Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ
Et ne soyez pas comme ceux qui disent: «Nous avons entendu», alors qu'ils n'entendent pas
Tafsir Al Wasit — Waseet
أى أطيعوا الله ورسوله - أيها المؤمنون - ولا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته ، والمواعظ الزاجرة عن خالفته وقوله : ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) تأكيد لما قبله ، ونهى لهم عن التشبه بالضالين .أى أطيعوا الله ورسوله فى كل أحوالكم عن إخلاص وإذعان ، ولا تقصروا فى ذلك فى وقت الأوقات ، وإياكم أن تتشبهوا بأولئك الكافرين والمنافقين الذين ادعوا السماع فقالوا سمعنا ، والحال أنهم لم يسمعوا سماع تدبر واتعاظ ، لأنهم لم يصدقوا ما سمعوه ، ولم يتأثروا به . بل نبذوه وراء ظهورهم .فالمنفى فى قوله - تعالى - ( وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) سماع خاص ، وهو سماع التدبر والاتعاظ ، لكنه جئ به على سبيل الإِطلاق ، للإِشعار بأنهم قد نزلوا من لم يسمع أصلا ، بجعل سماعهم بمنزلة العدم ، حيث إنه سماع لا وزن له ، ولا فائدة لهم من روائه ، مع أنهم لو فتحوا آذانهم وقلوبهم للحق لاستفادوا ، ولكنهم آثروا الغى على الرشد .
۞إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ
Les pires des bêtes auprès d'Allah, sont, [en vérité], les sourds-muets qui ne raisonnent pas
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم وصف - سبحانه - الكافر والمنافقين وأشباههم وصفاً يحمل العقلاء على النفور منهم ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم الذين لاَ يَعْقِلُونَ ) .والدواب : جمع دابة وهى كل ما يدب على الأرض . قال - تعالى - : ( والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ . . ) قال الجمل : " وإطلاق الدابة على الإِنسان لما ذكروه فى كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا ، وفى المصباح : الدابة كل حيوان فى الأرض مميزا أو غير مميز " .وقد روى أن هذه الآيات نزلت فى نفر من بنى عبد الدار ، كانوا يقولون : نحن صم بكم عما جاء به محمد ، فقتلوا جميعا يوم بدر .وهذا لا يمنع أن الآية الكريمة يشمل حكمها جميع المشركين والمنافقين ، إذ العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب .والمعنى : إن شر ما يدب على الأرض ( عِندَ الله ) أى : فى حكمه وقضائه ، وهم أولئك : ( الصم ) عن سماع الحق ( البكم ) عن النطق به ( الذين لاَ يَعْقِلُونَ ) أى لا يعلقون التمييز بينه وبين الباطل .ووصفهم - سبحانه - بذلك مع أنهم يسمعون وينطقون ، لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس ، بل استعملوها فيما يضر ويؤذى ، فكان وجودها فيهم كعدمها .وقدم الصمم على البكم ، لأن صممهم عن سماع الحق متقدم على بكمهم فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له ، كما أن النطق به من فروع سماعه .وقوله ( الذين لاَ يَعْقِلُونَ ) تحقيق لكمال سوء حالهم ، لأن الأصم الأبكم إذا كان له عقل ربما فهم بعض الأمور . . . أما إذا كان بجانب صممه وبكمه فاقد العقل ، فإنه فى هذه الحالة يكون قد بلغ الغاية فى سوء الحال . .قال صاحب المنار : وقوله : ( الذين لاَ يَعْقِلُونَ ) أى : فقدوا فضيلة العقل الذى يميز بين الحق والباطل والخير والشر ، إذ لو عقولا لطلبوا ، ولو طلبوا لسمعوا وميزوا ولو سمعوا لنطقوا وبينوا ، وتذكروا وذكروا . . فهم لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق صاروا كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى . . بل هم شر من ذلك لأنهم اعطيت لهم المشاعر والقوى فأفسدوها على أنفسهم لعدم استعمالها فيما خلقها الله لأجله ، فهم كما قال الشاعر :خُلِقوا ، وما خُلِقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوارُزِقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقواولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم فى آية الأعراف وآيتى البقرة ، لأن المقام هنا مقام تعريض بالذين ردوا دعوة الإِسلام ، ولم يهتدوا بسماع آيات القرآن .
وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ
Et si Allah avait reconnu en eux quelque bien, Il aurait fait qu'ils entendent. Mais, même s'Il les faisait entendre, ils tourneraient [sûrement] le dos en s'éloignant
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - ( وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ) بيان لما جبلوا عليه من إيثار الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية .أى : ولو علم الله - تعالى - فى هؤلاء الصم والبكم ( خَيْراً ) أى : استعدادا للإِيمان ورغبة فيما يصلح نفوسهم وقلوبهم ( لأَسْمَعَهُمْ ) سماع تفهم وتدبر ، أى : لجعلهم سامعين للحق ، ومستجيبين له ، ولكنه - سبحانه - لم يعلم فيهم شيئا من ذلك ، فحجب خيره عنهم بسبب سوء استعدادهم .ولذا قال - تعالى - بعد ذلك : ( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ) أى : ولو أمسعهم سماع تفهم وتدبر ، وهم على هذه الحالة العارية من كل خير لتولوا عما سمعوه من الحق ( وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ) عن قبوله جحودا وعنادا .قال الفخر الرازى : قوله - تعالى - : ( وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ ) أى : أن كل ما كان حاصلا ، فإنه يجب أن يعلمه الله ، فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه فى نفسه بعدم علم الله بوجوده ، وتقرير الكلام : لو حصل فيهم خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا به ، ولتولوا وهم معرضون .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ
O vous qui croyez! Répondez à Allah et au Messager lorsqu'il vous appelle à ce qui vous donne la (vraie) vie, et sachez qu'Allah s'interpose entre l'homme et son cœur, et que c'est vers Lui que vous serez rassemblés
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين نداء ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة لتعاليمه ، وحذرهم من الأقوال والأعمال التى تكون سبباً فى عذابهم ، وذكرهم بجانب من منته عليهم ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين . . . لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ . . ) هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف ، والاستجابة :الإِجابة . . . قال الشاعر :وداع داع يا من يجيب إنى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيبأى : فلم يجبه عند ذاك مجيب .وكان الإِمام القرطبى يرى أن السين والتاء فى قوله : " استجيبوا " زائدتان .ولعل الأحسن من ذلك أن تكون السين والتاء للطلب ، لأن الاستجابة هى الإِجابة بنشاط وحسن استعداد .وقوله ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أى لما يصلحكم من أعمال البر والخير والطاعة ، التى توصلكم متى تمسكتم بها إلى الحياة الكريمة الطيبة فى الدنيا ، وإلى السعادة التى ليس بعدها سعادة فى الآخرة .وهذا المعنى الذى ذكرناه لقوله ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أدق مما ذكره بعضهم من أن المراد بما يحييهم القرآن ، أو الجهاد ، أو العلم . . إلخ .وذلك ، لأن أعمال البر والخير والطاعة تشمل كل هذا .والمعنى : ( ياأيها الذين آمَنُواْ ) بالله حق الإِيمان ، ( استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) عن طواعية واختيار ، ونشاط وحسن استعداد ( إِذَا دَعَاكُم ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أى : إلى ما يصلح أحوالكم ، ويرفع درجاتكم ، من الأقوال النافعة ، والأعمال الحسنة ، التى بالتمسك بها تحيون حياة طيبة : وتظفرون بالسعادتين : الدنيوية والأخروية .والضمير فى قوله ( دَعَاكُم ) يعود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله ، ولأن فى الاستجابة له استجابة لله - تعالى - .قال - سبحانه - : ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَن تولى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) وقوله : ( وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ) تحذير لهم من الغفلة عن ذكر الله ، وبعث لهم على مواصلة الطاعة له - سبحانه -يَحُولُ .وقوله : ( يَحُولُ ) من الحول بين الشئ والشئ ، بمعنى الحجز والفصل بينهما .قال الراغب : أصل الحول تغير الشئ وانفصاله عن غيره ، وباعتبار التغير قيل حال الشئ يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول : وباعتبار الانفصال فيل حال بينى وبينك كذا أى فصل . .