Tafsir Al Wasit
Waseet
المائدة
Al-Ma'idah
120 versets
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ
Et quant à ceux qui ne croient pas et qui traitent de mensonges Nos versets, ce sont les gens de la Fournaise
Tafsir Al Wasit — Waseet
هذا جزاء الذين سمعوا ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فآمنوا به ، وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم . أما الذين سمعوا فأعرضوا وجحدوا فقد بين - سبحانه - مصيرهم السيء بقوله : ( والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم ) .أي : والذين كفروا وجحدوا الحق الذي جاءهم ، و كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق رسلنا فأولئك أصحاب الجحيم ، أي : النار الشديدة الاتقاد . يقال : جحم فلان النار إذا شدد إيقادها .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت أولئك الذين قالوا إنا نصارى ، لأنهم تأثروا بالقرآن عند سماعه فدخلوا في الدين الحق بسرعة ورغبة ، فأكرمهم الله غاية الإِكرام ، وهذا ينطبق على كل نصراني ينهج نهجهم ، ويسلك مسلكهم ، فيدخل في الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون .أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله وحججه فأولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ
O les croyants: ne déclarez pas illicites les bonnes choses qu'Allah vous a rendues licites. Et ne transgressez pas. Allah, (en vérité,) n'aime pas les transgresseurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم ، وأمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال فقال - تعالى :( ياأيها الذين . . . )قال صاحب المنار بدأ الله - هذه السورة بآيات من أحكام الحلال والحرام والنسك .ثم جاء بهذا السياق الطويل في بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم ، فكان أوفى وأتم ما ورد في القرآن من ذلك ، ولم يتخلله إلا قليل من الأحكام . وهاتان الآيتان وما بعدهما عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك التي بدئت بها السورة .وإنما لم تجعل آيات الأحكام كلها في أول السورة وتجعل الآيات في أهل الكتاب مفصلا بعضها ببعض في باقيها . لما بيناه غير مرة من حكمة مزج المسائل والموضوعات في القرآن من حيث هو مثاني تتلى دائما للاهتداء بها ، لا كتابا فنياً ولا قانونا يتخذ لأجل مراجعه كل مسألة من كل طائفة من المعاني في باب معين .على أن نظمه وترتيب آياته يدهش أصحاب الأفهام الدقيقة بحسنه وتنسيقه كما ترى في مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما مباشرة .ذلك أنه - تعالى - ذكر أن النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا وذكر من سبب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا فكان من مقتضى هذا أن يرغب المؤمنون في الرهبانية ويظن الميالون للتقشف والزهد أنها مرتبة كما تقربهم إلى الله - تعالى - وهي إنما تتحقق بتحريم التمتع بالطيبات . وقد أزال الله - تعالى - هذا الظن وقطع طريق تلك الرغبة بقوله : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ .هذا ، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتيني روايات متعدة منها ما أخرجه الترمذي وابن جرير عن ابن عباس : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أني إذا أكلت انتشرت للنساء ، وأخذتني شهوتي فحرمت على اللحم . فأنزل الله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ ) . الآية .وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال ، كان : أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء ، فنزلت هذه الآية ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ) وعن أبي قلابة قال : أراد أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ، ويتركوا النساء ويترهبوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة . ثم قال : " إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا واستقيموا " قال : ونزلت فيهم ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ ) الآية وعن أبي طلحة عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : نقطع مذاكيرنا ، ونترك شهوات الدنيا ، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم ، فذكرلهم ذلك فقالوا : نعم .فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، و أنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني " .وقد وجه سبحانه النداء للمؤمنين بوصف الإِيمان؛ لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم حتى يمتثلوا أوامر الله ونواهيه .والمراد بقوله : ( لاَ تُحَرِّمُواْ ) : لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم من طيبات بأن تأخذوا على أنفسكم عهدا بعدم تناولها أو الانتفاع بها .فالنيه عن التحريم هنا ليس منصاب على الترك المجرد . فقد ترك الإِنسان بعض الطيبات لأسباب تتعلق بالمرض أو غيره . وإنما هو منصب على اعتقاد أن هذه الطيبات يجب تركها ويأخذ الشخص على نفسه عهدا بذلك .والمراد بالطيبات : الأشياء المستلذة المستطابة المحللة التي تقوى بدن الإِنسان وتعينه على الجهاد في سبيل الله ، من طعام شهى ، وشراب سائغ . وملبس جميل .والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ، لا تحرموا على أنفسكم شياً من الطيبات التي أحلها الله لكم ، فإنه - سبحانه - ما أحلها لكم إلا لما فيها من منافع وفوائد تعينكم على شئون دينكم ودنياكم .وقوله : ( وَلاَ تعتدوا ) تأكيد للنهي السابق . والتعدي معناه : تجاوز الحدود التي شرعها الله - تعالى - عن طريق الإِسراف أو عن طريق التقتير . أو عن طريق الاعتداء على حق الغير أو عن طريق يخالف ما شرعه الله - تعالى - .وقوله : ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ) في موضع التعليل لما قبله .أي : لا تحرموا - أيها المؤمنون - على أنفسكم ما أحله الله لكم من طيبات ولا تتجاوزوا حدوده بالإِسراف . أو بالتقتير أو بتناول ما حرمه عليكم فإنه - سبحانه - لا يحب الذين يتجاوزون حدود شريعته ، وسنن فطرته . وهدى نبيه صلى الله عليه وسلم .
