Tafsir Al Wasit
Waseet
التوبة
At-Tawbah
129 versets
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ
Ils vous font des serments pour se faire agréer de vous, même si vous les agréez, Allah n'agrée pas les gens pervers
Tafsir Al Wasit — Waseet
ولم يذكر - سبحانه - المحلوف به لظهوره أى : يحلفون بالله لترضوا عنهم ، ولتصفحوا عن سيئاتهم . .وقوله : ( فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين ) بيان لحكم الله - تعالى - فيهم ، حتى يكون المؤمنون على حذر منهم .أى : إن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد يحلفون بالله لكم بأنهم ما تخلفوا إلا لعذر ، لكى تصفحوا عنهم ، أيها المؤمنون ، فإن صفحتم عنهم على سبيل الفرض فإن الله - تعالى - لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين فسقوا عن أمره ، وخرجوا عن طاعته .وقال الآلوسى ، " والمراد من الآية الكريمة ، نهى المخاطبين عن الرضا عنهم ، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وأكده ، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله - تعالى - مما لا يكاد يصدر عن المؤمنين ، والآية نزلت على ما روى عن ابن عباس فى جد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، وأصحابها من المنافقين ، وكانا ثمانين رجلا ، أمر النبى صلى الله عليه وسلم - المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة؛ ألا يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا .وقال - سبحانه - ( فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين ) ولم يقل فإن الله لا يرضى عنهم ، لتسجيل الفسق عليهم ، وللإِيذان بشمول هذا الحكم لكل من كان مثلهم فى الفسوق وفى الخروج عن طاعة الله ، تعالى .وجواب الشرط فى قوله : ( فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ ) محذوف ، والتقدير : فإن ترضوا عنهم على سبيل الفرض ، فإن رضاكم عنهم لن ينفعهم ، لأن الله تعالى . لا يرضى عن القوم الذين خرجوا عن طاعته .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد جانباً آخر من الأحوال القبيحة للمنافقين ، وردت على معاذيرهم الكاذبة ، وأيمانهم الفاجرة بما يفضحهم ويخزيهم ، وتوعدتهم بسوء العاقبة فى الدنيا والآخرة .
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
Les Bédouins sont plus endurcis dans leur impiété et dans leur hypocrisie, et les plus enclins à méconnaître les préceptes qu'Allah a révélés à Son messager. Et Allah est Omniscient et Sage
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بعد الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين ، أخذت السورة الكريمة ، فى الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح ، ومنها غير الصالح ، وقد بدأت بالحديث عن الأعراب سكان البادية ، فقال - تعالى - : ( الأعراب أَشَدُّ . . . . غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .قال صاحب المنار : قوله ، سبحانه : ( الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ) . بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين ، لأنه مما يسأل عنه بعد ما تقدم فى منافقى الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى .والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده : أعرابى ، والأنثى أعرابية ، والجمع أعاريب ، والعرب : اسم جنس لهذا الجيل الذى ينطق بهذه اللغة ، بدوه وحضره ، واحده : عربى .والمراد بالأعراب هنا : جنسهم لا كل واحد منهم ، بدليل أن الله . تعالى . قد ذم من يستحق الذم منهم ، ومدح من يستحق المدح منهم ، فالآية الكريمة من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده .وقد بدأ ، سبحانه ، بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم ، إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم قبل ذلك مباشرة حديثاً مستفيضاً ، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة الكريمة قد واصلت الحديث عن منافقى الحضر والبدو .والمعنى : " الأعراب " سكان البادية ( أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ) من الكفار والمنافقين الذين يسكنون الحضر والقرى .وذلك ، لأن ظروف حياتهم البدوية ، وما يصاحبها من عزلة وكفر فى الصحراء ، وخشونة فى الحياة . . . كل ذلك جعلهم أقسى قلوباً ، وأجفى قولا ، وأغلظ طبعا ، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من غيرهم سكان المدن .وقوله : ( وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ) معطوف على ما قبله لتعديد صفاتهم الذميمة .قال القرطبى : قوله : " وأجدر " عطف على " أشد " ومعناه : أخلق ، وأحق ، يقال : فلان جدير بكذا ، أى : خليق به . وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون ، وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله : هو أجدر بكذا ، أى : أقرب إليه وأحق به .والمعنى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفار والمنافقين ، وهم كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول الله . صلى الله عليه وسلم . وعدم مشاهدتهم لما ينزل عليه . صلى الله عليه وسلم . من شرائع وأداب وأحكام .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أى : " عليم " بأحوال عباده الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شئ من صفاتهم وطباعهم " وحكيم " فى صنعه بهم ، وفى حكمه عليهم ، وفيما يشرعه لهم من أحكام ، وفيما يجازيهم به من ثواب أو عقاب .هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعدد لجفاء الأعراب وجهلهم ، ومن ذلك قول الإِمام ابن كثير :قال الأعمش عن ابراهيم قال : جلس أعرابى إلى زيد بن صومان ، وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم " نهاوند " فقال الأعرابى : والله إن حديثك ليعجبنى وإن يدك لتريبنى!! فقال زيد : وما يريبك من يدى؟ إنها الشمال!! فقال الأعرابى : والله ما أدرى اليمين يقطعون أو الشماء!! فقال زيد : صدق الله إذ يقول : ( الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ ) .وورى الأَمام عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن " .وورى الإِمام مسلم " عن عائشة قال : قدم ناس من الاعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أتقبلون صبيانكم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - نعم . فقالوا : لكنا والله ما نقبل!! فقال - صلى الله عليه وسلم - " وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة " " .
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ
Parmi les Bédouins, certains prennent leur dépense (en aumône ou à la guerre) comme une charge onéreuse, et attendent pour vous un revers de fortune. Que le malheur retombe sur eux! Allah est Audient et Omniscient
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - حال فريق آخر من منافقى الاعراب فقال : ( وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ) .أى : ومن الاعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه فى سبيل الله غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا فى ثواب ، أو خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ورياء ومداراة للمسلمين ، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين ولا حبا فى انتصار المؤمنين .قال الجمل : وقوله : ( وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً ) " من " مبتدأ وهى موصولة أو موصوفة ، و " مغرما " . مفعول ثان ، لأن " اتخذ " هنا بمعنى صير ، والمفعول الأول قوله : " ما ينفق " .والمغرم : الخسران ، مشتق من الغربم وهو الهلاك لأنه سببه ، وقيل أصله الملازمة ، ومنه الغريم للزومه من يطالبه .وقوله : ( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر ) معطوف على ما قبله ، والتربص : الانتظار والترقب والدوائر : جمع دائرة . وهو ما يحيط بالإِنسان من مصائب ونكبات ، كما تحيط الدائرة بالشئ الذى بداخلها .أى : أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة ، ينتظرون بكم - أيها المؤمنون - صروف الدهر ونوائبه التى تبدل حالكم من الخير إلى الشر ومن النصر إلى الهزيمة ، ومن الصحة إلى المرض والأسقام ، ومن الأمان والاطمئنان إلى القلب والاضطراب . .وقوله : ( عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ) جملة معترضة ، جئ بها للدعاء عليهم .أى : عليهم لا عليكم - أيها المؤمنون - تدور دائرة السوء ، التى يتبدل بها حالهم إلى الهلاك والفساد .والسوء - بفتح السين - مصدر ساءه يسوءه سوءا ، إذا فعل به ما يكره ، والسوء - بالضم - اسم منه . وقيل المفتوح بمعنى الذم ، والمضموم بمعنى العذاب والضرر .وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة ، كما فى قولهم : رجل صدق .وفى هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين ، لأنه - سبحانه - جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم ، وتدور بهم فلا تدع لهم مهربا أو منجاة من عذابها وضررها .وقوله : ( والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم بما ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق .والله تعالى - " سميع " لكل ما يتفوهون به أقوال ، " عليم " بكل ما يظهرونه وما يبطنونه من أحوال ، وسيحاسبهم على ما صدر منهم حسابا عسيرا يوم القيامة : وينزل بهم العقاب الذى يناسب جرائمهم . .
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
(Tel autre,) parmi les Bédouins, croit en Allah et au Jour dernier et prend ce qu'il dépense comme moyen de se rapprocher d'Allah et afin de bénéficier des invocations du Messager. C'est vraiment pour eux (un moyen) de se rapprocher (d'Allah) et Allah les admettra en Sa miséricorde. Car Allah est Pardonneur et Miséricordieux
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن ذكر - سبحانه - حال هؤلاء الأعراب المنافقين ، أتبعه ببيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : ( وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر ) .أى : ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا ، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب .وقوله : ( وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول ) مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم . .والقربات : جمع قبة وهى ما يتقرب به الإِنسان إلى خالقه من أعمال الخير ، والمراد بصلوات الرسول : دعواته للمتقربين إلى الله بالطاعة .أى : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، ويعتبر كل ما ينفقه فى سبيل الله وسيلة للتقرب إليه - سبحانه - وتعالى بالطاعة ، ووسيلة للحصلو على دعوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالرحمة والمغفرة ، وبحسنات الدنيا والآخرة .ولقد كان من عادة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، فقد ورد فى الحديث الشريف " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لآل أبى أوفى عندما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال : " اللهم صلى على آل أبى أوفى " أى : ارحمهم وبارك لهم فى أموالهم . .وقوله : ( ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ) شهادة لهم منه سبحانه - بصدق إيمانهم ، وخلوص نياتتهم ، وقبول صدقاتهم .والضمير فى قوله ( إِنَّهَا ) يعود على النفقة التى أنفقوها فى سبيل الله ( ألا ) أداة استفتاح جئ بها لتأكيد الخبر والاهتمام به . أى : ألا إن هذا النفقات التى تقربوا بها إلى الله ، مقبولة عنده - سبحانه - قبولا مؤكدا ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل . . .وقوله ( سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ ) وَعْدٌ لهم بإحاطة رحمته بهم . والسين للتحقيق والتأكيد .أى : أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر ، والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات ، سيغمرهم الله تعالى برحمته التى لا شقاء معها .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ ) شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه ، وكذلك قوله : ( سَيُدْخِلُهُمُ ) وما فى السين من تحقيق الوعد . وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين ، وأن الصدقة منه مكان ، إذا خلصت النية من صاحبها .وقوله : ( إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل .أى : إن الله تعالى - واسع المغفرة ، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا للمم .
وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ
Les tout premiers [croyants] parmi les Emigrés et les Auxiliaires et ceux qui les ont suivis dans un beau comportement, Allah les agrée, et ils L'agréent. Il a préparé pour eux des Jardins sous lesquels coulent les ruisseaux, et ils y demeureront éternellement. Voilà l'énorme succès
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم ، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين وبعد هذا التقسيم للأعراب ، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأطاعوه فى السر والعلن ، فقال تعالى : ( والسابقون الأولون . . . ) .فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد النبوى .الطائفة الأولى ( والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين ) وهم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة ، وهاجروا إلى الحبشة ، ثم الى المدينة من أجل إعلاء كلمة الله واستمروا فى المدينة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تم الفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجا .وقيل المراد بهم : الذين صلوا إلى القبلتين ، وقيل : الذين شهدوا غزوة بدر .والطائفة الثانية : السابقون الأولون من الأنصار ، وهم الذين بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يهاجر اليهم إلى المدينة بيعة العقبة الأولى والثانية .وكانت بيعة العقبة الأولى فى السنة الحادية عشرة من البعثة ، وكان عدد المشتركين فيها سبعة أفراد .أما بيعة العقبة الثانية فكانت فى السنة الثانية عشرة من البعثة ، وكان عدد المشتركين فيها سبعين رجلا وامرأتين .ثم يلى هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوا فى الإِسلام على يد مصعب بن عمير ، قبل وصول الرسول - صلى الله عليه وسلم - اليها .ثم يلى هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - بعد مقدمه إلى المدينة .والطائفة الثالثة : ( والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ ) أى : الذين اتبعوا السابقين فى الإسلام من المهاجرين والأنصار ، اتباعا حسنا فى أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ونصرتهم لدعوة الحق .قال الآلوسى ما ملخصه : وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين الأولين : جميع المهاجرين والأنصار . ومعنى كونهم سابقين : أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين .روى عن حميد بن زياد قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظى ، ألا تخبرنى عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لى : إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة فى كتابه ، محسنهم ومسيئهم ، فقلت له : وفى أى موضع أوجب لهم الجنة ، فقال : سبحانه!! ألم تقرأ قوله . تعالى - : ( والسابقون الأولون . . . ) الآية فقد أوجب . سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على تبايعهم أن يقتدروا بهم فى أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءاً .وقوله : ( رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) بيان لسمو منزلتهم ، وارتفاع مكانتهم .أى : رضى الله عنهم فى إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم ، ورفع درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم ، ورضوا عنه ، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة ، وبما ناله منه . سبحانه . من هداية وثواب .ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم فى الآخرة من إكرام فقال : ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم ) .أى : أنه - سبحانه - بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه فى الدنيا ، قد أعد لهم - سبحانه - فى الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود فى الجنات من الفوز العظيم الذى لا يقاربه فوز ، ولا تدانيه سعادة .قال الإِمام ابن كثير : أخبر الله - تعالى - فى هذه الآية " أنه قد رضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان . فياويل من أبغضهم ، أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبى قحافة ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ، ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك ، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الايمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله عنهم؟وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه ، ويسبون من سبه الله ورسوله ، ويوالون من يوالى الله ، ويعادون من يعادى الله ، وهم متبعون لا مبتدعون ، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون ، وعباده المؤمنون .وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان ، وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها . .ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس ، منهم قوم . أجادوا النفاق ، ومرنوا عليه ، ولجوا فيه . ومنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمه فيهم فقال تعالى : ( وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ . . . عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .قال القرطبى : ومعنى ( مَرَدُواْ عَلَى النفاق ) أقاموا عليه ولم يتوبوا منه ، أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد ، فكأنهم تجردوا للنفاق ، ومنه رملة مرداء أى لانبت فيها ، وغصن أمرد . أى : لا ورق له . . ويقال : مرد يمرد مروداً ومرادة .والمعنى : اذكروا أيها المؤمنون أن يسكن من حلو مدينتكم قوم من الأعراب منافقون ، فاحترسوا منهم ، واحترسوا - أيضا - من قوم آخرين يسكنون معكم داخل المدينة ، مردوا على النفاق ، أى : مرنوا عليه ، وأجادوا فنونه ، حتى بلغوا فيه الغاية .