هذا ، وللمفسرين فى معنى هذه الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمها قولان :أما القول الأول فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول ابن جرير - : أنه - سبحانه - أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعى به شيئا ، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته ، وذلك أن الحول بين الشئ والشئ إما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز - جل ثناؤه - بين عبد وقلبه فى شئ أن يدركه أو يفهمه ، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل ، وإذا كان ذلك معناه دخل فى ذلك قول من قال : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإِيمان .وقول من قال : يحول بينه وبين عقله . وقول من قال : يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه . . فالخبر على العموم حتى يخصصه ما يجب التسليم له .وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد أن ذكر قبله بعض الأقوال الأخرى .وقال ابن كثير - بعد أن لخص القول الذى رجحه ابن جرير - : وقد وردت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله علي وسلم - يقول : " إن قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يصرفها كيف شاء " ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك " .وروى : الإِمام أحمد والنسائى وابن ماجه عن النواس بن سمعان الكلابى قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه " .أما القول الثانى فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول الزمخشرى - " أنه - سبحانه - يميت المرء فتفوته الفرصة التى هى واجدها ، وهى التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ، ورده سليما كما يريده الله ، فاغتنموا هذه الفرصة ، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله .أو - كما يقول الفخر الرازى - بعبارة أوضح : " أن المراد أنه - تعالى - يحول بين المرء وبين ما يتماه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل . فكأنه قال : بادروا إلى الأعمال . الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع فى قلوبكم من توقع طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأمانى الحاصلة فى القلب ، لأن تسمية الشئ باسم ظرفه جائزة كقولهم : سال الوادى .والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول ، لأن الآية الكريمة ساقته لحض المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذى دعاهم إليه رسوله صلى الله عليه وسلم والذى باتباعه يحيون حياة طيبة ، وتذكيرهم بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب ، كما قال - تعالى - فى ختامها ( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) .وليست مسوقة لإِثبات قدرة الله ، وأنه أملك لقلوب عباده منهم : وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء .فالمعنى الذى ذكره ابن جرير - وتابعه عليه ابن كثير وغيره ، معنى وجيه فى ذاته ، إذ لا ينكر أحد أن الله مقلب القلوب ومالكها . . ولكن ليس مناسبا هنا مناسبة المعنى الذى ذكره الزمخشرى والرازى . لأن الآية الكريمة التى معنا والتى بعدها صريحتان فى دعوة المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن يفاجئهم الموت ، وقبل أن تحل بهم مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة .والمعنى الإِجمال للآية الكريمة ( ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) بعزيمة صادقة ، وسرعة فائقة ، ( إِذَا دَعَاكُم ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ) أى لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة ( وَاعْلَمُواْ ) علما يقينا ( أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ) أى يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها : فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا غدا ، وسيجمع كذا غدا ، وسيجمع كذا فى المستقبل ، وسيحصل على كذا قريبا . . ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه . . فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت .وقوله : ( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) تذييل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم القيامة . والضمير فى قوله ( وَأَنَّهُ ) يعود إلى الله تعالى - أو هو ضمير الشأن . أى : وأنه - سبحانه - إليه وحده ترجعون لا إلى غيره ، فيحاسبكم على ما قدمتم وما أختم ، ويجاز كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب . فى العمل الصالح بسرعة ونشاط ، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة عن طاعة الله .
وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ
Et craignez une calamité qui n'affligera pas exclusivement les injustes d'entre vous. Et sachez qu'Allah est dur en punition
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم يؤكد - سبحانه - بعد ذلك ترهيبه لهم من التراخى فى تغيير المنكر فيقول : ( واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) .والفتنة : من الفتن . وأصله - كما يقول الراغب - : إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، واستعمل فى إدخال الإِنسان النار .كما فى قوله - تعالى - ( ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ) أى : عذابكم . وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله - تعالى - : ( أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ ) وتارة فى الاختيار نحو قوله - تعالى - ( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي ، كالأمراض ، والقحط ، واضطراب الأحوال ، وتسلط الظلمة ، وعدم الأمان . . وغير ذلك من المحن والمصائب والآلام التى تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب ، وإقرارهم للمنكرات ، والمداهنة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .والخطاب لجميع فى كل زمان ومكان .فالمعنى : دواموا أيها المؤمنون على طاعة الله بقوة ونشاط ، واحذروا من أن ينزل بكم عذاب سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين والمسيئين .وقوله : ( واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) المراد منه الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله - تعالى - .أى : واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانتهك حرماته .قال صاحب الكشاف : وقوله ( لاَّ تُصِيبَنَّ ) لا يخلو من أن يكون جواباً للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة لفتنة .فإذا كان جواباً فالمعنى : إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم . . وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل : واحذروا ذنباً أو عقاباً ، ثم قيل : لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله الجميع وليس من ظلم منكم خاصة .فإن قلت : كيف جاز دخول النون المؤكدة فى جواب الأمر؟قلت : لأن فيه معنى النهى - ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة - كما إذا قلت : انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك . ومنه قوله - تعالى - : ( ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ) وقوله ( خَآصَّةً ) منصوب على الحال من الفاعل المستكن فى قوله ( لاَّ تُصِيبَنَّ ) .ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف . إصابة خاصة .هذا ، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإِقلاع عن المعاصى ، ووجوب محاربة مرتكبيها ، فإن الأمة التى تشيع فيها المعاصى والمظالم والمنكرات . . ثم لا تجد من يحاربها ويعمل على إزالتها ، تستحق العقوبة جزاء سكوتها واستخذائها وجبنها .وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت فى حق بعض الصحابة الذين اشتركوا فى وقاعة الجمل فيما بعد .ولكن هذا القول غير صحيح؛ لأن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين جميعاً فى كل زمان ومكان ، وأمرهم بالبعد عن المعاصى والمنكرات التى تفضى بهم إلى العذاب الدنيوى قبل الأخروى . وليست خاصة بفريق دون فريق .لذا قال ابن كثير : والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم الصحيح ، ويدل عليه الأحاديث الواردة فى التحذير من الفتن .ومن ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن عدى بن عميرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله - تعالى - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة " .وروى الإِمام أحمد أيضاً عن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى وهم أعز وأكثر ممن يعملون ، ثم لم يغيروه ، إلا عمهم الله بعقاب " .وقال الإِمام القرطبى : قال ابن عباس : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب .ففى صحيح مسلم " عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : " نعم إذا كثر الخبث " " .وفى صحيح الترمذى : " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه ، أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " .وفى صحيح البخارى والترمذى عن النعمان بن بشير عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا - أى اقترعوا - على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً " .ففى هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة .قال علماؤنا : فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصى ، وانتشار المنكر وعدم التغيير . وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها .روى ابن وهب عن مالك قال : تهجر الأرض التى يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها .واحتج بصنيع أبى الدرداء فى خروجه عن أرض معاويةحين أعلن بالربا ، فأجاز بيع ساية الذهب بأكثر من وزنها .فإن قيل : فقد قال الله - تعالى - ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) وقال : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد ، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره ، فإذا سكت عليه فكلهم عاص؛ هذا بفعله وهذا برضاه ، وقد جعل الله فى حكمه الراضى بمنزلة العامل؛ فانتظم فى العقوبة .وقال بعض العلماء : وذكر القسطلانى " أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذى يقع فى الدين بفعل المعاصى ، فلا يتحقق كون الإِنسان كارها له ، إلا إذا تألم للخلل الذى يقع فى الدين ، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده . فكل من لم يكن بهذه الحالة ، فهو راض بالمنكر ، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار .