Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Hud
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

هود

Hud

123 versets

Versets 4650 sur 123Page 10 / 25
46S11V46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ

Il dit: «O Noé, il n'est pas de ta famille car il a commis un acte infâme. Ne me demande pas ce dont tu n'as aucune connaissance. Je t'exhorte afin que tu ne sois pas du nombre des ignorants»

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - سبحانه - ( قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ . . ) رد من الله - تعالى - على نوح فيما طلبه منه .أى : قال الله - تعالى - مجيبا لنوح - عليه السلام - فيما أسأله إياه : يا نوح إن ابنك هذا ( لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة الدينية ، وقد انقطعت بالكفر فلا علاقة بين مسلم وكافر .أو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم ، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب كفره .فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده ، وليس المراد نفى أن يكون من صلبه ، لأن ظاهر الآية يدل على أنه ابنه من صلبه ، ومن قال بغير ذلك فقوله ساقط ولا يلتفت إليه ، لخلوه عن الدليل .قال ابن كثير : وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب فى تفسير هذا إلا أنه ليس بابنه ، وإنما كان ابن زنية .وقال ابن عباس وغير واحد من السلف : ما زنت امرأة نبى قط ، ثم قال : وقوله ( لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) أى : الذين وعدتك بنجاتهم .وقول ابن عباس فى هذا هو الحق الذى لا محيد عنه؛ فإن الله - تعالى - أغير من أن يمكن امرأة نبى من الفاحشة .وجملة ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) تعليل لنفى الأهلية .وقد قرأ الجمهور ( عمل ) بفتح الميم وتنوين اللام - على أنه مصدر مبالغة فى ذمة حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام إنه ذو عمل غير صالح ، فحذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد لمداومته عليه .وقرأ الكسائي ويعقوب ( عمل ) بوزن فرح بصيغة الفعل الماضى - أى : إنه عمل غير صالح وهو الكفر والعصيان ، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه .قال صاحب الكشاف وقوله : ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) تعليل لانتفاء كونه من أهله وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن نسيبك فى دينك ومعتقدك من الأباعد فى المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيفك وخصيصك ، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك .وقال الفخر الرازى : هذه الآية يدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب ، فإن فى هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ، ولكن لما انتفت قرابة الدين ، لا جرم نفاه الله - تعالى - بأبلغ الألفاظ وهو : قوله : ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) .والفاء فى قوله : ( فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . . ) للتفريع .أى : ما دمت قد وقفت على حقيقة الحال ، فلا تلتمس منى ملتمسا لا تعلم على وجه اليقين ، أصواب هو أم غير صواب ، بل عليك أن تثبت من صحة ما تطلبه ، قبل أن تقدم على طلبه .وجملة ( إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ) تأكيد لما قبلها ، ونهى له عن مثل هذا السؤال فى المستقبل ، بعد أن أعلمه بحقيقة حال ابنه .أى : إن أنهاك يا نوح عن أن تكون من القوم الجاهلين ، الذين يسألون عن أشياء لا يتحققون وجه الصواب فيها .

47S11V47

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ

Alors Noé dit: «Seigneur, je cherche Ta protection contre toute demande de ce dont je n'ai aucune connaissance. Et si Tu ne me pardonnes pas et ne me fais pas miséricorde, je serai au nombre des perdants»

Tafsir Al WasitWaseet

وهنا بين الله - تعالى - أن نوحا - عليه السلام - قد تنبيه إلى ما أرشده إليه ربه ، فبادر بطلب العفو والصفح منه - سبحانه - فقالك ( قَالَ رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ . . . ) .أى : قال نوح - عليه السلام - ملتمسا الصفح من ربه : رب إن أستجير بك ، وأحتمى بجنابك من أن أسألك شيئا بعد الآن ، ليس عندى علم صحيح بأنه جائز ولائق ( وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي ) ما فرط منى من قول ، وما صدر عنى من فعل .( وترحمني ) برحمتك الواسعة التى وسعت كل شئ .( أَكُن مِّنَ الخاسرين ) الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن عملك وحكمتك .

48S11V48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ

Il fut dit: «O Noé, débarque avec Notre sécurité et Nos bénédictions sur toi et sur des communautés [issues] de ceux qui sont avec toi. Et il y (en) aura des communautés auxquelles Nous accorderons une jouissance temporaire; puis un châtiment douloureux venant de Nous les touchera»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بشر - سبحانه - نبيه نوحا - عليه السلام - بقبول توبته فقال : ( قِيلَ يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ . . )والسلام : التحية المقرونة بالأمان والاطمئنان ، وأصله السلامة ، والباء فيه للمصاحبة والبركات . جمع بركة وهى ثبوت الخير ونماؤه وزيادته ، واشتقاقها من البرك ، وهو صدر البعير . يقال : برك البعير إذا ألقى بركه أى صدره على الأرض وثبت . ومنه البركة لثبوت الماء فيها .والأمم : جمع أمة ، وهى الجماعة الكثيرة من الناس ، يجمعها نسب واحد أو لغة واحدة ، أو موطن واحد .أى : قال الله - تعالى - مبشرا نوحا - عليه السلام - بقبول توبته : يا نوح اهبط من السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره ، وبالخيرات والنعم الثابتة عليك ، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم المؤمنة التى ستهبط معك ، بعد أن أنجاكم الله - تعالى - بفضله ورحمته من العذاب ، الذى حل بالكافرين من قومك .وكان مقتضى الظاهر أن يقال : قال يا نوح اهبط بسلام . . ولكن جاء التعبير بقيل ، مسايرة للتعبيرات السابقة فى أجزاء القصة ، مثل قوله - سبحانه - ( وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ . . . ) وقوله : ( وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين ) وقوله : ( اهبط بِسَلاَمٍ . . ) فيه إشارة إلى أنه كان قبل الهبوط فى ضيافة الله ورعايته ، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين ، لما نجت السفينة من ذلك الطوفان العظيم .والتعبير بقوله ( منا ) لزيادة التكريم ، وتأكيد السلام . أى : انزل بسلام ناشئ من عندنا ، ولس من عند غيرنا؛ لأن كل سلا من غيرنا لا قيمة له بجانب سلامنا .وقوله ( عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ) متعلق بسلام وبركات .وفى هذا الإِشارة إلى أنه - سبحانه - سيجعل من ذرية نوح ومن ذرية من معه من المؤمنين ، أمما كثيرة ستكون محل كرامة الله وأمانة وبركاته .وقوله - سبحانه - ( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) كلام مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمر الله .أى : أن الأمم التى ستكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين : قسم منه له منا السلام ، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح .وقسم آخر سمنتعه فى الدنيا وبالكثير من زينتها وخيراتها ، ثم يصيبه يوم القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا ، وعصيانه لرسلنا .فعلى كل عاقل أن يجتهد فى أن يكون من القسم الأول ، وأن يتجنب القسم الثانى .

49S11V49

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ

Voilà quelques nouvelles de l'Inconnaissable que Nous te révélons. Tu ne les savais pas, ni toi ni ton peuple, avant cela. Sois patient. La fin heureuse sera aux pieux

Tafsir Al WasitWaseet

ثم اختتم الله - تعالى - قصة نوح - عليه السلام - مع قومه فى هذه السورة ، بقوله : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ )واسم الإِشارة ( تلك ) يعود إلى ما قصه الله - تعالى - من قصة نوح مع قومه فى هذه السورة .والأنباء : جمع نبأ وهو الخبر الهام . والغيب : مصدر غاب ، وهو مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل .أى : تلك القصة التى قصصناها عليك يا محمد بهذا الأسلوب الحكيم ، من أخبار الغيب الماضية ، التى لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا .ونحن ( نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ) ونعرفك بها عن طريق وحبنا الصادق الأمين .وهذه القصة وأمثالها ( مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ ) أنت يا محمد ، وما كان يعلمها ( قومك ) أيضا ، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة ، الخالية من الأساطير والأكاذيب .( مِن قَبْلِ ) هذا الوقت الذى أوحيناها إليك فيه .وما دام الأمر كذلك ( فاصبر ) صبرا جميلا على تبليغ رسالتك ، وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوع من قبل .وجملة ( إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ ) تعليل للأمر بالصبر .والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة قبلها ، وقد شاعت عند الإِطلاق فى حالة الخير كما فى قوله - تعالى - ( والعاقبة للتقوى ) وأل فيها للجنس ، واللام فى قوله ( لِلْمُتَّقِينَ ) للاختصاص .أى : أن العاقبة الحسنة الطيبة فى الدنيا والآخرة ، للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى الله - تعالى - وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى .والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح - عليه السلام - قصد به الامتنان على النبى - صلى الله عليه وسلم - والموعظة ، والتسلية .فالامتنان نراه فى قوله - تعالى - ( مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا ) .والموعظة نراها فى قوله - سبحانه - ( فاصبر ) .والتسلية نراها فى قوله - عز وجل - ( إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ ) .وبعد ، فهذه قصة نوح - عليه السلام - كما وردت فى هذه السورة الكريمة ، ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التى نأخذها منها ما يأتى :1 - الدلالة على صدق النبى - عليه السلام - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، فقد أخبرنا عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وعن غيرها من القصص ، التى هى من أنباء الغيب ، والتى لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى الله - عز وجل - .2 - أن نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله - تعالى - أحسن الأساليب وأحكمها ، فقد دعا قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده فى الليل وفى النهار ، وفى السر وفى العلانية ، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه ، ورغبهم فى الإِيمان بشتى ألوان الترغيب ، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذي ، وصبر على آذاهم صبرا جميلا ، ورد على سفاهاتهم وأقوالهم بمنطق سليم ، أبطل بن حججهم . . مما جعلهم يكفون عن مناقشته ، ويلجأون إلى التحدى والتعنت .وما أحود الدعاة إلى الله - عز وجل - إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه .3 - أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند الله ، إلا إذا كان معه الإِيمان والعمل الصالح ، وأن الإِيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه فى السفينة . كلها من المؤمنين الصالحين ، مع أن المشاهد غير ذلك .ورحم الله الإِمام القرطبى فقد قال - ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى - ( قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ . . ) " وفى هذه الآية تسلية للآباء فى فساد أبنائهم وإن كان الآباء الصالحين " فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم ، فعلم بذلك مالك فقال : " الأدب أدب الله ، لا أدب الأباء والأمهات ، والخير خير الله ، لا خير الآباء والأمهات . . "4 - أن سؤال نوح - عليه السلام - ما سأله لابنه لم يكن - كما قال صاحب المنار معصية لله - تعالى - خالف فيها أمره أو نهيه ، وإنما كان خطأ فى اجتهاده رأى بنية صالحة .وإنما عدها الله - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه ، هبطت بضعفه البشرى ، وما غرس فى الفطرة من الرحمة والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن ، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء ، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن ، بما يصعدون به فى معارج العرفان .5 - إن القرآن فى إيراده للقصص والأخبار ، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها ، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره ، فيهمل القرآن الحديث عنه .فمثلا فى قصة نوح - عليه السلام - هنا ، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التى قضاها نوح فى صنع السفينة ، ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها ، ولا لتفاصيل الأنواع التى حملها معه فى السفينة ، ولا لبيان الفترة التى عاشها نوح ومن معه فيها .ولا لبيان المكان الذى هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودى .. ولا لبيان الزمان الذى استغرقه الطوفان فوق الأرض .وما ورد فى ذلك من أقوال وأخبار ، أكثرها من الإِسرائيليات التى لا يؤيدها دليل من الشرع أو العقل .ومن المسائل التى تكلم عنها كثير من العلماء ، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان .وقد أصدر الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فتوى فى هذا الشأن ، ملخصها كما يقول صاحب المنار : أن ظواهر القرآن الكريم والأحاديث أن الطوفان كن عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن فى الأرض غيرهم فيجب اعتقاده ، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض ، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملأون الأرض .وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن ، ولذلك لم يبينها بنص قطعى ، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهرا النصوص ، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية ، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا ، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا .6 - أن سنة الله - تعالى - فى خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهى أن العاقبة للمتقين ، مهما طال الصراع بين الحق والباطل ، وبين الأخيار والأشرار .فلقد لبث نوح - عليه السلام - فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ما لقى من الأذى . . . ولكن كانت النتيجة فى النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين ، وإغراق أعدائه بالطوفان العظيم .ولقد أفاض صاحب الظلال - رحمه الله - وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه : " ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح ، لنرى قيمة الحفنة المسلمة فى ميزان الله - سبحانه - .إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح - عليه السلام - تذكر بعض الروايات ، أنهم اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح فى ألف سنة إلا خمسين عاما .إن هذه الحفنة - وهى ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - ، قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذى يغمر كل شئ . . . وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هى وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها .وهذه هى عبرة الحادث الكونى العظيم .إنه لا ينبغى لأحد يواجه الجاهلية بالإِسلام ، أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله - سبحانه - بالربوبية . كما أنه لا ينبغى له أن يقبس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى ، وهو عبده الذى يستنصر به حين يغلب فيدعوه : ( أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر ) إن القوى فى حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة . . إن الجاهلية تملك قواها . . ولكن الداعى إلى اله يستند إلى قوة الله . والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب!! .والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم أن يؤدوا واجبهم كاملا ، ثم يتركوا الأمور لله فى طمأنينة وثقة . وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين ، وأن يجأروا إليه وحده كما جأر عبده الصالح نوح : ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر ) ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب ، وانتظار الفرج من الله عبادة ، فهم على هذا الانتظار مأجورون . . والعاقبة للمتقين .

50S11V50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ

Et (Nous avons envoyé) aux 'Aad, leur frère Hûd, qui leur dit: «O mon peuple, adorez Allah. Vous n'avez point de divinité à part Lui. Vous n'êtes que des forgeurs (de mensonges)

Tafsir Al WasitWaseet

ثم تابعت السورة الكريمة حديثها عن قصة هود - عليه السلام - مع قومه ، بعد حديثها عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - :( وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً . . . ) .تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها هذه السورة ، وقد وردت قصته معهم فى سور أخرى منها : سورة الأعراف ، والشعراء ، والأحقاف .وينتهى نسب هود إلى نوح - عليهما السلام - فهو - كما قال بعض المؤرخين - : هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح " .وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - ، وكانت مساكنهم بالأحقاف - جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل - ، وهذا المكان يسمى الآن بالربع الخالى جنوب الجزيرة العربية .وكان قوم هود - عليه السلام - يعبدون الأصنام ، فأرسله الله إليهم لهدايتهم .ويقال إن هودا - عليه السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى ، أما عاد الثانية فهم قوم صالح ، وبينهما زهاء مائة سنة .وقوله - سبحانه - : ( وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ . . ) معطوف على قصة نوح التى سبق الحديث عنها .أى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده ، أرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هوداً ، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه : ( ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ . . ) معطوف على قصة نوح التى سبق الحديث عنها .أى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده ، أرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هوداً ، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه : ( ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ ) ووصفه - سبحانه - بأنه ( أخاهم ) لأنه من قبيلتهم فى النسب ، أو لأنه أخوهم فى الإِنسانية وناداهم بقوله : ( ياقوم ) زيادة في التلطف معهم ، استجلابا لقلوبهم ، وترضية لنفوسهم ، وجملة ( مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ ) فى معنى العلة لما قبله .أى : أنا آمركم بعبادة الله وحده ، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة سواء ، فهو الذى خلقكم ورزقكم ، وهو الذى يحييكم ويميتكم .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ) .والافتراء : الكذب المتعمد الذى لا شبهة لصاحبه فى النطق به .أى : ما أنتم إلا معتمدون للكذب فى جعلكم الألوهية لغير الله - تعالى - .