Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-A'raf
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

الأعراف

Al-A'raf

206 versets

Versets 5660 sur 206Page 12 / 42
56S07V56

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ

Et ne semez pas la corruption sur la terre après qu'elle ait été réformée. Et invoquez-Le avec crainte et espoir, car la miséricorde d'Allah est proche des bienfaisants

Tafsir Al WasitWaseet

ثم نهى الله عباده عن كل لون من ألوان المعاصى فقال : ( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) أى : لا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاح الله إياها ، بأن خلقها على أحسن نظام ، فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواعى الافساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان .روى ابو الشيخ عن أبى بكر بن عياش أنه سئل عن قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) أى : لا تفسدوا فى الأرض بعد إصلا الله إياها ، بأن خلقها على أحسن نظام ، فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان .روى أبو الشيخ عن أبى بكر عن عياش أنه سئل عن قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) فقال : إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم فى فساد فأصلحهم الله به ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين فى الأرض " .قال صاحب المنار : وقال - سبحانه - : ( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) لأن الإفساد بعد الإصلاح أشد قبحاً من الإفساد على الإفساد ، فإن وجوه الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجرى على سننه .فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه؟ ولذا خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهى عنه فى كل حال " .وقوله : ( وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً ) .أصل الخوف : انزعاج فى الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع فى المستقبل .والمعنى : وادعوه خائفين من عقابه إياكم على مخالفتكم لأوامره ، طامعين فى رحمته وإحسانه وفى إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما .قال الجمل : فإن قلت : قال فى أول الآية : ( ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) وقال هنا : ( وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً ) وهذا عطف للشىء على نفسه فما فائدة ذلك؟ قلت : الفائدة أن المراد بقوله - تعالى - : ( ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) بيان شرطين من شروط الدعاء وبقوله : ( ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) وقال هنا : ( وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً ) بيان شرطين آخرين ، والمعنى : كونوا جامعين فى أنفسكم بين الخوف والرجاء فى أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله فى العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما " .وقوله : ( إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين ) أى إن رحمته - تعالى - وإنعامه على عباده قريب من المتقنين لأعمالهم ، المخلصين فيهما ، لأن الجزاء من جنس العمل ، فمن أحسن عبادته نال عليها الثواب الجزيل ، ومن أحسن فى أمور دنياه كان أهلا للنجاح فى مسعاه ، ومن أحسن فى دعائه كان جديراً بالقبول والإجابة .قال الشيخ القاسمى : وفى الآية الكريمة ترجيح للطمع على الخوف ، لأن المؤمن بين الرجاء والخوف ، ولكنه إذا رأى سعة رحمته - سبحانه - وسبقها ، غلب الرجاء عليه . وفيها تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وهو الاحسان فى القول والعمل .قال مطر الوراق : استنجزوا موعود الله بطاعته ، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين " .هذا ، وكلمة " قريب " وقعت خبراً للرحمة ، ومن قواعد النحو أن يكون الخبر مطابقا للمبتدأ فى التذكير والتأنيث ، فكان مقتضى هذه القواعد أن يقال إن رحمة الله قريبة . وقد ذكر العلماء فى تعليل ذلك بضعة عشر وجها ، منها أن تذكير " قريب " صفة لمحذوف أى أمر قريب ، أو لأن كلمة الرحمة مؤنثة تأنيثا مجازيا ، فجاز فى خبرها التذكير والتأنيث أو لأن الرحمة هنا بمعنى الثواب وهو مذكر فيكون تذكير قريب باعتبار ذلك وقيل غير ذلك مما لا مجال لذكره هنا .وبعد أن بيَّن - سبحانه - أنه هو الخالق للسموات والأرض ، وأنه هو المتصرف الحاكم المدبر المسخر ، وأن رحمته قريبة من المحسنين الذين يكثرون من التضرع إليه بخشوع وإخلاص .

