Tafsir Al Wasit
Waseet
يوسف
Yusuf
111 versets
وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ
Et ils vinrent à leur père, le soir, en pleurant
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم لأبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم وعادوا إليه ليلا يبكون فقال :( وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً . . . ) .قوله : ( وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ) .والعشاء : وقت غيبوبة الشفق الباقى من بقايا شعاع الشمس ، وبدء حلول الظلام والمراد بالبكاء هنا : البكاء المصطنع للتمويه والخداع لأبيهم ، حتى يقنعوه - فى زعمهم - أنهم لم يقصروا فى حق أخيهم .أى : وجاءوا أباهم بعد ان أقبل الليل بظلامه يتباكون ، متظاهرين بالحزن والأسى لما حدث ليوسف ، وفى الأمثال : " دموع الفاجر بيديه " .
قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ
Ils dirent: «O notre père, nous sommes allés faire une course, et nous avons laissé Joseph auprès de nos effets; et le loup l'a dévoré. Tu ne nous croiras pas, même si nous disons la vérité»
Tafsir Al Wasit — Waseet
( قَالُواْ ياأبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ) أى : نتسابق عن طريق الرمى بالسهام ، أو على الخيل ، أو على الأقدام . يقال : فلان وفلان استبقا أى : تسابقا حتى ينظر أيها يسبق الآخر .( وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ) أى : عند الأشياء التى نتمتع بها وننتفع فى رحلتنا ، كالثياب والأطعمة ، وما يشبه ذلك .( فَأَكَلَهُ الذئب ) فى تلك الفترة التى تركناه فيها عند متاعنا .والمراد : قتله الذئب ، ثم أكله دون أن يبقى منه شيئا ندفنه .( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) أى : وما أنت بمصدق لنا فيما أخبرناك به من أن يوسف قد أكله الذئب ، حتى ولو كنا صادقين فى ذلك ، لسوء ظنك بنا ، وشدة محبتك له .وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم ، وبمخادعتهم له ، ويكاد المريب أن يقول خذونى - كما يقولون - .
وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
Ils apportèrent sa tunique tachée d'un faux sang. Il dit: «Vos âmes, plutôt, vous ont suggéré quelque chose... [Il ne me reste plus donc] qu'une belle patience! C'est Allah qu'il faut appeler au secours contre ce que vous racontez!»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكى وبهذا القول ، بل أضافوا إلى ذلك تمويها آخر حكاه القرآن فى قوله : ( وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ . . . ) أى : بدم ذى كذب ، فهو مصدر بتقدير مضافه ، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة ، حتى لكأنه الكذب بعينه ، والمصدر هنا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، أى : بدم مكذوب .والمعنى : وبعد أن ألفوا بيوسف فى الجب ، واحتفظوا بقميصه معهم ، ووضعوا على هذا القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف ، وإنما من جمس شئ آخر قد يكون ظبيا وقد يكون خلافه .وقال - سبحانه - ( على قَمِيصِهِ ) للإِشعار بأنه دم موضوع على ظاهر القميص وضعا متكلفا مصطنعا ، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه ، لظهر التمزق والتخريق فى القميص ، ولتغلغل الدم فى قطعة منه .ولقد أدرك يعقوب - عليه السلام - من قسمات وجوههم ، ومن دلائل حالهم ، ومن نداء قلبه المفجوع أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما ، وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له ، ولذا جابههم بقوله : ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً . . . ) .والتسويل : التسهيل والتزيين . يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل أى زينته وحسنته له ، وصورته له فى صورة الشئ الحسن مع أنه قبيح .أى : قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن فعلوا ما عفلوا وقالوا ما قالوا : قال لهم ليس الأمر كما زعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب ، وإنما الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هى التى زينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا ، ستكشف الأيام عنه بإذن ربى ومشيئته .