Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ
Ils discutent avec toi au sujet de la vérité après qu'elle fut clairement apparue; comme si on les poussait vers la mort et qu'ils (la) voyaient
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( يُجَادِلُونَكَ فِي الحق بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ ) حكاية لما حدث من هذا الفريق الكاره للقتال ، وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع .والمراد بقوله ( يُجَادِلُونَكَ ) مجادلتهم للنبى صلى الله عليه وسلم فى شأن القتال وقولهم له : ما كان خروجنا إلا للعير ، ولو أخبرتنا بالقتال لأعددنا العدة له .والضمير يعود للفريق الذى كان كارهاً للقتال .والمراد بالحق الذى جادلوا فيه : أمر القتال الذى حضهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن يعدوا أنفسهم له .وقوله : ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) متعلق : ( يُجَادِلُونَكَ ) و ( مَا ) مصدرية والضمير فى الفعل ( تَبَيَّنَ ) يعود على الحق .والمراد بتبينه : إعلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بأنهم سينصرون على أعدائهم فقد روى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم قبل نجاة العير بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين : العير أو النفير ، فلما نجت العير علم أن الظفر الموعود به إنما هو النفير ، أى : على المشركين الذين استنفرهم أبو سفيان للقتال لا على العير ، أى : الإِبل الحاملة لأموال المشركين .والمعنى : يجادلك بعض أصحابك - يا محمد - ( فِي الحق ) أى فى أمر القتال ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) أى ، بعدما تبين لهم الحق بإخبارك إياهم بأن النصر سيكون حليفهم ، وأنه لا مفر لهم من لقاء قريش تحقيقاً لوعد الله الذى وعد بإحدى الطائفتين .وقوله : ( كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ ) أى : يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت ، وهو ناظر إلى أسبابه ، ومشاهد لموجباته .والجملة فى محل نصب على الحالية من الضمير فى قوله : ( لَكَارِهُونَ ) .وفى هذه الجملة الكريمة تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من خوف وفزع من القتال بسبب قلة عددهم وعددهم .وقوله : ( بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ) زيادة فى لومهم ، لأن الجدال فى الحق بعد تنبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره .
وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
(Rappelez-vous), quand Allah vous promettait qu'une des deux bandes sera à vous. Vous désiriez vous emparer de celle qui était sans armes, alors qu'Allah voulait par Ses paroles faire triompher la vérité et anéantir les mécréants jusqu'au dernier
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - جانباً من مظاهر فضله على المؤمنين ، مع جزع بعضهم من قتال عدوه وعدوهم ، وإيثارهم العير على النفير فقال : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ ) .والمراد بإحدى الطائفتين : العير أو النفير ، والخطاب للمؤمنين .والمراد بغير ذات الشوكة : العير ، والمراد بذات الشوكة : النفير .والشوكة فى الأصل واحد الشوك وهو النبات الذى له حد ، ثم استعيرت للشدة والحدة . ومنه قولهم : رجل شائك السلاح أى : شديد قوى .والمعنى : واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن وعدكم الله - تعالى - على لسان رسوله - بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير هى لكم تظفرون بها ، وتتصرفون فيها تصرف المالك فى ملكه ، وأنتم مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التى ليس معها سلاح وهى العير .وعبر - سبحانه - عن وعده لهم بصيغة المضارع ( يَعِدُكُمُ ) مع أن هذا الوعد كان قبل نزول الآية ، لاستحضار صورة الموعود به فى الذهن ، ولمداومة شكره - سبحانه - على ما وهبهم من نصر وفوز .وإنما وعدهم - سبحانه - إحدى الطائفتين على الإِبهام مع أنه كان يريد إحداهما وهى النفير ، ليستدرجهم إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى ينتصروا عليه . وبذلك تزول هيبة المشركين من قلوب المؤمنين .وقوله ( إِحْدَى ) مفعول ثاني ليعد . وقوله : ( أَنَّهَا لَكُمْ ) بدل اشتمال من ( إِحْدَى ) مبين لكيفية الوعد .أى : يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم ، ومختصة لكم ، تتسلطون عليها تسلط الملاك ، وتتصرفون فيها كيفيما شئتم .