Tafsir Al Wasit
Waseet
الأعراف
Al-A'raf
206 versets
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ
Alors le tremblement (de terre) les saisit; et les voilà étendus, gisant dans leurs demeures
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد هذه المحاورات والمجادلات التى دارت بين شعيب وقومه ، جاءت الخاتمة التى حكاها القرآن فى قوله : ( فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) . أى : فأخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا فى دارهم هامدين صرعى لا حراك بهم .قال ابن كثير ما ملخصه : أخبر - سبحانه - هنا بأنهم أخذتهم الرجفة ، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء ، كما أخبر عنهم فى سورة هود بأنهم أخذتهم الصيحة ، والمناسبة هناك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا به فى قولهم : ( قَالُواْ ياشعيب أصلاوتك تَأْمُرُكَ ) فجاءت الصيحة فأسكتتهم . وقال فى سورة الشعراء : ( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة ) وما ذاك إلا لأنهم قالوا له فى سياق القصة ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء ) فأخبر - سبحانه - أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ، أصابهم عذاب يوم الظلة . وهى سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح ، وفاضت النفوس ، وخمدت الأجسام " .
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ
Ceux qui traitaient Chu'aïb de menteur (disparurent) comme s'ils n'y avaient jamais vécu. Ceux qui traitaient Chu'aïb de menteur furent eux les perdants
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم : إن من يتبع شعيبا خاسر ، فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا ، وإنما الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه ، فيقول : ( الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين ) .أى : الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالاخراج من قريتهم ، كأنهم عندما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا فى ديارهم ناعمى البال ، يظلهم العيش الرغيد ، والغنى الظاهر .يقال : غنى بالمكان يغنى ، أقامبه وعاش فيه فى نعمة ورغد .والجلمة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم : ( لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ ) فكأن سائلا ، قال : فكيف كان مصيرهم؟ فكان الجواب : الذين هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها ، ولم يعيشوا بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها ، ولم يعيشوا فيها مطلقا ، لأنه متى انقضى الشىء صار كأنه لم يكن .والاسم الموصول ( الذين ) مبتدأ ، وخبره جملة ( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ) .ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير ، وللإيذان بأن ما ذكر فى حيز الصلة هو الذى استوجب العقوبتين فقال : ( الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين ) .أى : الذين كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا ، وليس الذين اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون .وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا ، وقد صرح بإنجائه فى سورة هود فقال : ( وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً والذين آمَنُواْ مَعَهُ ) قال صاحب الكشاف : وفى هذا الاستئناف والابتداء ، وهذا التكرير ، مبالغة فى رد مقالة الملأ لأشياعهم ، وتسفيه لرأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم " .
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ
Il se détourna d'eux et dit: «O mon peuple, je vous ai bien communiqué les messages de mon Seigneur et donné des conseils. Comment donc m'attristerais-je sur des gens mécréants?»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وأخيراً تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة إياهم بالتبكيت والاهمال من رسولهم وأخيهم فى النسب فتقول : ( فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ) .الأسى : الحزن . وحقيقته اتباع الفائت بالغم . يقال : أسيت عليه - أساً ، أى : حزنت والمعنى فأعرض عنهم شعيب بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة والعذاب وقال مقرعا إياهم يا قوم : ( لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ) التى أرسلنى بها إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ ( وَنَصَحْتُ لَكُمْ ) بما فيه إصلاحكم وهدايتكم " فكيف أحزن على قوم كافرين " بذلت جهدى فى سبيل هدايتهم ونجاتهم ، ولكنهم كرهوا النصح ، واستحبوا العمى على الهدى .لا ، لن آسى عليهم . ولن أحزن من أجل هلاكهم ، لأنهم لا يستحقون ذلك .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصص نوح وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب مع أقوامهم . بعد أن بدأت بقصة آدم وإبليس وسنراها بعد قليل تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل .ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت فى حديثها عن هؤلاء الرسل الكرام التسلسل التاريخى ، وذلك لأهداف من أهمها :1 - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا ، فأنت رأيت أن كل رسول أتى قومه ليقول لهم : يا قوم ابعدوا الله ما لكم من إله غيره ، يقولها ثم يسوق لهم بأسلوبه الخاص أنصع الدلائل ، وأقوى الحجج ، وخير البراهين ومختلف وجوه الإرشاد ، لكى يقنعهم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه .2 - تصوير وحدة طبيعة الإيمان ووحدة طبيعة الكفر فى نفوس الناس على مدار التاريخ ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم يصدقون قوله ، ويتأسون به فى كل أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة ، والكافرون يستكبرون أن يرسل الله رسولا من البشر ، ويأبون بدافع الحقد والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم ، ويلقون التهم جزافا لكى يصرفوا الناس عنه .وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين تتشابه فى إخلاصها ونقائها وصفائها وحسن تقبلها للخير . بينما نفوس الكافرين تتشابه - أيضاً - فى ظلامها وقوستها وفجورها وسوء تقبلها للهداية .3 - بيان العاقبة الطيبة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم وعملهم الطيب ، والعاقبة السيئة التى حاقت بالكافرين المستكبرين ، بسبب إعراضهم عن الحق ، واستهزائهم بأصحابه ، ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )وبعد هذا الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى السورة الكريمة فى سرد هداياتها ، فتسوق للناس ألوانا من سنن الله التى لا تتغير ولا تتبدل ، لعل قلوبهم ترق ، ونفوسهم تتذكر ، وعقولهم تعى .وكأن السورة الكريمة تقول للناس : لقد سقت لكم الكثير من أخبار الماضين . وقصصت عليكم ما فيه الذكر لكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار ، وكيف كانت عاقبة الأشرار ، فاجتهدوا فى طاعة الله ، وسيروا فى طريق الأخيار لتسعدوا كما سعدوا . واجتنبوا سبيل الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم ، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه يمهل ولا يهمل ، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون ، وأن يفتح أبواب خيراته وبركاته لمن آمن به واتقاه ، وأبواب عقوباته لمن كفر به وعصاه .