ونكر الأمر فى قوله : ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ) لاحتماله عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ، كالقتل ، أو التغريب ، أو البيع فى الأسواق لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به .وفى هذا التنكير والإِبهام - أيضا - ما فيه من تهويل والتشنيع لما اقترفوه فى حق أخيهم .وقوله ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أى : فصبرى صبر جميل ، وهو الذى لا شكوى فيه لأحد سوى الله - تعالى - ولا رجاء معه إلا منه - سبحانه - .ثم أضاف إلى ذلك وقوله : ( والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ) أى : والله - تعالى - هو الذى أستعين به على احتمال ما تصفون من أن ابنىيوسف قد أكله الذئب .أو المعنى : والله - تعالى - وحده هو المطلوب عونه على إظهار حقيقة ما تصفون ، وإثبات كونه كذبا ، وأن يوسف مازال حيا ، وأنه - سبحانه - سيجمعنى به فى الوقت الذى يشاؤه .قال الآلوسى : " أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة : أن إخوة يوسف - بعد أن ألقوا به فى الجب - أخذوا ظبيا فذبحوه ، ولطخوا بدمه قميصه ، ولما جاءوا به إلى أبيهم جعل يقلبه ويقول : تا الله ما رأيت كاليوم ئبا أحلم من هذا الذئب!! أكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه . . " .وقال القرطبى : " استدل الفقهاء بهذه الآية فى إعمال الأمارات فى مسائل الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب - عليه السلام - قد استدل على كذب أبنائه بصحة القميص ، وهكذا يجب على الحاكم أن يلحظ الأمارات والعلامات . . . " .وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : " وفى الآية من الفوائد : أن الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه . . . وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة ، لم يصدق ، وأن من طلب مراده بمعصية الله - تعالى - فصحه الله - عز وجل - ، وأن القدر كائن ، وأن الحذر لا ينجى منه . . . " .وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ ، وتصويرها المؤثر ، ما تآمر به إخوة يوسف عليه ، وما اقترحوه لتنفيذ مكرهم ، وما قاله لهم أوسطهم عقلا ورأيا ، وما تحايلوا به على أبيهم لكى يصلوا إلى مآربهم ، وما رد به عليهم أبوهم ، وما قالوه له بعد أن نفذوا جريمتهم فى أخيهم . بأن ألقوا به فى الجب . .
وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ
Or, vint une caravane. Ils envoyèrent leur chercheur d'eau, qui fit descendre son seau. Il dit: «Bonne nouvelle! Voilà un garçon!» Et ils le dissimulèrent [pour le vendre] telle une marchandise. Allah cependant savait fort bien ce qu'ils faisaient
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة يوسف - عليه السلام - حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب ، وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية الذى اشتراه لامرأته ، وعن مظاهر رعاية الله - تعالى - له فقال - سبحانه -( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فأدلى دَلْوَهُ . . . )قوله - سبحانه - : ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فأدلى دَلْوَهُ . . . ) شروع فى الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته فى الجب .والسيارة : جماعة المسافرين ، وكانوا - كما قيل - متجهين من بلاد الشام إلى مصر .والوارد : هو الذى يرد الماء ليستقى للناس الذين معه . ويقع هذا اللفظ على الفرد والجماعة ، فيقال لكل من يرد الماء وارد ، كما يقال للماء مورود .وقوله ( فأدلى ) من الإِدلاء بمعنى إرسال الدول فى البئر لأخذ الماء .والدلو : إناء معروف يوضع فيه الماء .وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم ، جاءت إلى ذلك المكان قافلة من المسافرين ، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا ، فوجد جبا ، فأدلى دلوه فيه ، فتعلق به يوسف ، فلما خرج ورآه فرح به وقال : يا بشرى هذا غلام .وأوقع النداء على البشرى ، للتعبير عن انتهاجه وسروره ، حتى لكأنها شخص عاقل يستحق النداء ، أى : يا بشارتى أقبلى فهذا أوان إقبالك .