وقوله : ( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ ) معطوف على قوله : ( يَعِدُكُمُ ) أى : وعدكم - سبحانه - إحدى الطائفتين بدون تحديد لإِحداهما ، وأنتم تحبون ان تكون لكم طائفة العير التى لا قتال فيها يذكر ، على طائفة النفير التى تحتاج منكم إلى قتال شديد ، وإلى بذل للمهج والأرواح .وفى هذه الجملة تعريض بهم ، حيث كرهوا القتال ، وأحبوا المال ، وما هكذا يكون شأن المؤمنين الصادقين .ثم بين لهم - سبحانه - أنهم وإن كانوا يريدون العير ، إلا أنه - سبحانه - يريد لهم النفير ، ليعلو الحق ، ويزهق الباطل ، فقال : ( وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين ) .أى : ويريد الله بوعده غير ما أردتم . ( 1649;لشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) أى أن يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله ، وبقضائه الذى لا يتخلف ، وأن يستأصل الكافرين ويذلهم ، ويقطع دابرهم؛ أى آخرهم الذى يدبرهم .والدابر : التابع من الخلف ، يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ، إذا كان آخرهم فى المجئ ، والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم استئصالا .وقد هلك فى غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا يحاربون الإِسلام ، ويستهزئون بتعاليمه .قال صاحب الكشاف فى معنى الآية الكريمة ، قوله : ( وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور ، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم فى أبدانكم وأموالكم ، والله - عز وجل - يريد معالى الأمور ، وما يرجع إلى عمارة الدين ، ونصرة الحق ، وعلو الكلمة والفوز فى الداري ، وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة ، وكسر قوتهم بضعفكم ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأعزكم وأذلهم ، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها .
لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ
afin qu'Il fasse triompher la vérité et anéantir le faux, en dépit de la répulsion qu'en avaient les criminels
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى اختيار ذات الشوكة لهم ، ونصرتهم عليهم فقال : ( لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل وَلَوْ كَرِهَ المجرمون ) .أى : فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداد ( لِيُحِقَّ الحق ) أى : ليثبت الدين الحق دين شوقوله : ( وَلَوْ كَرِهَ المجرمون ) بيان لنفاذ إرادته - سبحانه - أى : اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإِسلام ، وأن يمحق ما سواه ، ولو كره المشركون ذلك ، لأن كراهيتهم لا وزن لها ، ولا تعويل عليها . .وبهذا يتبين أنه لا تكرار بين الآيتيتن السابقتين ، لأن المراد بإحقاق الحق فى قوله - تعالى - ( وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) : إعلاؤه وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين للمشركين .والمراد بإحقاق الحق فى قوله بعد ذلك فى الآية الثانية ( لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل ) : تثبيت دين الإِسلام وتقويته وإظهار شريعته ، ويمحق دين الكفر .فكان ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية .وقد بسط هذا المعنى الإِمام الرازى فقال ما ملخصه : فإن قيل : أليس قوله : ( وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) ثم قوله بعد ذلك : ( لِيُحِقَّ الحق ) تكرارا محضا ، فالجواب : ليس ههنا تكرير؛ لأن المراد بالأول سبب ما وعد به فى هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثانى؛ تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين ، كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله ( وَيُبْطِلَ الباطل ) الذى هو الشرك ، وذلك فى مقابلة ( الحق ) الذى هو الدين والإِيمان .وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا فى الأربع الآيات الأولى منها عن حكم الله - تعالى - فى غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين فى شأنها ، وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله - تعالى - أرفع الدرجات .ثم حدثتنا فى الأربع الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عندما دعاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى قتال أعدائهم ، وعن مجادلتهم له فى ذلك ، وعن إيثارهم المال على القتال ، وعن إرادة ما هو خير لهم فى دنياهم وآخرتهم ، وفى ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون .
إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ
(Et rappelez-vous) le moment où vous imploriez le secours de votre Seigneur et qu'Il vous exauça aussitôt: «Je vais vous aider d'un millier d'Anges déferlant les uns à la suite des autres.»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ساق - سبحانه - بعض مظاهر تدبيره المحكم فى هذه الغزوة ، وبعض النعم التى أنعم بها على المؤمنين ، وبعض البشارات التى تقدمت تلك الغزوة أو صاحبتها ، والتى كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال - تعالى - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ . . عَذَابَ النار ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) الاستغاثة : طلب الغوث والنصر ، يقال : غّوث الرجل ، أى : قال واغوثاه ، والاسم الغوث والغواث ، واستغاثنى فلان فأغثته ، والاسم الغياث .وقوله ( مُمِدُّكُمْ ) من الإِمداد بمعنى الزيادة والإِغاثة ، وقد جرت عادة القرآن أن يستعمل الإِمداد فى الخير ، وأن يستعمل المد فى الشر والذم .قال - تعالى - : ( واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) وقال - تعالى - : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) قال - تعالى - : ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) وقال - تعالى - : ( الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) وقوله : ( مُرْدِفِينَ ) من الإِرداف بمعنى التتابع .قال الفخر الرازى : قرأ نافع وأبو بكر عن عصام ( مُرْدِفِينَ ) - بفتح الدال - وقرأ الباقون بكسرها ، والمعنى على الكسر ، أى : ممتابعين يأتى بعضهم فى إثر البعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب .والمعنى على قراءة الفتح ، أى : فعل بهم ذلك ، ومعناه أن الله - تعالى - أردف المسلمين وأمدهم بهم أى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم .والمعنى : اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم - وأنتم على أبواب بدر - ( تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) أى : تطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم ( فاستجاب لَكُمْ ) دعاءكم ، وكان من مظاهر ذلك أن أخبركم على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بأنى ( مُمِدُّكُمْ ) أى : معينكم وناصركم بألف من الملائكة مردفين ، أى : متتابعين ، بعضهم على إثر بعض ، أو أن الله - تعالى - جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم .ويروى الإِمام مسلم عن ابن عباس قال : " حدثنى عمر بن الخطاب قال : كان يوم بدر ، فاستقبل نبى الله - القبلة ، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ويقول : اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد فى الأرض ، فما زال يهتف بربه ويقول : اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد فى الأرض ، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه منكبيه .فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من وراءه ، وقال : يا نبى الله!! كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك . فأنزل الله - عز وجل - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ ) " الآية فأمده الله بالملائكة .وروى البخارى عن ابن عباس قال : قال النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، " اللهم أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ، فأخذ أبو بكر بيده ، فقال حسبك ، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : " سيهزم الجمع ويولون الدبر " " .وروى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : " لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وتكاثرهم ، وإلى الله فاستقلهم ، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى صلاته : " اللهم لا تودع منى اللهم لا تخذلنى ، اللهم لا تترنى - أى لا تقطعنى عن أهلى وأنصارى - أولا تنقضى شيئاً من عطائك - اللهم أنشدك ما وعدتنى - أى : أستنجزك وعدك " " .وروى ابن إسحاق فى سيرته أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذى وعدتنى .فإن قيل : إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟فالجواب : أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه - صلى الله عليه وسلم - ويتأسون به فى الدعاء ، إلا ان الروايات ذكرت دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو قائد المؤمنين ، وهو الذى يحرص الرواة على نقل دعائه ، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه .وقيل : إن الضمير فى قوله ( تَسْتَغِيثُونَ ) للرسول - صلى الله عليه وسلم - وجئ به مجموعا على سبيل التعظيم ، ويعكر على هذا القبل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه ، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التى أنعم بها - سبحانه - عليهم .وعبر - سبحانه - بالمضارع ( تَسْتَغِيثُونَ ) مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية - استحضارا للحال الماضية ، حتى يستمروا على شكرهم لله ، ولذلك عطف عليه . فاستجاب لكم ، بصيغة الماضى مسايرة للواقع .وكان العطف بالفاء للإِشعار بأن إجابة دعائهم كانت فى أعقاب تضرعهم واستغنائهم وهذا من فضل الله عليهم ، ورحمته بهم ، حيث أجارهم من عدوهم ، ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا .والسين والتاء فى قوله : ( تَسْتَغِيثُونَ ) للطلب ، أى : تطلبون منه الغوث بالنصر .فإن قيل : إن الله - تعالى - ذكر هنا انه أمدهم بألف من الملائكة ، وذكر فى سورة آل عمران أنه امدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟فالجواب أن الله - تعالى - أمد المؤمنين بألف من الملائكة فى يوم بدر ، كما بين هنا فى سورة الأنفال ، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال - تعالى - فى سورة آل عمران : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ . . . )ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف ، قال - تعالى - ( بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ ) وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير . . فكان المدد خمسة آلاف .واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف ، ولا دلالة فى الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ولا على أنهم لم يمدوا ، ولا يثبت شئ من ذلك إلا بنص .وهذا بناء على أن المدد الذى وعد الله به المؤمنين فى آيات سورة آل عمران كان خاصاً بغزوة بدر .أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذى بتلك الآيات كان خاصا بغزوة أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء فى السورتين .وقد بسط القول فى هذه المسألة الإِمام ابن كثير فقال ما ملخصه :" اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين :أحدهما : أن قوله - تعالى - : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة ) متعلق بقوله : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ ) وهذا قول الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم . . .فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات - التى فى سورة آل عمران وبين قوله فى سورة الأنفال - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ ) .فالجواب : أن التنصيص على الألف هنا ، لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - ( مُرْدِفِينَ ) بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف آخر مثلهم .قال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف .والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد - وهو قوله - تعالى - : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة ) متعلق بقوله - قبل ذلك - ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ) وذلك يوم احد .وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والضحالك ، وغيرهم .لكن قالوا : لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين يومئذ فروا .وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى ( بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ ) فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا ملك واحد .
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
Allah ne fit cela que pour (vous) apporter une bonne nouvelle et pour qu'avec cela vos cœurs se tranquillisent. Il n'y a de victoire que de la part d'Allah. Allah est Puissant et Sage
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم فى هذا الإِمداد فقال : ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فالآية الكريمة كلام مستأنف ساقه - سبحانه - لبيان عبض مضاهر فضله على المؤمنين ، ولبيان أن المؤثر الحقيق هو الله وحده حتى يزدادوا ثقه به ، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه .أى : وما جعل الله - تعالى - هذا الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم - أيها المؤمنون - بالنصر على أعدائكم فى هذه الغزوة الحاسمة وقوله ( بشرى ) مفعول لأجله مستثنى عن أعم العلل .وقوله : ( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) معطوف عليه : أى : ولتسكن بهذا الإِمداد قلوبكم ، ويزول عنكم الخوف ، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها الإِحجام أو التردد . . .وقوله : ( وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ) أى : ليس النصر بالملائكة أو غيرهم إلا كائن من عند الله وحده ، لأنه - سبحانه - هو الخالق لكل شئ ، والاقدر على كل شئ .وإن الوسائل مهما عظمت ، والأسباب مهما كثرت ، ولا تؤدى إلى النتيجة المطلوبة والغاية المرجوة ، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته .وقوله : ( إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أى : غالب لا يقهره شئ ، ولا ينازعه منازع حكيم فى تدبيره وأفعاله .فالجملة الكريمة بتذييل قصد به التعليل لما قبله ، وفيه إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة - سبحانه - .