " بختنصر " - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم . . الخ .وهذا الأثر من وجوه ضعفه ، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون .لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات : الأولى فى سنة 606 ق . م والثانية فى سنة 599 ق . م ، والثالة فى سنة 588 ق . م .وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل .أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره : فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى .وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا ، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع " بختنصر " يتنافى مع الحقائق التاريخية .وفضلا عن ذلك ، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر ، لأن " صحابين " ملك النبط ، هو الذى يسميه المؤرخون " سنحاريب " وكان ملكا للأشوريين ، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق . م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة ، أى : أن بختنصر لم يكن معاصرا له .والرأى الذى نختاره : هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول ، هم جالوت وجنوده . ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلي :1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة ، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل ، وبين " جالوت " قائد أعدائهم ، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم .ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا . . ) فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ( وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. ) يدل دلالة قوية ، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى مفارقة أبنائهم .2- قوله - تعالى - : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ ) صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم .وهذا المعنى ينطبق على ماقصه القرآن علينا ، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده .قال - تعالى - : ( وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ . . ) ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل ، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم ، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم . ولاشك أن النصر فى هذه الحالة ، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه .3- قوله - تعالى - : ( وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت ، وداود ، وسليمان لهم .ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة ، ازدهرت مملكتهم ، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة ، وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة .أما بعد هذا العهد ، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات .فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق . م تقريبا ، انقسمت مملكتهم إلى قسمين : مملكة يهوذا فى الجنوب ، ومملكة إسرائيل فى الشمال ، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق . م على مملكة إسرائيل ، وقضى " بختنصر " على مملكة يهوذا سنة 588 ق . م .4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده .أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله : ( فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال : بعث الله عليهم فى الأولى جالوت ، فجاس خلال ديارهم ، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا ، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ، وانتصروا عليه ، وقتل داود جالوت ، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم . فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة " بختنصر " فخرب المساجد ، وتبر ما علوا تتبيرا . . .هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، هم جالوت وجنوده .أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى ، فيرى كثير من المفسرين أنهم " بختنصر " وجنوده .وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم ، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق . م .إلا أننا نؤثر على هذا الرأى ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى ، هم الرومان بقيادة زعيمهم ، تيطس سنة 70 م . لأمور من أهمها : .1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل " تيطس " بهم ، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال " بختنصر " لهم . فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم ، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم .2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل . من ضربات " بختنصر " لهم .فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة " تيطس " بلغ مليون قتيل ، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير .بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد " بختنصر " كان أقل من هذا العدد بكثير .ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم .يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد " تيطس " الرومانى : كان " تيطس " فى الثلاثين من عمره ، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه ، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار .وبعد أن اقتحم " تيطس " وجنوده المدينة ، أصدر أمره إليهم : أن احرقوا وانهبوا واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم ، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه ، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال : ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا ، وسيحل الغضب على أهلها ، وسيسقطون صرعى على حد السيف ، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر ، وستطأ أورشليم الأقدام .3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم . لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى ، بمساعدة " قورش " ملك الفرس ، الذى انتصر على " بختنصر " سنة 538 ق . م تقريبا ، وبدأوا يتكاثرون من جديد .أما بعد تنكيل " تيطس " بهم فلم تقم لهم قائمة ، ومزقوا فى الأرض شر ممزق ، وانقطع دابرهم كأمة .وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه " تيطس " بهم من ضربات : إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة ، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد " تيطس " تفرقوا فى جميع بلاد الله ، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها .
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا
Certes, ce Coran guide vers ce qu'il y a de plus droit, et il annonce aux croyants qui font de bonnes œuvres qu'ils auront une grande récompense
Tafsir Al Wasit — Waseet
قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما شرح ما فعله فى حق عباده المخلصين ، وهو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى - عليه السلام - ، وما فعله فى حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلايا عليهم ، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى - سبحانه - على القرآن فقال : ( إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) .والفعل ( يهدى ) مأخوذ من الهداية ، ومعناها : الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى البغية . والمفعول محذوف . أى : يهدى الناس .وقوله - سبحانه - ( لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) صفة لموصوف محذوف ، أى يهدى الناس إلى الطريقة أو الملة التى هى أقوم .قال صاحب الكشاف : ( لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) أى : للحالة التى هى أقوم الحالات وأسدها ، أو للملة أو للطريقة . وأينما قدرت لم تجد مع الإِثبات ذوق البلاغة الذى تجده مع الحذف ، لما فى إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه .والمعنى : إن هذا القرآن الكريم ، الذى أنزله الله - تعالى - عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم ، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم - فى جميع شئونهم الدينية والدنيوية - إلى الملة التى هى أقوم الملل وأعدلها ، وهى ملة الإِسلام . فمنهم من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة ، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء .قال صاحب الظلال ما ملخصه : إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم فى عالم الضمير والشعور ، بالعقيدة الواضحة التى لا تعقيد فيها ولا غموض ، والتى تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة ، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء ، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ، ونواميس الفطرة البشرية فى تناسق واتساق .ويهدى للتى هى أقوم ، فى التنسيق بين ظاهر الإِنسان وباطنه ، وبين مشاعره وسلوكه وبين عقيدته وعمله .ويهدى للتى هى أقوم فى عالم العبادة ، بالموازنة بين التكاليف والطاقة ، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل ، ولا تسهل حتى تشيع فى النفس الرخاوة والاستهتار ، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال .ويهدى للتى هى أقوم ، فى علاقات الناس بعضهم ببعض : أفرادا وأزواجا وحكومات وشعوبا ، ودولا وأجناسا .ويهدى للتى هى أقوم فى نظام الحكم ، ونظام المال ، ونظام الاجتماع ، ونظام التعامل . .وقوله - سبحانه - : ( وَيُبَشِّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) صفة ثانية من صفات القرآن الكريم .أى : أن هذا القرآن بجانب هدايته للتى هى أقوم ، فهو - أيضا - يبشر المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم - عز وجل - : أجرا كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسديه ومانحه ، وهو الله رب العالمين .
وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا
et à ceux qui ne croient pas en l'au-delà, que Nous leur avons préparé un châtiment douloureux
Tafsir Al Wasit — Waseet
قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما شرح ما فعله فى حق عباده المخلصين ، وهو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى - عليه السلام - ، وما فعله فى حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلايا عليهم ، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى - سبحانه - على القرآن فقال : ( إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) .والفعل ( يهدى ) مأخوذ من الهداية ، ومعناها : الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى البغية . والمفعول محذوف . أى : يهدى الناس .وقوله - سبحانه - ( لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) صفة لموصوف محذوف ، أى يهدى الناس إلى الطريقة أو الملة التى هى أقوم .قال صاحب الكشاف : ( لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) أى : للحالة التى هى أقوم الحالات وأسدها ، أو للملة أو للطريقة . وأينما قدرت لم تجد مع الإِثبات ذوق البلاغة الذى تجده مع الحذف ، لما فى إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه .والمعنى : إن هذا القرآن الكريم ، الذى أنزله الله - تعالى - عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم ، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم - فى جميع شئونهم الدينية والدنيوية - إلى الملة التى هى أقوم الملل وأعدلها ، وهى ملة الإِسلام . فمنهم من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة ، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء .قال صاحب الظلال ما ملخصه : إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم فى عالم الضمير والشعور ، بالعقيدة الواضحة التى لا تعقيد فيها ولا غموض ، والتى تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة ، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء ، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ، ونواميس الفطرة البشرية فى تناسق واتساق .ويهدى للتى هى أقوم ، فى التنسيق بين ظاهر الإِنسان وباطنه ، وبين مشاعره وسلوكه وبين عقيدته وعمله .ويهدى للتى هى أقوم فى عالم العبادة ، بالموازنة بين التكاليف والطاقة ، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل ، ولا تسهل حتى تشيع فى النفس الرخاوة والاستهتار ، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال .ويهدى للتى هى أقوم ، فى علاقات الناس بعضهم ببعض : أفرادا وأزواجا وحكومات وشعوبا ، ودولا وأجناسا .ويهدى للتى هى أقوم فى نظام الحكم ، ونظام المال ، ونظام الاجتماع ، ونظام التعامل . .وقوله - سبحانه - : ( وَيُبَشِّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) صفة ثانية من صفات القرآن الكريم .أى : أن هذا القرآن بجانب هدايته للتى هى أقوم ، فهو - أيضا - يبشر المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم - عز وجل - : أجرا كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسديه ومانحه ، وهو الله رب العالمين .