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ
Nous n'avons envoyé aucun prophète dans une cité, sans que Nous n'ayons pris ses habitants ensuite par l'adversité et la détresse afin qu'ils implorent (le pardon)
Tafsir Al Wasit — Waseet
واستمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذه المعانى وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ . . . . ) .هذه هى الآيات التى جاءت فى السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وقبل حديثها المستفيض - الذى سنراه بعد قليل عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل .وقد بدئت بقوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) البأساء : الشدة والمشقة كلاحرب والجدب وشدة الفقر . والضراء : ما يضر الإنسان فى بدنه أو معيشته كالمرض والمصائب .والمعنى : ذلك الذى قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم الهالكين لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم ينقادون لأمر الله ، ويثوبون إلى رشدهم ، ويكثرون من التضرع إليه والاستجابة لهديه .فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم ، إثر بيان أحوال الأمم التى سبق الحديث عنها وهى أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليه السلام - .والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم ، لينزجروا عن الضلال والعناد ، ويستجيبوا لله ولرسوله .وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام .وقوله : ( مِّن نَّبِيٍّ ) فيه حذف وإضمار والتقدير : من نبى كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله : ( إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا ) لا يترتب على الإرسال ، وإنما يترتب على التكذيب والعصيان . و ( مِّن ) لتأكيد النفى .والاستثناء فى قوله : ( إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا ) مفرغ من أعم الأحوال ، و ( أَخَذْنَا ) فى موضع نصب على الحال من فاعل ( أَرْسَلْنَا ) أى : وما أرسلنا - فى قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها - نبيا من الأنبياء فى حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء . قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم .وجملة ( لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) تعليلية . أى : فعلنا ما فعلنا لكى يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم .فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفى - تعالى الله عن ذلك - وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة ، وتتعظ المشاعر الخامدة ، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم ، يتضرعون إليه ويستغفرونه ، عما فرط منهم من خطايا .
ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ
Puis Nous avons changé leur mauvaise condition en y substituant le bien, au point qu'ayant grandi en nombre et en richesse, ils dirent: «La détresse et l'aisance ont touché nos ancêtres aussi.» Eh bien, Nous les avons saisis soudain, sans qu'ils s'en rendent compte
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال : ( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ) المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والأمراض . وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات .أى : ثم بعد ان ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم ، وابتليناهم بضده ، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما ، فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدة ، واليسر مكان الحرج ، والعافية بدل الضر ، والذرية بدل العقم . والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف .قال الآلوسى : وقوله : ( ثُمَّ بَدَّلْنَا ) معطوف على ( أَخَذْنَا ) داخل فى حكمه ، وهو - أى بدلنا - متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أى : أعطيناهم الحسنة فى مكان السيئة ومعنى كونها فى مكانها أنها بدل منها .ويرى بعض العلماء أن لفظ ( مَكَانَ ) مفعول به لبدلنا وليس ظرفا ، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة ، فالحسنة هى المأخوذة الحاصلة فى مكان السيئة المتروكة .وقوله : ( حتى عَفَوْاْ ) أى : كثروا ونموا فى أنفسهم وأموالهم . يقال : عفا النبات ، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف . وأعفيته . أى : تركته يعفو ويكثر ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " وأعفوا اللحى " أى : وفروها وكثروها .فماذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى؟ لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم ، وانحطاط نفوسهم ، وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار ، وبما بين أيديهم من سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار .استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول : ( وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ) .أى : أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا فى بأساء وضراء ، لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه ، بل قالوا بغباء وجهل . قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر ، وتناوبهم ما ينفع وما يضر ، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم ، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا ، وجاء دورنا فى السراء فلنغنمها فى إرواء شهواتنا . وإشباع متعنا ، فتلك عادة الزمان من أبنائه ولا داعى لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء والاختبار .وهذا شأن الغافلين الجاهلين فى كل زمان ومكان ، إنهم لا يعتبرون بأى لون من ألوان العبر ، ولا يستشعرون فى أنفسهم تحرجا من شىء يعملونه .وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة " حالة عدم المبالاة والاستهتار " وهى حالة أكثر ما تكون مشاهدة فى أهل الرخاء والجاه . فهم يسرفون ويبذرون بدون تحرج ، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث ، وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ومع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون .هذا شأنهم ، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك ، وإنما هم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله : " عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن اصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " .ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص ، وإنما فاجأهم بالعقوبة التى تناسبهم ، قال - تعالى - : ( فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) أى : فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم بذلك ، ولا خطور شىء من المكاره ببالهم ، لأنهم كانوا - لغبائهم - يظنون أنهم سيعيشون حياتهم فى نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة ، وأقوالهم الذميمة .فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا ، لأنهم فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات .وجملة ( وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) حال من المفعول به فى ( أَخَذْنَاهُمْ ) مؤكدة لمعنى البغتة .