57S07V57

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ

C'est Lui qui envoie les vents comme une annonce de Sa Miséricorde. Puis, lorsqu'ils transportent une nuée lourde, Nous la dirigeons vers un pays mort [de sécheresse], puis Nous en faisons descendre l'eau, ensuite Nous en faisons sortir toutes espèces de fruits. Ainsi ferons-Nous sortir les morts. Peut-être vous rappellerez-vous

Tafsir Al WasitWaseet

بعد كل ذلك تحدث - سبحانه - عن بعض مظاهر رحمته التى تتجلى فى إرسال الرياح ، وإنزال المطر ، وعن بعض مظاهر قدرته التى تتجلى فى بعث الموتى للحساب ، وفى هداية من يريد هدايته وإضلال من يريد ضلالته فقال - تعالى - : ( وَهُوَ الذي يُرْسِلُ . . . ) .قوله - تعالى - : ( وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) معطوف على ما سبق من قوله - تعالى - : ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض ) لبيان مظاهر قدرته ورحمته . وقرأ حمزة والكسائى " الريح " بالافراد :و ( بُشْراً ) - بضم الباس فسكون الشين - مخفف و ( بُشُراً ) - بضمتين - جمع بشير كنذر ونذير ، أى : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق .وقرأ أهل المدينة والبصرة " نشرا " - بضم النون والشين - جمع نشور - كصبور وصبر - بمعنى ناشر من النشر ضد الطى ، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه .وهناك قراءات أخرى غير ذلك .والمعنى وهو - سبحانه - الذى يرسل الرياح مبشرات عباده بقرب نزول الغيث الذى به حياة الناس .وقوله : ( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أى بين يدى المطر الذى هو من أبرز مظاهر رحمة الله بعباده .قال تعالى : ( وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الولي الحميد ) وقال تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ ) قال الإمام الرازى : وقوله : ( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) من أحسن أنواع المجاز ، والسبب فى ذلك أن اليدين يستعملهما العرب فى معنى التقدمة على سبيل المجاز . يقال : إن الفتن تحصل بين يدى الساعة يريدون قبيلها ، كذلك مما حسن هذا المجاز أن يدى الإنسان متقدمة ، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة ، فلما كانت الرياح تتقدم المطر ، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ .وقوله : ( حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ) حتى : غاية لقوله : ( يُرْسِلُ ) . وأقلت : أى حملت . وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى حمله . لأن الحامل لشىء يستقل ما يحمله بزعم أنه ما يحمله قليل .و ( سَحَاباً ) أى : غيما ، سمى بذلك لانسحابه فى الهواء ، وهو اسم جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ، وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع .و ( ثِقَالاً ) جمع ثقيلة من الثقل - كعنب - ضد الخفة . يقال : ثقل الشىء - ككرم - ثقال وثقالة فهو ثقيل وهى ثقيلة .والمعنى : أن الله - تعالى - هو الذى يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث ، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا من كثرة ما فيها من الماء ، سقناه - أى السحاب إلى " بلد ميت " أى إلى أرض لا نبات فيها ولا مرعى ، فاهتزت وربت وأخرجت النبات والمرعة . فأطلق - سبحانه - الموت على الأرض التى لا نبات فيها ، وأطلق الحياة على الأرض الزاخرة بالنبات والمرعى لأن حياتها بذلك .قال - تعالى - : ( والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النشور )وقوله : ( فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء ) أى : فأنزلنا فى هذا البلد الميت الماء الذى يحمله السحاب . فالباء فى ( بِهِ ) للظرفية .وقيل إن الضمير فى ( بِهِ ) للسحاب ، أى : فأنزلنا بالسحاب الماء وعليه فتكون الباء للسببية .وقوله : ( فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات ) أى : فأخرجنا بهذا الماء من كل أنواع الثمرات المعتادة فى كل بلد ، تخرج به على الوجه الذى أجرى الله العادة بها ودبرها .فليس المراد أن كل بلد ميت تخرج منه أنواع الثمار التى خلقها الله ، متى نزل به الماء ، وإنما المراد أن كل بلد تخرج منه الثمار التى تناسب تربته على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه ، إذ من المشاهد أن البلاد تختلف أرضها فيما تخرجه ، وهذا أدل على قدرة الله ، وواسع رحمته .وقوله : ( كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) إشارة إلى إخراج الثمرات ، أو إلى إحياء البلد الميت .أى : مثل ما أحيينا الأرض بعد موتها وجعلناها زاخرة بأنواع الثمرات بسبب نزول الماء عليها ، نخرج الموتى من الأرض ونبعثهم أحياء فى اليوم الآخر لنحاسبهم على أعمالهم ، فالتشبيه فى مطلق الإخراج من العدم . وهذا رد على منكرى البعث بدليل ملزم ، لأن من قدر على إخراج النبات من الأرض بعد نزول الماء عليها ، قادر - أيضا - على إخراج الموتى من قبورهم .وقوله : ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) تذييل قصد به الحث على التدبر والتفكر ، أى : لعلكم تذكرون وتعتبرون بما وصفنا لكم فيزول إنكاركم للبعث والحساب .قال الشيخ القاسمى : " من أحكام الآية كما قال الجشمى : أنها تدل على على عظم نعمة الله علينا بالمطر ، وتدل على الحجاج فى إحياء الموتى بإحياء الارض بالنبات وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر ، وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج النبات بالماء . وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء فأجرى العادة على وجوه دبرها عليها على ما نشاهده ، لضرب من المصلحة دينا ودنيا . . . " .

58S07V58

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ

Le bon pays, sa végétation pousse avec la grâce de son Seigneur; quant au mauvais pays, (sa végétation) ne sort qu'insuffisamment et difficilement. Ainsi déployons-Nous les enseignements pour des gens reconnaissants

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ضرب - سبحانه - مثلا لاختلاف استعداد البشر للخير والشر فقال : ( والبلد الطيب . . ) .( والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ) .أصل النكد : العسر القليل الذى لا يخرج إلا بعناء ومشقة . يقال : نكد عيشه ينكد ، اشتد وعسر . ونكدت البئر : قل ماؤها ، ومنه : رجل نكد ، ونكد وأنكد ، شؤم عسر . وهم أنكاد ومناكيد .وقال فى اللسان : والنكد : قلة العطاء ، قال الشاعر :لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت ، أعطيت تافها نكداأى : عطاء قليلا لا جدوى منه .والمعنى : أن الأرض الكريمة التربة يخرج نباتها وافيا حسنا غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره ، والذى خبث من الأرض كالسبخة منها لا يخرج نباته إلا قليلا عديم الفائدة .فالأول : مثل ضربه الله للمؤمن يقول : هو طيب وعمله طيب .والثانى : مثل للكافر ، يقول : هو خبيث وعمله خبيث ، وفيهما بيان أن القرآن يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض الطيبة التربة ، ولا يثمر فى القلوب التى تشبه الأرض الرديئة السبخة .ونكدا منصوب على أنه حال أو على أنه نعت لمصدر محذوف والتقدير : والذى خبث لا يخرج إلا خروجا نكدا .قال صاحب الكشاف : " وهذا مثل لمن ينجح فيه الوعظ والتذكير من المكلفين ، ولمن لا يؤثر فيه شىء من ذلك . وعن مجاهد : آدم وذريته منهم خبيث وطيب . وعن قتادة : المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به ، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت . والكافر بخلاف ذلك . وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر . وإنزاله بالبلد الميت ، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد "وقريب من معنى الآية الكريمة ما رواه الشيخان عن أبى موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به " .وقوله : ( كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) أصل التصريف : تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح . والآيات : الدلائل الدالة على قدرة الله .أى : مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الايات الدالة على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحة لقوم يشكرون نعمنا ، باستعمالها فيما خلقت له ، فيستحقون مزيدنا منها وإثابتنا عليها .وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد ، بينما عبر فى الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها يتعلق بالاعتبار والاستدلال على قدرة الله - تعالى - فى إحياء الموتى .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - عن عظمة القرآن الكريم وعن وجوب اتباعه ، وعن قصة آدم وما فيها من عبر وعظات ، وعما أحله الله وحرمه ، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات واتهامات ، وعن العاقبة الطيبة التى أعدها الله للصالحين من عباده ، وعن المحاورات التى تدور بيهم وبين أهل النار ، ثم عن مظاهر قدرة الله ، وأدلى وحدانيته .وبعد كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية ، والقرى المهلكة التى جاء ذكرها فى مطلعها .( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ) فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، ثم حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائل .وقد تكلم الإمام الرازى عن فوائد مجىء قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم فى هذه السورة بعد أن تحدثت عن أدلة توحيده وربوبيته - سبحانه - فقال : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد :أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات . ليس من خواص قوم النبى صلى الله عليه وسلم بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة فى جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت ، فكان ذكر قصصهم ، وحكاية إصرارهم وعنادهم ، يفيد تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم وتخفيف ذلك على قلبه .ثانيها : أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن فى الدنيا ، والخسارة فى الآخرة ، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة فى الدنيا ، والسعادة فى الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب المبطلين .وثالثها : التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ، ولكنه لا يهملهم ، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه .ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أمياً . وما طالع كتاباً ولا تتلمذ على أستاذ . فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحى من الله - تعالى - " .

59S07V59

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ

Nous avons envoyé Noé vers son peuple. Il dit: «O mon peuple, adorez Allah. Pour vous, pas d'autre divinité que Lui. Je crains pour vous le châtiment d'un jour terrible»

Tafsir Al WasitWaseet

والآن فلنستمع بتدبر واعتبار إلى السورة الكريمة وهى تحدثنا عن قصة نوح مع قومه فتقول : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا . . ) .تلك هى قصة نوح مع قومه كماوردت فى هذه السورة ، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورة هود ، والمؤمنون ، ونوح وغيرها .وقوله : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ ) جواب قسم محذوف ، أى : والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه فى بدء الجملة .قال الآلوسى : " واطرد استعال هذه اللام مع قد فى الماضى - على ما قال الزمخشرى - وقل الاكتفاء بها وحدها . والسر فى ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التى هي جوابها ، فكانت مظنة لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه ، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد " .وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا .وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة .وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد . قال ابن كثير : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا ، فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم ، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور ، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين : وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له " .وقوله : ( فَقَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ ) حكاية لما وجهه نوح لقومه من إرشادات ، أى : قال لهم بتلطف وأدب تلك الكلمة التى وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم : اعبدوا الله وحده لا شريك له ، فإنه هو المستحق للعبادة ، أما سواه فلا يملك نفعا أو ضرا .وكلمة ( غَيْرُهُ ) قرئت بالحركات الثلاث ، بالرفع على أنها صفة لإله باعتبار محله الذى هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية . وقرأ الكسائى بالجر باعتبار اللفظ ، وقرىء بالنصب على الاستثناء بمعنى ، ما لكم من إله إلا إياه .ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب ، وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال : ( إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) أى : إنى أخاف عليكم إذا ما سرتم فى طريق الكفر والضلال وتركتم عبادة الله وحده عذاب يوم عظيم ، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما موقع الجملتين بع قوله : ( اعبدوا الله ) قلت : الأولى - وهى ما لكم من إله غيره - بيان لوجه اختصاصه بالعبادة ، والثانية وهى - إنى أخاف .. . إلخ - بيان الداعى إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله . واليوم العظيم : يوم القيامة ، أو يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان " .

60S07V60

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ

Les notables de son peuple dirent: «Nous te voyons dans un égarement manifeste»

Tafsir Al WasitWaseet

بهذا الأسلوب المقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية الله . فكيف كان ردهم عليه؟ لقد ردوا عليه ردا سقيما حكاه القرآن فى قوله : ( قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .الملأ : الأشراف والسادة من القوم . سموا بذلك لأنهم يملأون العيون مهابة . وقيل : هم الرجال ليس فيهم نساء . والملأ : اسم جمع لا واحد له من لفظه : كرهط .والجملة الكريمة مستأنفة ، كأنه قيل فماذا قالوا له؟ فقيل : قال الملأ . . . إلخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها الضمير والظرف ، وقيل : بصرية فيكون الظرف فى موضع الحال . أى : قال الأشراف من قوم نوح له عندما دعاهم إلى وحدانية الله : إنا لنراك بأمرك لنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا فى انحراف بين عن طريق الحق والرشاد .يقال : ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة ، أى زل عنه فلم يهتدوا إليه ، وجعلوا الضلال ظرفا له ( فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) مبالغة فى وصفهم له وزادوا فى المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بإن ولام التأكيد .ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية . وهكذا حال الفجار ، إنما يرون الأبرار فى ضلالة ، كقوله - تعالى - : ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ ) ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ) إلى غير ذلك من الآيات .