Tafsir Al Wasit
Waseet
الإسراء
Al-Isra
111 versets
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ
Gloire et Pureté à Celui qui de nuit, fit voyager Son serviteur [Muhammad], de la Mosquée Al-Harâm à la Mosquée Al-Aqsâ dont Nous avons béni l'alentour, afin de lui faire voir certaines de Nos merveilles. C'est Lui, vraiment, qui est l'Audient, le Clairvoyant
Tafsir Al Wasit — Waseet
افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله ، كما يدل على ذلك لفظ " سبحان " الذى من أحسن وجوه إعرابه ، أنه اسم مصدر منصوب - على أنه مفعول مطلق - بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت الله - تعالى - سبحانا أى تسبيحا ، بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء .قال القرطبى : " وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة - أى المبشرين بالجنة - أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم : ما معنى سبحان الله؟ فقال : " تنزيه الله من كل سوء " " .وقوله ( أسرى ) من الإِسراء ، وهو السير بالليل خاصة .قال الجمل : يقال أسرى وسرى ، بمعنى سار فى الليل ، وهما لازمان ، لكن مصدر الأول الإِسراء ومصدر الثانى السرى - بضم السين كالهدى - فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول ، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء . ومعنى أسرى به ، صيره ساريا فى الليل .والمراد ( بعبده ) خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ، والإِضافة للتشريف والتكريم .وأوثر التعبير بلفظ العبد ، للدلالة على أن مقام العبودية لله - تعالى - هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذ لو كان هناك وصف أعظم منه فى هذا المقام لعبر به ، وللإِشارة - أيضا - إلى تقرير هذه العبودية لله - تعالى - وتأكيدها ، حتى لا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية ، كما التبسا فى العقائد المسيحية ، حيث ألهوا عيسى - عليه السلام - ، وألهوا أمه مريم ، مع أنهما بريئان من ذلك . . .قال الشيخ القاسمى نقلا عن الإِمام ابن القيم فى كتاب " طريق الهجرتين " : أكمل الخلق أكملهم عبودية لله - تعالى - ، ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم أقرب الخلق إلى الله - تعالى - وأعظمهم عنده جاها ، وأرفعهم عنده منزلة ، لكماله فى مقام العبودية . وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى . إنما أنا عبد " وكان يقول : " لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله " .وذكره - سبحانه - بسمة العبودية فى أشرف مقاماته : فى مقام الإِسراء حيث قال : ( سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ) .وفى مقام الدعوة حيث قال : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ ) وفى مقام التحدى حيث قال : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا ) وقوله : ( ليلا ) ظرف زمان لأسرى .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : الإِسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟ .قلت : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير ، تقليل مدة الإِسراء ، وأنه أسرى به بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية .. . " .وقوله : ( مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) بيان لابتداء الإِسراء وانتهائه .أى : جل شأن الله - عز وجل - وتنزه عن كل نقص ، حيث أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم فى جزء من الليل ، من المسجد الحرام الذى بمكة إلى المسجد الأقصى الذى بفلسطين .ووصف مسجد مكة بالحرام ، لأنه لا يحل انتهاكه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده ، ولا بقطع شجره .ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام ، إذ المسافة بينهما كان يقطعها الراكب للإِبل فى مدة شهر أو أكثر .قال الآلوسى : ووصفه بالأقصى - أى الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز . وقال غير واحد : إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام وبينهما زهاء أربعين ليلة . وقيل - وصف بذلك - : لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها . . .وظاهر الآية يفيد أن الإِسراء كان من المسجد الحرام ، فقد أخرج الشيخان والترمذى والنسائى من حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا فى الحجر - وفى رواية - فى الحطيم ، بين النائم واليقظان ، إذ أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه ، فاستخرج قلبى فغسله ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه " " .وقيل أُسرِى به من بيت أم هانئ بنت أبى طالب ، فيكون المراد بالمسجد الحرام : الحرم لإِحاطته بالمسجد والتباسه به . فعن ابن عباس - رضى الله عنهما - : الحرم كله مسجد .ويمكن الجمع بين هذه الروايات ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بقى فى بيت أم هانئ لفترة من الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد ، فلما كان فى الحِجْر أو فى الحطيم بين النائم واليقظان ، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السموات العلا . ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء فى بعض الروايات .وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة فى بيت أم هانئ ، لا ينفى أن الإِسراء بدأ من المسجد الحرام ، كما تقرر الآية الكريمة .وقوله ( الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) صفة مدح للمسجد الأقصى .أى : جل شأن الله الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، الذى أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية .أما البركات الدينية فمن مظاهرها : أن هذه الأرض التى حوله ، جعلها الله - تَعالى - مقرا لكثير من الأنبياء ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وداود وسليمان ، وزكريا ويحيى وعيسى .قال - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا . . ) وقال - سبحانه - فى شأن إبراهيم : ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) والمقصود بهذه الأرض : أرض الشام ، التى منها فلسطين .وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها : كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع فى تلك الأماكن .قال بعض العلماء : وقد قيل فى خصائص المسجد الأقصى : أنه متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ومعراجه إلى السموات العلا . . وأولى القبلتين وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه .وقوله - سبحانه - : ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ) إشارة الى الحكمة التى من أجلها أسرى الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه وسلم فقوله ( لنريه ) متعلق بأسرى .و " من " للتبعيض لأن ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمته بعض آيات الله بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب .أى : أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله ، ثم عرجنا به إلى السموات العلا ، لنطلعه على آياتنا ، وعلى عجائب قدرتنا ، والتى من بينها : مشاهدته لأنبيائنا الكرام ، ورؤيته لما نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا الكون .ولقد وردت أحاديث متعددة فى بيان ما أراه الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة المباركة ، ومن ذلك ما رواه البخارى عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " . . . ووجدت فى السماء الدنيا آدم فقال لى جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه ورد على آدم السلام فقال : مرحبا وأهلا بابنى ، فنعم الابن أنت . . " .وفى رواية للإِمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما عرج بى ربى - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون فى أعراضهم . . " .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه ، ومزيد فضله فقال - تعالى - : ( إِنَّهُ هُوَ السميع البصير ) .أى : إنه - سبحانه - هو السميع لأقوال عباده : مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم ومكذبهم . بصير بما يسرونه ويعلنونه ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب ، بدون ظلم أو محاباة .هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل منها :1- أن هذه الآية دلت على ثبوت الإِسراء للنبى صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وأما العروج به صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلا فقد استدل عليه بعضهم بآيات سورة النجم ، وهى قوله - تعالى - :( والنجم إِذَا هوى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى ذُو مِرَّةٍ فاستوى وَهُوَ بالأفق الأعلى ثُمَّ دَنَا فتدلى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى فأوحى إلى عَبْدِهِ مَآ أوحى مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى ) وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة بأسانيدها ومتونها ، وقال فى أعقاب ذكر بعضها :قال البيهقى : وفى هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به - عليه الصلاة والسلام - من مكة إلى بيت المقدس ، وهذا الذى قاله هو الحق الذى لاشك فيه ولا مرية .وقال القرطبى : ثبت الإِسراء فى جميع مصنفات الحديث ، وروى عن الصحابة فى كل أقطار الإِسلام ، فهو من المتواتر بهذا الوجه ، وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيا .2- قال بعض العلماء ما ملخصه : ذهب الاكثرون إلى أن الإِسراء كان بعد المبعث ، وأنه قبل الهجرة بسنة . قاله الزهرى وابن سعد وغيرهما . وبه جزم النووى ، وبالغ ابن حزم فنقل الإِجماع فيه . وقال : كان فى رجب سنة اثنتى عشرة من النبوة .وإختار الحافظ المقدسى أنه كان فى ليلة السابع والعشرين من شهر رجب .والذى تطمئن إليه النفس أن حادث الإِسراء والمعراج ، كان بعد وفاة أبى طالب والسيدة خديجة - رضى الله عنها - .ووفاتهما كانت قبل الهجرة بسنتين أو ثلاثة . وفى هذه الفترات التى أعقبت وفاتهما اشتد أذى المشركين بالنبى صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحادث لتسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ولتشريفه وتكريمه . .3- من المسائل التى ثار الجدل حولها ، مسألة : أكان الإِسراء والمعراج فى اليقظة أم فى المنام؟ وبالروح والجسد أم بالروح فقط؟ .وقد لخص بعض المفسرين أقوال اللعماء فى هذه المسألة فقال : اعلم أن هذا الإِسراء به صلى الله عليه وسلم المذكور فى هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل العلم أنه بروحه دون جسده ، زاعما أنه فى المنام لا فى اليقظة ، لأن رؤيا الأنبياء وحى .وزعم بعضهم أن الإِسراء بالجسد ، والمعراج بالروح دون الجسد .ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما ، لأنه قال : ( بعبده ) والعبد مجموع الروح والجسد .ولأنه قال : ( سبحان ) والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه .ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة ، ولا سببا لتكذيب قريش له صلى الله عليه وسلم لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح .ولأنه - سبحانه - قال ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ) والظاهر أن ما أراه الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده قوله - تعالى - : ( مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى ) ولأنه ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعمل فى رحلته البراق ، واستعماله البراق يدل على أن هذا الحادث كان بالروح والجسد وفى اليقظة لا فى المنام .
وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا
Et Nous avions donné à Moïse le Livre dont Nous avions fait un guide pour les Enfants d'Israël: «Ne prenez pas de protecteur en dehors de Moi»
Tafsir Al Wasit — Waseet
والواو فى قوله - تعالى - : ( وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب ) ، استئنافية ، أو عاطفة على قوله : ( سُبْحَانَ الذي أسرى . . ) والمراد بالكتاب : التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - والضمير المنصوب فى قوله : ( وجعلناه ) يعود إلى الكتاب .وقوله ( لبنى إسرائيل ) متعلق بهدى .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ ) و ( أن ) فى قوله ( أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ) يصح أن تكون زائدة وتكون الجملة مقولة لقول محذوف ، والمعنى :وآتينا موسى الكتاب من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى الصراط المستقيم .وقلنا لهم : لا تتخذوا غير الله - تعالى - وكيلا ، أى : معبودا ، تفوضون إليه أموركم ، وتكلون إليه شئونكم ، فهو - سبحانه - : ( رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً ) قال الإِمام الرازى ما ملخصه : قرأ أبو عمرو ( ألا يتخذوا ) بالياء خبرا عن بنى إسرائيل : وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ، أى : قلنا لهم لا تتخذوا . ويصح أن تكون ( أن ) ناصبة للفعل فيكون المعنى : وجعلناه هدى لئلا تتخذوا . . . وأن تكون ( أن ) بمعنى أى التى للتفسير - أى هى مفسرة لما تضمنه الكتاب من النهى عن اتخاذ وكيل سوى الله - تعالى - .
ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا
[O vous], les descendants de ceux que Nous avons transportés dans l'arche avec Noé. Celui-ci était vraiment un serviteur fort reconnaissant
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ . . . ) منصوب على الاختصاص ، أو على النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإِيمان والعمل الصالح ، وتنبيههم إلى نعمه - سبحانه - عليهم ، حيث جعلهم من ذرية أولئك الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - وحضهم على السير على منهاجهم فى الإِيمان والعمل الصالح ، فإن شأن الأبناء أن يقتدوا بالآباء فى التقوى والصلاح .والمعنى : لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى - ، فأنتم أبناء أولئك القوم الصالحين ، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فأنجاهم الله - تعالى - مع نبيهم من الغرق .قال الآلوسى : وفى التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه : أحدها تذكيرهم بالنعمة فى إنجاء آبائهم . والثانى : تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج إلى الحمل والثالث : أنهم أضعف منهم - أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء فى العرف الغالب مناسبة تامة لما ذكر .وقوله : ( إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ) تذييل قصد به الثناء على نوح - عليه السلام - أى : إن نوحا - عليه السلام - كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا ، المستعملين لها فيما خلقت له ، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى السراء والضراء .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : ( إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ) ما وجه ملاءمته لما قبله؟ .
وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا
Nous avions décrété pour les Enfants d'Israël, (et annoncé) dans le Livre: «Par deux fois vous sèmerez la corruption sur terre et vous allez transgresser d'une façon excessive»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - سبحانه - : ( وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ . . . ) إخبار من الله - تعالى - لهم ، بما سيكون منهم ، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر ، وإنما هو صفة انكشافية ، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم .قال أبو حيان : والفعل ( قضى ) يتعدى بنفسه إلى مفعول ، كقوله - تعالى - : ( فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل . . ) ولما ضُمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى : وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس : وأعلمناهم . . .والمراد بالكتاب : التوراة ، وقيل اللوح المحفوظ .واللام فى قوله ( لتفسدن . . . ) جواب قسم محذوف تقديره : والله لتفسدن .ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى - : ( وقضينا . . . ) لأنه مضمن معنى القسم ، كما يقول القائل : قضى الله لأفعلن كذا ، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم . . .والمقصود بالأرض : عمومها أو أرض الشام .و ( مرتين ) منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله : ( لتفسدن ) من غير لفظه ، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل - : ( ولتعلن . . ) من العلو وهو ضد السفل ، والمراد به هنا : التكبر والتجبر والبغى والعدوان .والمعنى : وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا : وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا ، بأن قلنا لهم : لتفسدن فى الأرض مرتين ، ولتستكبرون على الناس بغير حق ، استكبارا كبيرا ، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار .والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب ، يدل على ثبوته ، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشئ والفراغ منه .وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم ، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان .وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض : تحريفهم للتوراة ، وتركهم العمل بما فيها من أحكام ، وقتلهم الأنبياء والمصلحين .
فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا
Lorsque vint l'accomplissement de la première de ces deux [prédictions,] Nous envoyâmes contre vous certains de Nos serviteurs doués d'une force terrible, qui pénétrèrent à l'intérieur des demeures. Et la prédiction fut accomplie
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ، ويدمرهم تدميرا ، فقال - تعالى - : ( فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ) .والمراد بالوعد : الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض ، فالكلام على حذف مضاف ، والضمير فى ( أولاهما ) يعود على المرتين المعبر عنهما بقول : ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ ) .وقوله ( فجاسوا ) ممعطوف على ( بعثنا ) وأصل الجوس : طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب .والمعنى : فإذا حان وقت عقابكم - يابنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم ( عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال ، فأذلوكم وقهروكم ، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار ، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة ، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم ، وهتك أعراضكم ، وتخريب دياركم .. . وعدا نافذا لا مرد له ، ولا مفر لكم منه .قال الآلوسى : واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة : هم جالوت وجنوده ، وقال ابن جبير وابن إسحاق : هم سنحاريب ملك بابل وجنوده . وقيل : هم العمالقة ، وقيل : بختنصر .وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين ، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة .فإن قال قائل : وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين . وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان ، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟ .فالجواب : أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا ، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير ، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم .وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار ، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك ، وأن يحذروا أممهم من ذلك ، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى ، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل - .ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم ، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين ، إلى سنة من سنن الله فى خلقه ، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران .فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ثبوتا لاشك فيه ، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم .ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار ، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها .