Tafsir Al Wasit
Waseet
التوبة
At-Tawbah
129 versets
لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ
Ne vous excusez pas: vous avez bel et bien rejeté la foi après avoir cru. Si Nous pardonnons à une partie des vôtres, Nous en châtierons une autre pour avoir été des criminels
Tafsir Al Wasit — Waseet
قوله - سبحانه - : ( لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) تأكيد لإِبطال ما أظهروه من معاذير .والاعتذار معناه محاولة محو أثر الذئب ، مأخوذ من قولهم : اعتذرت المنازل إذا اندثرت وزالت ، لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله واحترامه وتوقيره : قبل له على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضاً - لا تشتغلوا بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة ، لأنكم بهذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ( قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) أى : قد ظهر كفركم وثبت ، بعد إظهاركم الإِيمان على سبيل المخادعة ، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياتة ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن الاستهزاء بالدين . كما يقول الإِمام الرازى . يعد من باب الكفر ، إذا أنه يدل على الاستخفاف ، والأساس الأول فى الإِيمان تعظيم الله - تعالى - بأقصى الإِمكان ، والجمع بينهما محال .وقوله - تعالى - : ( إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) بيان لمظهر من مظاهر عدله - سبحانه - ورحمته .أى : ( إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ) - أيها المنافقون - بسبب توبتهم وإقلاعهم عن النفاق ، ( نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ) أخرى منكم بسبب إصرارهم على النفاق واستمرارهم فى طريق الفسوق والعصيان .هذا ، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها :ما جاء عن زيد بن أسلم : " أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك فى غزوة تبوك : ما رأى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً ، وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء!! فقال له عوف : كذبت ، ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب عوف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبره ، فوجد القرآن قد سبقه .قال زيد : قال عبد الله بن عمر : فنظرت إليه - أى إلى المنافق - متعلقاً بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ، فيقول له الرسول - صلى الله عليه وسلم - " أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " " .وعن قتادة قال : " بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير فى غزوته إلى تبوك ، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا : يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها!! هيهات هيهات .فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال نبى الله - صلى الله عليه وسلم - " أحسبوا على الركب " فأتاهم فقال لهم . قلتم كذا ، قلتم كذا . فقالوا : " يا نبى الله إنما كنا نخوض ونلعب " فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون .وقال ابن اسحاق : " كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت . . ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له " مخشى بن حمير " يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك - فقال بعضهم - أتحسبون جلاد بنى الأصفر - أيى الروم - كقتال العرب بعضهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين فى الحبال ، إرجافا وترهيباً للمؤمنين .فقال مخضى بن حمير : والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة ، وأننا ننجو أن ينزل فينا قرآن لماقتلكم هذه .وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى - لعمار بن ياسر - أدرك القوم فإنهم قد احترقوا ، فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم كذا وكذا . فانطلق إليهم عمار؛ فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه .فقال وديعة بن ثابت ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على راحلته - يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب .فقال مخشى بن حمير : يا رسول الله - قعد بى اسمى واسم أبى ، فكان الذى عفى عنه فى هذه الاية مخشى بن حمير ، فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل شهيداً ، لا يعلم مكانه . فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر " .هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات ، وهى توضح ما كان عليه المنافقون من كذب فى المقال ، وجبن عن مواجهة الحقائق .
ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ
Les hypocrites, hommes et femmes, appartiennent les uns aux autres. Ils commandent le blâmable, interdisent le convenable, et replient leurs mains (d'avarice). Ils ont oublié Allah et Il les a alors oubliés. En vérité, les hypocrites sont les pervers
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم مضت السورة الكريمة بعذ ذلك فى تقرير حقيقة المنافقين ، وفى بيان جانب من صفاتهم ، والمصير السئ الذى ينتظرهم فقال - تعالى - : ( المنافقون والمنافقات . . . عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .قال الإِمام الرازى : اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم فى تلك الأعمال المنكرة ، والأفعال الخبيثة فقال : ( المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ) أى : فى صفة النفاق ، وذلك كما يقول إنسان لآخر : أنت منى وأنا منك . أى : أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة . .وقوله : ( يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ) تفصيل لجانب من راذائلهم ، ومن مسالكهم الخبيثة .أى : يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع ، وستتقبحه العقول ، وينهونه عن كل أمر دعت إليه الأديان ، وأحبته القلوب السليمة .وقوله : ( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) كناية عن بخلهم وشحهم ، لأن الإِنسان السخى يبسط يده بالعطاء ، بخلاف الممسك القتور فإنه يقبض يده عن ذلك .أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المال فى وجوهه المشروعة .وقوله : ( نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ ) كناية عن رسوخهم فى الكفر ، وانغماسهم فى كل ما يبعدهم عن الله - تعالى - .والمقصود بالنسيان هنا لازمه ، وهو الترك والإِهمال؛ لأن حيقة النسيان ممحالة على الله - تعالى - ، كما أن النسيان الحقيقى لا يذم صاحبه عليه لعدم التكليف به .أى : تركوا طاعة الله وخشيته ومراقبته ، فتركهم - سبحانه - وحرمهم من هدايته ورحمته وفضله .وقوله : ( إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ ) تذييل قصد به المبالغة فى ذمهم .أى : إن المنافقون هم الكاملون فى الخروج عن طاعة الله ، وفى الانسلاخ عن فضائل الإِيمان ، ومكارم الأخلاق .
