Tafsir Al Wasit
Waseet
هود
Hud
123 versets
۞وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ
Et il dit: «Montez dedans. Que sa course et son mouillage soient au nom d'Allah. Certes mon Seigneur est Pardonneur et Miséricordieux»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال : ( وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .ومجريها ومرساها ، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما ، وهما مصدران من جرى وأرسى . والباء فى ( بِسْمِ الله ) للملابسة ، والآية الكريمة معطوفة على جملة ، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين .أى : قلنا له ذلك فامتثل أمرنا ، وقال لمن معه من المؤمين : سلموا أمركم لمشيئة الله - تعالى - وقولوا عند ركوب السفينة : باسم الله جريها فى هذا الطوفان العظيم ، وباسم الله إرساءها فى المكن الذى يريد الله - تعالى - إرساءها فيه .قال الشيخ الفاضل ابن عاشور : وعدى فعل ( اركبوا ) بفى ، جريا على الأسلوب الفصيح ، فإنه يقال : ركب الدابة إذا علاها . وأما ركوب الفلك فيعدى بفى ، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، وإنما هو جلوس واستقرار ، فلا يقال : ركب السفينة؛ فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له ، وهى تفرقة حسنة .وجملة ( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر الله - تعالى - :أى : إن ربى لعظيم المغفرة ولعظيم الآية ما ملخصه : يقول الله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه فى السفينة ( اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا . . )وقال - سبحانه - فى موضع آخر : ( فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين . وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين ) ولهذا تستحب التسمية فى ابتداء الأمور : عند الركوب فى السفينة وعلى الدابة .فقد روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمان أمتى من الغرق إذا ركبوا فى السفن أن يقولوا : بسم الله الملك . . بسم الله مجريها ومرساهها ، إن ربى لغفور رحيم " .
وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
Et elle vogua en les emportant au milieu des vagues comme des montagnes. Et Noé appela son fils, qui restait en un lieu écarté (non loin de l'arche): «O mon enfant, monte avec nous et ne reste pas avec les mécréants»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - حال السفينة وهى تمخر بهم عباب الله فقال :( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال ) .والموج : ما ارتفع من ماء البحر عند اضطرابه . وأصله من ماج الشئ يموج إذا اضطرب ومنه قوله - تعالى - ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت . بم اتصل قوله - تعالى - ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ ) ؟قلت : اتصل بمحذوف دل عليه اركبوا فيها باسم الله ، كأنه قيل : فركبوا فيها وهم يقولون : باسم الله ، وهى تجرى بهم .أى تجرى بهم وهم فيها فى موج كالجبال ، يريد موج الطوفان ، شبه كل موجه بالجل فى تراكمها واراتفاعها . .وقوله - سبحانه - ( ونادى نُوحٌ ابنه وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يابني اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين ) تصوير لتلك اللحظة الرهيبة الحاسمة التى أبصر فيها نوح - عليه السلام - ابنه الكافر وهو منعزل عنه وعن جماعة المؤمنين .والمعزل : مكان العزلة ، أى : الانفراد .أى : وقبل أن يشتد الطوفان وترتفع أمواجه ، رأى نوح ابنه كنعان ، وكان هذا الابن فى مكان منعزل ، فقال له نوح بعاطفة الأبوة الناصحة الملهوفة يا بنى راكب معنا فى السفينة ، ولا تكن مع القوم الكافرين الذين سيلفهم الطوفان بين أمواجه عما قريب . ولكن هذه النصيحة الغالية من الأب الحزين على مصير ابنه . لم تجد أذنا واعية من هذا الابن العاق المغرور ، بل رد على أبيه : ( قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي . . . ) .
قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ
Il répondit: «Je vais me réfugier vers un mont qui me protègera de l'eau». Et Noé lui dit: «Il n'y a aujourd'hui aucun protecteur contre l'ordre d'Allah. (Tous périront) sauf celui à qui Il fait miséricorde». Et les vagues s'interposèrent entre les deux, et le fils fut alors du nombre des noyés
Tafsir Al Wasit — Waseet
( قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي . . . )أى : قال : سألتجئ إلى جبل من الجبال الشاهقة ، لكى أتحصن به من وصول الماء إلى .وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول - كما حكى القرآن عنه - : ( قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ . . )أى : قال نوح لابنه : لا معصوم اليوم من عذاب الله إلا من رحمه - سبحانه - بلطفه وإحسانه ، وأما الجبال وأما الحصون . . وأما غيرهما من وسائل النجاة ، فسيعلوها الطوفان ، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا .وعبر عن العذاب بأمر الله ، تهويلا لشأنه .وقوله : ( وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين ) بيان للعاقبة السيئة التى آل إليها أمر الابن الكافر .أى : وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن وأبيه .فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين .والتعبير بقوله : ( وَحَالَ . . . ) يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده ، حتى لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما .والتعبير بقوله : ( فَكَانَ مِنَ المغرقين ) يشير إلى أنه لم يغرق وحده ، وإنما غرقهو وغرق معه كل من كان على شاكلته فى الكفر .وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار بين نوح وابنه من محاورات فى تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة ، التى يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم .
وَقِيلَ يَـٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ
Et il fut dit: «O terre, absorbe ton eau! Et toi, ciel, cesse [de pleuvoir]!» L'eau baissa, l'ordre fut exécuté et l'arche s'installa sur le Jûdi, et il fut dit: «Que disparaissent les gens pervers»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن غرق الكافرون ، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين ، وجه الله - تعالى - أمره إلى الأرض وإلى السماء . . فقال : ( وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين ) .أى : وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله - تعالى - الكافرين ، قال الله - تعالى - للأرض : ( ياأرض ابلعي مَآءَكِ ) .أى : اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء ، وابتعليه بسرعة فى باطنك كما يبتلع الإِنسان طعامه فى بطنه بدون استقرار فى الفم .وقال - سبحانه - للسماء ( وياسمآء أَقْلِعِي ) أى : أمسكى عن إرسال المطر يقال : أقلع فلان عن فعله إقلاعا ، إذا كف عنه وترك فعله . ويقال : أقلعت الحمى عن فلان ، إذا تركته .فامتثلتا - أى الأرض والسماء - لأمر الله - فى الحال ، فهو القائل وقوله الحق : ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) وقوله ( وَغِيضَ المآء ) أى : نقص ونضب . يقال : غاض الماء يغيض ، إذا قل ونقص .والمراد به هنا : الملاء الذى نشأ عن الطوفان .وقوله : ( وَقُضِيَ الأمر ) أى : تم ونفذ ما وعد الله - تعالى - به نبيه نوحا - عليه السلام - من إهلاكه للقوم الظالمين .والضمير فى قوله : ( واستوت عَلَى الجودي ) للسفينة ، والجودى ، جيل بشمال العراق بالقرب من مدينة الموصل . وقيل هو جبل بالشام .أى : واستقرت السفينة التى تحمل نوحا والمؤمنين بدعوته ، على الجبل المعروف بهذا الاسم ، بعد أن أهلك الله أعداءهم .قال ابن كثير ما ملخصه : وكان خروجهم من السفينة فى يوم عاشوراء من المحرم ، فقد روى الإِمام أحمد عن أبى هريرة قال : " مر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأناس من اليهود ، وقد صاموا يوم عاشوراء ، فقال لهم : ما هذا الصوم؟ قالوا ، هذا اليوم الذى نجى الله موسى وبنى إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون . وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودى . فصامه نوح وموسى - عليه السلام - شكرا لله .فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - " أنا أحق بموسى ، وأحق بصوم هذا اليوم " فصامه ، وقال لأصحابه : من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه ، ومن كان قد أصاب من غذاء أهله ، فليتم بقية يومه " " .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : وقيل بعدا القوم الظالمين .أى : هلاكا وسحقا وطردا من رحمة الله - تعالى - للقوم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإِيمان ، والضلالة على الهداية .قال الجمل : ( وبعدا ) مصدر بعد - بكسر العين - يقال بعد بعدا - بضم فسكون - وبعداً - بفتحتين - إذا بعد بعد بعيدا بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك ، وخص بدعاء السوء ، وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر . أى : وقيل بعداً بعدا . . .هذا وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة فى هذه الآية كلاما طويلا ، نكتفى بذكر جانب مما قاله فى ذلك الشيخ القاسمى فى تفسيره .قال - رحمه الله - ما ملخصه : " هذه الآية بلغت من أسرار الإِعجاز غايتها ، وحوت من بدائع الفوائد نهايتها . وقد اهتم علماء البيان بإبراز ذلك ، ومن أوسعهم مجالا فى مضمار معارفها الإِمام " السكاكى " فقد أطال وأطنب فى كتابه " المفتاح " فى الحديث عنها .فقد قال - عليه الرحمة - فى بحث البلاغة والفصاحة :وإذ قد وفقت على البلاغة ، وعثرت على الفصاحة ، فأذكر لك على سبيل الأنموذج ، آية أكشف لك فيها من وجوههما ما عسى ن يكون مستورا عنك ، وهذه الآية هى قوله - تعالى - ( وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر . . ) .والنظر فى هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعانى ، ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة الفصاحة اللفظية .أما النظر فيها من جهة علم البيان . . فتقول : إنه - عز سلطانه - لما أراد أن يبين معنى هو : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض لما أراد ذلك : بنى الكلام على التشبيه ، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذى لا يتأتى منه أن يعصى أمره . . وكأنهما عقلاء مميزون فقال : ( ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي . . . ) .ثم قال : ( ماءك ) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، تشبيها لاتصال الماء بالأرض ، باتصال الملك بالمالك .ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإِقلاع الذى هو ترك الفاعل للفعل .وأما المنظر فيها من حيث علم المعانى . . فذلك أنه اختير ( يا ) دون سائر أخواتها ، لكونها أكثر فى الاستعمال . . واختير لفظ " ابلعى " على " ابتلعى " لكونه أخصر . ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه ، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم .وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى . نظم للمعانى لطيف ، وتأدية لها ملخصة مبينة ، لا تعقيد الفكر فى طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها ، وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها ، فما من لفظة فى تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك ، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك .وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية : فألفاظها على ما ترى عربية ، مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة من التنافر ، بعدية عن البشاعة .ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت ، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت .
وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ
Et Noé invoqua son Seigneur et dit: «O mon Seigneur, certes mon fils est de ma famille et Ta promesse est vérité. Tu es le plus juste des juges»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ختم - سبحانه - قصة نوح مع قومه فى هذه السورة ، بتلك الضراعة التى تضرع بها نوح - عليه السلام - بشأن ولده ، وبذلك الرد الحكيم الذى رد به الخالق - عز وجل - على نوح - عليه السلام ، وبتعقيب على القصة يدل على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه قال - تعالى - :( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي . . . )المراد بالنداء فى قوله - سبحانه - : ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ . . . ) الدعاء والضراعة إلى الله - تعالى - .والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها .أى : وبعد أن تخلف ابن نوح عليه السلام عن الركوب معه فى السفينة ، وقضى الأمر بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين . . تضرع نوح - عليه السلام - إلى ربه فقال فى استعطاف ورجاء :يا رب! إن ابنى " كنعان " ( مِنْ أَهْلِي ) فهو قطعة منى ، فأسألك أن ترحمه برحمتك ( وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق ) أى : وإن كل وعد تعده لعبادك هو الوعد الحق وأنت - يا ربى - قد وعدتنى بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم ، لكنى فى هذا الموقف العصيب أطمع فى عفوك عن انبى وفى رحمتك له .وقوله : ( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ) أى : وأنت يا إلهى - لا راد لما تحكم به ، ولا معقب لحكمك ، وحكمك هو الحق والعدل ، وهو المنزه عن الخطأ والمحاباة ، لأنه صادر عن كمال العلم والحكمة .واكتفى نوح - عليه السلام - بأن يقول : ( رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ) دون أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدباً مع الله - تعالى - وحياء منه - سبحانه - واعتقاداً منه بأنه - سبحانه - عليم بما يريده وخبر بما يجول فى نفسه .وهذا لو من الأدب السامى ، سلكه الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم لربهم - عز وجل - ومن أولى منهم بذلك؟!!ولعل نوحا - عليه السلام - عندما تضرع إلى ربه - سبحانه - بهذا الدعاء لم يكن يعلم أن طلب الرحمة أو النجاة لابنه الكافر ممنوع ، فكان حاله فى ذلك كحال النبى - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لعمه أبى طالب : " لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك " واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله - تعالى - ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى . . . ) وقال الشيخ القاسمى : وإنما قال نوح ذلك - أى : رب إن أبنى من أهلى . . ألخ - لفهمه - من الأهل ذوى القرابة الصورية ، والرحمة النسبية ، وغفل - لفرط التأسف على ابنه - عن استثنائه - تعالى - بقوله : ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ) ولم يتحقق أن ابنه هو الذى سبق عليه القول ، فاستعطف ربه بالاسترحام ، وعرض بقوله ( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ) إلى أن العالم العادل الحكيم لا يخلف وعده .