وقيل المنادى محذوف والتقدير : يا رفاقى فى السفر أبشروا فهذا غلام ، وقد خرج من الجب .وقرأ أهل المدينة ومكة : يا بشراى هذا غلام . بإضافة البشرى إلى ياء المتكلم . والضمير المنصوب وهو الهاء فى قوله : ( وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ) يعود إلى يوسف .أما الضمير المرفوع فيعود إلى السيارة ، وأسر من الإِسرار الذى هو ضد الإِعلان .والبضاعة : عرضو التجاة ومتاعها . وهذا اللفظ مأخذو من البضع بمعنى القطع ، وأصله جملة من اللحم تبضع أى : تقطع . وهو حال من الضمير المنصوب فى ( وأسروه ) .والمعنى : وأخفى جماعة المسافرين خبر التقاط يوسف من الجب مخافة أن يطلبه أحد من السكان المجاورين للجب ، واعتبره بضاعة سرية لهم ، وعزموا على بيعه على أنه من العبيد الأرقاء .ولعل يوسف - عليه السلام - قد أخبرهم بقصته بعد إخراجه من الجب .ولكنهم لم يلتفتوا إلى ما أخبرهم به طمعا فى بيعه والانتفاع بثمنه .ومن المفسرين من يرى أن الضمير المرفوع فى قوله ( وأسروه ) يعود على الوارد ورفاقه ، فيكون المعنى :وأسر الوارد ومن معه أمر يوسف عن بقية أفراد القافلة ، مخافة أن يشاركهوهم فى ثمنه إذا علموا خبره ، وزعموا أن أهل هذا المكان الذى به الجب دفعوه إليهم ليبيعوه لهم فى مصر على أنه بضاعة لهم .ومنهم من يرى أن الضمير السابق يعود إلى إخوة يوسف .قال الشوكانى ما ملخصه : وذلك أن يهوذا كان يأتى إلى يوسف كل يوم بالطعام ، فأتاه يوم خروجه من الجب فلم يجده ، فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا إلى السيارة وقالوا لهم : " إن الغلام الذى معكم عبد لنا قد أبق ، فاشتروه منهم بثمن بخس ، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه " .وعلى هذا الرأى يكون معنى ( وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ) : أخفى إخوة يوسف كونه أخا لهم ، واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء .ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) الشراء الحقيقى ، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس .والحق أن الرأى الأول هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية ، ولأنهبعيد عن التكلف الذى يرى واضحا فى القولين الثانى والثالث .وقوله : ( والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) أى : لا يخفى عليه شئ من إسرارهم . ومن عملهم السئ فى حق يوسف . حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس ، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، كما جاء فى الحديث الشريف .
وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّـٰهِدِينَ
Et ils le vendirent à vil prix: pour quelques dirhams comptés. Ils le considéraient comme indésirable
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : - سبحانه - ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين ) بيان لما فعله السايرة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة .وقوله ( شروه ) هنا بمعنى باعوه .والبخس : النقص ، يقال بخس فلا فلانا حقه ، إذا نقصه وعابه . وهو هنا بمعنى المبخوس .و ( دراهم ) جمع درهم ، وهى بدل من ( ثمن ) .و ( معدود ) صفة لدراهم ، وهى كناية عن كونها قليلة ، لأن الشئ القليل يسهل عده ، بخلاف الشئ الكثير ، فإنه فى الغالب يوزن وزنا .والمعنى : أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من عروض تجارتهم ، باعوه فى الأسواق بثمن قليل تافه ، وهو عبارة عن دراهم معدودة ، ذكر بعضهم أنها لا تزيد على عشرين درهما .وقوله : ( وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين ) بيان لعدم حرصهم على بقائه معهم ، إذ أصل الزهد قلة الرغبة فى الشئ ، تقول زهدت فى هذا الشئ ، إذا كنت كارها له غير مقبل عليه .أى : وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين فى بقائه معهم ، الراغبين فى التخلص منه بأقل ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به .قال الآلوسى ما ملخصه : " وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب ، والملتقط للشئ متهاون به لا يبالى أن يبيعه بأى ثمن خوفا من أن يعرض له مستحق ينزعه منه . . "