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ
Aux hypocrites, hommes et femmes, et aux mécréants, Allah a promis le feu de l'Enfer pour qu'ils y demeurent éternellement. C'est suffisant pour eux. Allah les a maudits. Et pour eux, il y aura un châtiment permanent
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - سبحانه - : ( وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ . . . ) بيان لسوء مصيرهم ، بعد بيان جانب من صفاتهم الذميمة .أى : وعد الله - تعالى - المنافقين والمنافقات والكفار المجاهرية بكفرهم ( نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) خلوداً أبدياً .وقوله : ( هِيَ حَسْبُهُمْ ) أى : إن تلك العقوبة الشديدة كافية لإِهانتهم وإذلالهم بسبب فوسقهم عن أمر ربهم .وقوله : ( وَلَعَنَهُمُ الله ) أى : طردهم وأبعدهم من رحمته ولطفه .وقوله : ( وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) أى : ولهم عذاب دائم لا ينقطع؛ فهم فى الدنيا يعشون فى عذاب القلب والحذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم ، وفى الآخرة يذوقون العذاب الذى هو أشد وأبقى ، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان .وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد بينتا جانباً من قبائح المنافقين ، ومن سوء مصيرهم فى عاجلتهم وآجلتهم .
كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ
[Il en fut] de même de ceux qui vous ont précédés: ils étaient plus forts que vous, plus riches et avaient plus d'enfants. Ils jouirent de leur lot [en ce monde] et vous avez joui de votre lot comme ont joui vos prédécesseurs de leur lot. Et vous avez discuté à tort et à travers comme ce qu'ils avaient discuté. Ceux-là verront leurs œuvres anéanties dans ce monde et dans l'autre et ceux-là sont les perdants
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ساقت السورة الكريمة - لهؤلاء المنافقين - نماذج لمن حبطت أعمالهم بسبب غرورهم ، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، فقال - تعالى - : ( كالذين مِن قَبْلِكُمْ . . . . أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .قوله - تعالى - ( كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً . . . ) جاء على أسلوب الالفتات من الغيبة إلى الخطاب لزجر المنافقين ، وتحريك نفوسهم إلا الاعتبار والاتعاظ .والكاف فى قوله : ( كالذين ) للتشبيه ، وهى فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف .والتقدير : أنتم - أيها المنافقون - حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة فى الانحراف عن الحق ، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها ، ولكن هؤلاء الطغاة المهلكين ، يمتازون عنكم بأنهم ( كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ) فى أبدانهم ، وكانوا " أكثر " منكم ( أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ) .وقوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ ) بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم الله - تعالى - والخلاق : مشق من الخلق بمعنى التقدير . وأطلق على الحظ والنصيب لأنه مقدر لصاحبه .أى : كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً ، ولكنهم لم يشكروا الله على إحسانه ، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم ، واستمتعوا بنصيبهم المقدر لهم فى هذه الحياة الدنيا ، استمتاع الجاحدين الفاسقين .والتعبير بالفاء المفيدة للتعقيب فى قوله : ( فاستمتعوا ) ؛ للإِشعار بأن هؤلاء المهلكين بمجرد أن امتلأت أيديهم بالنعم ، قد استعملوها فى غير ما خلقت له ، وسخروها لإِرضاء شهواتهم الخسيسة ، وملذاتهم الدنيئة .وقوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ) ذم للمخاطبين وللذين سبقوهم؛ لانتهاجهم جميعاً طريق الشر والبطر .أى : فأنتم - أيها المنافقون - قد استمعتم بنصيبكم المقدر لكم من ملاذ الدنيا ، وشهواتها الباطلة ، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبكم فى ذلك .وقوله : ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) معطوف على ما قبله .أى : وخضتم - أيها المنافقون - فى حمأة الباطل وفى طريق الغرور والهوى ، كالخوض الذى خاضه السابقون من الأمم المهلكة .قال الآلوسى قوله : " وخضتم " أى : دخلتم فى الباطل ( كالذي خاضوا ) .أى : كالذين فحذفت نونه تخفيفاً ، كما فى قول الشاعر :إن الذى حانت بفلج دماؤهم ... هم القو كل القوم يا أم خالدويجوز أن يكون " الذى " صفة لمفرد اللفظ ، مجموع المعنى ، كالفوج والفريق ، فلوحظ فى الصفة اللفظ . وفى الضمير المعنى ، و هو صفة لمصدر محذوف ، أى : كالخوض الذى خاضوه ، ورجح بعدم التكلف فيه .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فائدة فى قوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ ) وقوله : ( كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ) مغن عنه كما أغنى قوله : ( كالذي خاضوا ) عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا؟قلت : فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائم بشهواتهم الفانية عن النظر فى العاقبة ، وطلب الفلاح فى الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ، ويهجن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبيه بعض الظلمة على سماجة فعله فنقول : أنت مثل فرعون : كان يقتل بغير جرم ، ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل ما فعله .وأما ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) فمعطوف على ما قبله مستند إليه ، مستغن باسناده إليه عن تلك التقدمة .وقوله : ( أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ) بيان لسوء مصيرهم فى الدارين .واسما الإِشارة يودان على المتصفين بتلك الصفات القحبية من السابقين واللاحقين .أى : أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم فى الشهوات الخسيسة ، والخائضون فى الشرور والآثام " حبطت أعمالهم " أى : فسدت وبطلت أعمالهم التى كانوا يرجون منفعتها ( فِي الدنيا والآخرة ) لأن هذه الأعمال لم يكن معها إيمان أو إخلاص ، وإنما كان معها الرياء والنفاق ، والفسوق والعصيان ، والله - تعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم .وقوله : ( وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ) أى : الكاملون فى الخسران ، الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك .
أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ
Est-ce que ne leur est pas parvenue l'histoire de ceux qui les ont précédés: le peuple de Noé, des 'Aad, des Tamûd, d'Abraham, des gens de Madyan, et des Villes renversées? Leurs messagers leur avaient apporté des preuves évidentes. Ce ne fut pas Allah qui leur fit du tort, mais ils se firent du tort à eux-mêmes
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ساق لهم - سبحانه - من أخبار السابقين ما فيه الكفاية للعظة والاعتبار لو كانوا يعقلون ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ) .والاستفهام للتقرير والتحذير . والمراد بنبأ الذين من قبلهم : أخبارهم التى تتنول أقوالهم وأعمالهم ، كما تتناول ما حل لهم من عقوبات ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم .والمعنى : ألم يصل إلى أسماع هؤلاء المنافقين ، خبر أولئك المهلكين من الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم ، ومن هؤلاء الأقوام " قوم نوح " الذين أغرقوا بالطوفان ، وقوم " عاد " الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية ، وقوم " ثمود " الذين أخذتم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين ، " وقوم إبراهيم " الذين سلب الله نعمه عنهم ، وأذل غررو زعيمهم الذى حاج إبراهيم فى ربه ، و " أصحاب مدين " وهم قوم شعيب الذين أخذتهم الصحية ، و " المؤتفكات " وهم أصحاب قرى قوم لوط ، التى جعل الله عاليها سافلها . .والائتفاك : معناه الانقلاب بجعل أعلى الشئ أسفله . يقال أفكه يأفكه إذا قلبه رأساً على عقب .وذكر - سبحانه - هنا هذه الطوائف الست ، لأن آثارهم باقية ، ومواطنهم هى الشام والعراق واليمن ، وهى مواطن قريبة من أرض العرب ، فكانوا يمرون عليها فى أسفارهم ، كما كانوا يعرفون الكثير من أخبارهم .قال - تعالى - : ( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) وقوله : ( أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ) كلام مستأنف لبيان أنبائهم وأخبارهم .أى : أن هؤلاء الأقوام المهلكين السابقين ، قد أتتهم رسلهم بالحجج الواضحات الدالة على وحدانية الله ولعى وجوب إخلاص العباة له . .والفاء فى قوله : ( فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ) للعطف على كلام مقدر يدل عليه المقام .أى : أتتهم رسلهم بالبينات ، فكذبوا هؤلاء الرسل ، فعاقبهم الله - تعالى - على هذا التكذيب . وما كان من سنته - سبحانه - ليظلمهم ، لأنه لا يظلم الناس شيئاً ( ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بسبب كفرهم وجحودهم ، واستحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الغى على الرشد .هذا ، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح ، أن الغرور بالقوة ، والافتتان بالأموال والأولاد ، والانغماس فى الشهوات والملذات الخسيسة . والخوض فى طريق الباطل ، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة . .كل ذلك يؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة ، وإلى التعرض لسخط الله وعقابه .كما نرى منها أن من نسة الله فى خله ، أنه - سبحانه - لا يعاقب إلا بذنب ، ولا يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر ، إلا بعد استمرارهم فى طريق الغواية ، وإعراضهم عن نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين . وصدق الله إذ يقول : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحوال المنافقين ، وصفاتهم ، وسوء عاقبتهم . . أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين ، وعما أعده الله لهم من نعيم مقيم ، فقال - سبحانه - : ( والمؤمنون والمؤمنات . . . هُوَ الفوز العظيم ) .