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ
Et mangez de ce qu'Allah vous a attribué de licite et de bon. Craignez Allah, en qui vous avez foi
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن نهى - سبحانه - عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها فقال : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ) .والأمر في قوله ( وَكُلُواْ ) للإِباحة . وقيل إنه للندب . ويرى بعضهم أنه للوجوب لأن من الواجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله - تعالى - تركا مطلقاً لأن هذا الترك يكون من باب تحريم ما أحله الله .أي : وكلوا - أيها المؤمنون - من الرزق الحلال الطيب الذي رزقكم الله إياه ، وتفضل عليكم به ( واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون ) بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ، وتلتزموا في مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شئونكم حدود شريعته ، وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم .والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التي أحلها الله ، فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا ، وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه - سبحانه - من متعة طيبة تميل إليها النفوس وتشتهيها .وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل ، لأنه أعظم أنواع المتع ، وأهم ألوان منافع الإِنسان التي عليها قوام حياته .وقد زكى - سبحانه - طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها : أنه جعله مما رزقهم إياه ، وأنه وصفه بكونه حلالا وليس محرما ، وبكونه طيباً وليس خبيثاً .والمأكول أو المشروب أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه بارتياح وطمأنينة واجتهدت في الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى .قال الآلوسي : قوله : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً ) أي : كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله - تعالى - فحلالا مفعول به لكلوا . و ( مِمَّا رَزَقَكُمُ ) حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالا . والآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التوكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك .وقوله : ( واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون ) استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن .والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى . وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى .وقال القرطبي : قال علماؤنا : في هذه الآية وما شابهها ، والأحاديث الواردة في معناها ، رد على غلاة المتزهدين ، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين ، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه .قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح . ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده ، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته ، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون .وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال له ولم؟ قال : يقول ، لا يؤدي شكره . فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد؟ قال : نعم . فقال الحسن : إن جارك جاهل ، فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج .والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم ، وتأمرانهم بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير مع خشيتهم لله - تعالى - وشكره على ما وهبهم من نعم .وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدي إلى ضعف العقول والأجسام ، والإِسلام يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء في عقولهم وفي أجسامهم وفي سائر شئونهم ، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف - كما جاء في الحديث الشريف .ولأن دين الإِسلام ليس دين رهبانية ، وفي الحديث الشريف " إن الله لم يبعثني بالرهبانية " وإنما دين الإِسلام دين عبادة وعمل ، فهو لا يقطع العابد عن الحياة ، ولكنه يأمره أن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها .وإن التفاصيل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس ، وسلامة العقبادة وكثرة إيصال النفع للناس . ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا ، وتحريم طيباتها التي أحلها الله - تعالى .وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين الكريمتين .أما الآيات فمنها قوله - تعالى - ( يابني ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ) ومنها قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال : " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسأولن عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها - أي عدوها قليلة - فقالوا : وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً .فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له . لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد؛ وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .ورحم الله الحسن البصري فقد قال : إن الله - تعالى - أدب عباده فأحسن أدبهم فقال - تعالى - ( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ) ما عاب قوما ما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه .فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات التي أحلها الله له ، وأن يتمتع بها بدون إسراف أو تقتير ، وأن يداوم على شكر الله على نعمه وآلائه ، وأن يجعل جانباً من هذه النعم للإحسان إلى الفقراء والمحتاجين .قال الفخر الرازي : لم يقل - سبحانه - : وكلوا ما رزقكم الله ، ولكن قال : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ) وكلمة " من " للتبعيض . فكأنه قال : اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الإِسراف كما قال : ( وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ) ثم بين - سبحانه - كفارة اليمين ، وأمر المؤمنين بحفظ إيمانهم فلا يكثروا منها ، فقال - تعالى - .( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو . . . )
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
Allah ne vous sanctionne pas pour la frivolité dans vos serments, mais Il vous sanctionne pour les serments que vous avez l'intention d'exécuter. L'expiation en sera de nourrir dix pauvres, de ce dont vous nourrissez normalement vos familles, ou de les habiller, ou de libérer un esclave. Quiconque n'en trouve pas les moyens devra jeûner trois jours. Voilà l'expiation pour vos serments, lorsque vous avez juré. Et tenez à vos serments. Ainsi Allah vous explique Ses versets, afin que vous soyez reconnaissants
Tafsir Al Wasit — Waseet
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ) في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم : قالوا يا رسول الله . كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله - تعالى - قوله : ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) الآية واللغو من الكلام - كما يقول الراغب : ما لا يعتد به منه ، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور . وقد يسمي كل قبيح لغو . قال - تعالى - ( وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ) ولغو اليمين . أن يحلف الحالف على شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك .ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذي يجري على اللسان بدون قصد ، كقولك لا والله ويلي والله .وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه . واللغو في اليمين هو قول الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله وبلى والله وهو مذهب الشافعي . وقيل هو في الهزل . وقيل في المعصية : وقيل على غلبة الظن وهو قول أبي حنيفة وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله : ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) .وقولهك ( عَقَّدتُّمُ ) من العقد وهو الجميع بين أطراف الشيء لتوثيقه وهو نقيض الحل : وقرأ حمزة والكسائي ( عَقَّدتُّمُ ) بالتخفيف . وقرأ ابن عامر " عاقدتم " .ولمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية .والمعنى : لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو في اليمين وهو ما يجري على ألسنتكم بدون قصد . ولكن يؤاخذكم بالعقوبة في الآخرة أو بوجوب الكفارة بتعيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية ، إذا حنثتم فيها ، بأن تعمدتم الكذب في إيمانكم .فالمراد بعدم المؤاخذة في قوله ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ) : عدم المعاقبة في الدنيا بالكفارة ولا في الآخرة بالعقوبة .والمراد بالمؤاخذة في قوله : ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) : العقوبة الأخروية عند جمهور الفقهاء ويرى الشافعي أن المراد بها الكفارة التي تجب على الحانث .وقوله ( في أَيْمَانِكُمْ ) متعلق باللغو . وما في قوله ( بِمَا عَقَّدتُّمُ ) مصدرية أي : ولكن يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها . ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف . أي ولكن يؤاخذكم بالذي عقدتم الأيمان عليه .وقوله : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) بيان لكيفية الكفارة والضمير في قوله : فكفارته يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يرج له ذكر .أي : فكفارة الحنث . ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث في يمينه فيكون المعنى : فكفارة الحالف إذا حنث في يمينه إطعام عشرة مساكين لأن الشخص الحانث في يمينه هو الذي يجب عليه التكفير عن حنثه .والكفارة من الكفر بمعنى الستر ، وهي اسم للفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي تسترها وتمحوها ، لأن الشيء الممحي يكون كالشيء المستور الذي لا يرى ولا يشاهد .وكلمة ( أَوْسَطِ ) يرى بعضهم أنها بمعنى الأمثل والأحسن . لأن لفظ الأوسط كثيراً ما يستعمل بهذا المعنى ومنه قوله - تعالى ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ) أي : قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظراً .ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى المتوسط لأن هذا هو الغالب في استعمال هذه الكلمة ، أي يطعمهم لا من أفخر أنواع الطعام ولا من اردئه ولكن من الطعام الذي يطعم منه أهله في الغالب .والمعنى : لقد تفضل الله عليكم - أيها المؤمنون - بأن رفع عنكم العقوبة والكفارة في الأيمان اللغو ، ولكنه - سبحانه - يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها إذا ما حنثتم فيها ومتى حنث أحدكم في يمينه ، فمن الواجب عليه لتكفير هذا اليمين ومحو إثمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما يكون من متوسط ما يطعم منه أهله في الجودة والمقدار ، أو أن يكسو هؤلاء المساكين العشرة كساء مناسبا ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله حراً .قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ ) مبتدأ وخبر .وقوله : إطعام مصدر مضاف لمفعوله ، وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل أي فكفارته أن يطعم الحانث عشرة ، وفاعل المصدر يحذف كثيراً .وقوله : ( مِنْ أَوْسَطِ ) في محل نصب مفعول ثان لإطعام؛ ومفعوله الأول عشرة أي : فكفارته أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون أهليكم . . وقوله : ( مَا تُطْعِمُونَ ) مفعوله الأول : أهليكم ، ومفعوله الثاني : محذوف أي : " تطعمونه إهليكم " .فأنت ترى أن الله - قد خبر الحانث في يمينه بين أمور ثلاثة يختار إحداها ، فإذا لم يستطع إحداها ، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ) .أي : فمن لم يجد ما يكفر حنثه في يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة فعليه حينئذ أن يصوم ثلاثة أيام ، تطهيرا لنفسه ، وتكفيرا عن ذنبه ، وتقوية لإرادته وعزيمته .واسم الإِشارة في قوله : ( ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) يعود إلى المذكور من الإِطعام والكساء وتحرير الرقبة والصوم .أي : ذلك الذي شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها ، وخالفتم طريق الحق الذي أمركم الله تعالى باتباعه .وقوله : ( واحفظوا أَيْمَانَكُمْ ) أمر من الله تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم عن الحنث في أيمانهم ، وعن الإِكثار منها لغير ضرورة ، فإن الإِكثار من الحلف بغير ضرورة يؤدي إلى قلة الحياء من الله تعالى . كما أن الحلف الكاذب يؤدي إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له .وقوله : ( كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) تذييل قصد به التذكير بنعم الله حتى يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل .أي : مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه والفلاح ، يبين الله لكم آياته المشتملة على الأحكام الميسرة ، والتشريعات الحكيمة ، والهدايات الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر الله وطاعته ، وتواظبون على خشيته ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها . أي : لا عقوبة عليها في الآخرة ولا كفارة لها في الدنيا لقوله تعالى : ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ) .ونعني بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا والله وبلى والله .ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو لذلك؛ لأن الإِكثار من الحلف يسقط مهابة الإِنسان ، وقد يفضي به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التي شرعها الله .قال تعالى : ( وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) 2 - أن اليمين التي يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها ، يستحق صاحبها العذاب الشديد من الله - تعالى - ، وهي التي يسميها الفقهاء باليمين الغموس ، أي التي تغمس صاحبها في النار - تعالى - ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) .أيِ : بما صممتم عليه منها وقصدتموه وأنتم حانثون فيها .قال القرطبي ما ملخصه : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر؟ قال : " الإِشراك بالله . قال : ثم ماذا؟ قال : عقوق الوالدين . قال : ثم ماذا؟ قال : اليمين الغموس " قلت : وما اليمين الغموس؟ قال : التي يقتطع بها مال أمرئ مسلم وهو كاذب فيها " .وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقطتع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة . فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم : وإن كان قضيبا من أراك " .وقد اختلف في اليمين الغموس فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها . لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب ، واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين بالله . فأهان ما عظمه الله ، وعظم ما حقره الله ، ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا ، لأنها تغمس صاحبها في النار .وقال الشافعي : " هي يمين منعقدة ، لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، مقرونة باسم الله - تعالى - ، وفيها الكفارة .والصحيح الأول : وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي والثوري وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة .3 - أن ( أو ) في قوله - تعالى : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) للتخيير .أي : أن الحالف إذا حنث في يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر عن يمينه التي حنث فيها . وهذه الثلاثة هي الإِطعام أو الكسوة ، أو عتق الرقبة . فإّا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم .قال الفخر الرازي : وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعا فالوجب شيء آخر وهو الصوم .ومعنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإِتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها جميعا . ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة . فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير .وللعلماء أقوال متعددة في الإِطعام المطلوب لكفارة اليمين .قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) لابد عندنا - أي المالكية - وعند الشافعي من تمليك ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه .وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز . والأوسط هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين - أي يطعمهم من غالب الطعام الذي يطعم منه أهله لا من أدناه حتى لا يبخس المساكين حقهم ولا من أعلاه حتى لا يتكلف ما يشق عليه - .والإِطعام عند مالك : مد لكل واحد من المساكين العشرة . وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير صاعا . أي يخرج ما يجب في صدقه الفطر .ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعي ، لأن الله - تعالى - نص على العشرة فلا يجوز العدول عنهم ، وأيضاً فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا ، فيتفرغون فيه لعبادة الله ولدعائه ، فغفر للمكفر بسبب ذلك .وقال أبو حنيفة : يجزئه - أي : إذا أطعم واحد عشر مرات أغني عن إطعام العشرة - لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم ، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ذلك .قال الشافعي : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة - من قميص أو سراويل - أجزأه ذلك .وقال مالك وأحمد : لابد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه ، إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه .وقال أبو حنيفة : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار .ولا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة عند الشافعي .وقال أبو حنيفة : تجزئ القيمة ، لأن الغرض سد حاجة المحتاج ، وقد تكون القيمة أنفع له .والنوع الثالث الذي به تكون كافرة اليمين : تحرير رقبة أي : إعتاقها من الرق ، والمراد بالرقبة جملة الإِنسان .قال الرازي : المراد بالرقبة : الجملة قيل : الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كانت تجمع يداه إلى رقبته بحبل . فإذا أطلق حل ذلك الحبل . فسمى الإِطلاق من الرقبة فك الرقبة . ثم جرى ذلك على العتق . وقد أخذ بإطلاقها أبو حنيفة فقال : تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة . وقال الشافعي وآخرون : لابد أن تكون مؤمنة .فإن قيل : أي فائدة في تقديم الإِطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة؟ قلنا له وجوه .أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب ، لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ .وثانيها : قدم الإِطعام لأنه أسهل ، لكون الطعام أعم وجودا ، والمقصود منه التنبيه على أنه - تعالى - يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف .وثالثها : أن الإِطعام أفضل ، لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر . أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته .4 - يرى مالك والشافعي أن قوله : تعالى : ( فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ) يصدق على الصيام المتتابع والمتفرق ، فلو صام الحالف ثلاثة أيام متفرقة أجزأه ذلك ، لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما .ويرى أبو حنيفة وأحمد صوم الثلاثة أيام متتابعة ، فقد قرأ أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما .وقال ابن كثير : واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ويجزئ التفريق؟ قولان :أحدهما : لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان . وهو قول مالك ، لإِطلاق قوله : ( فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ) وهو صادق على المجموعة والمفرقة كما في قضاء رمضان لقوله : ( فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع كما هو مذهب الحنفية والحنابلة لأنه قد روى عن أبي بن كعب وغيره أنه كان يقرؤها " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود . وهذه ، أيام لم يثبت كونها قرآنا متواترا فلا أقل من أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة وهو في حكم المرفوع .وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة يا رسول الله نحن بالخيار؟ قال : أنت بالخيار . إن شئت أعتقت . وإن شئت كسوت . وإن شئت أطعمت .فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات .ويبدو لنا أن الصيام المتتابع أفضل ، لأن قراءة أبي وحديث حذيفة يزكيانه ، ولأنه رأى عدد كبير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود .5 - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ) . . . إلخ . أن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث؛ لأن السبب في الكفارة هو الحنث ، وم ادام لم يتحقق فإن لا كفارة .وقال آخرون يجوز أن تتقدم الكفارة عند نية الحنث ، وتقوم النية مقام الحنث بالفعل .وقد تكلم عن هذه المسألة الإِمام القرطبي فقال ما ملخصه : اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث أتجزئ أم لا على ثلاثة أقوال :أحدها : يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة وعشرين من الصحابة ، وجمهور الفقهاء ، وهو مشهور مذهب مالك ، فقد قال أبو موسى الأشعري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير " رواه وأخرجه أبو داود .ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة ، لقوله - تعالى ( ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها . وأيضاً بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث .وثانيها : قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزئ بوجه لما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير - زاد النسائي - وليكفر عن يمينه "ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هو لرفع الإِثم ، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها . وأيضاً فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات .وثالثها : قال الشافعي : تجزئ بالإِطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم؛ لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته . ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة .6 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ( واحفظوا أَيْمَانَكُم ) أن من الواجب على المؤمن أن يقلل من الأيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة ، وأن يحرص على أن يكون صادقا فيها حتى لا يحتاج إلى التفكير عنها؛ وأن يبادر إلى التفكير عنها إذا كانت المصلحة تستدعي الحنث فيها ، لما سبق أن ذكره القرطبي من حديث أبي موسى الأشعري وحديث عدي بن حاتم .ولما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يا عبد الرحمن بن سمرة ، لا تسأل الإِمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وأن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها . وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير " .هذا " وقد ساق صاحب المنار في نهاية تفسيره لهذه الآية بحوثا تتعلق بالأيمان فقال ما ملخصه :( أ ) لا يجوز في الإِسلام الحلف بغير الله تعالى - وأسمائه وصفاته ، لما رواه الشيخان من حديث ابن عمر : " من كان حالفا لا يحلف إلا بالله " ورويا عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يحلف بأبيه فقال : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " .روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن ابن عمر أيضا قال : كان أكثر ما يحلف به النبي صلى الله عليه وسلم يحلف : " لا ومقلب القلوب " .وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في حظر الحلف بغير الله ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عموم غير الله وكذلك الكعبة وسائر ما هو معظم شرعا تعظيما يليق به .( ب ) ثم قال ويجوز الحنث للمصلحة الراجحة فقد روى الشيخان وأحمد عن عبد الرحمن بن سمرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك وفي رواية فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير " .وينقسم الحلف باعتبار المحلوف عليه إلى أقسام :1 - أن يحلف على فعل واجب وترك حرام ، فهذا تأكيد لما كلفه الله إياه فيحرم الحنث ويكون إثمه مضاعفا .2 - إن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم ، فهذا يجب عليه الحنث ، لأنه يمين معصية على ترك فريضة من الفرائض ، أو حق من الحقوق الواجبة عليه .3 - أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه ، فهذا طاعة فيندب له الوفاء ويكره الحنث كذا قال بعضهم . والظاهر وجوب الوفاء كما قالوا في النذر .4 - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه ، فيستحب له الحنث ويكره التمادي كذا قالوا . وظاهر الحديث وجوب الكفارة والحنث مطلقا .5 - أن يحلف على ترك مباح وقد اختلفوا فيه : فقال ابن الصباغ : إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال .أي أن الحالف يوازن بين مقدار الضرر الذي سيترتب على الاستمرار في الترك ، والخير الذي يجلبه الحنث ، فإن رجح أحدهما مضى فيه .( ج ) - ثم قال : وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية : الأيمان - بحسب صيغتها وأحكامها ثلاثة أقسام :أحدها : ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات كالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء ونحو ذلك ، فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء بلهي منهى عنها باتفاق أهل العلم والنهي نهي تحريم في أصح الأقوال . ففي الحديث : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "الثاني : اليمين بالله كقول القائل : والله لأفعلن كذا . فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين .الثالث : أيمان المسلمين التي هي في معنى الحلف بالله ، ومقصود الحالف بها تعظيم الخالق لا الحلف بالمخلوقات كالحلف بالنذر والطلاق والعتاق كقوله إن فعلت كذا فعلى صيام شهر أو الحج إلى بيت الله .فهذه الأيمان للعلماء فيها أقوال أظهرها أنه إذا حنث فيها لزمته كافارة يمين كما قال - تعالى - ( ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) وقال تعالى ( قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) ( د ) ثم ختم صاحب المنار مباحثه بقوله : واليمين الغموس التي يهضم بها الحق أو يقصد بها الغش والخيانة ، لن يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام ، بل لابد من التوبة وأداء الحقوق والاستقامة . قال - تعالى - ( وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ما حنثوا في إيمانهم ، وحضتهم على حفظ أيمانهم ، لكي ينالوا من الله - تعالى - الرضا والفلاح .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ
O les croyants! Le vin, le jeu de hasard, les pierres dressées, les flèches de divination ne sont qu'une abomination, œuvre du Diable. Ecartez-vous en, afin que vous réussissiez
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن نهى الله المؤمنين عن تحريم ما أحله لهم ، وأمرهم بأن يتمتعوا بما رزقهم من خير بدون إسراف أو تقتير ، وبين لهم حكم ما عقدوه من أيمان بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء ثانيا إليهم بين لهم فيه مضار الخمر وأشباهها من الرذائل ، وأمرهم باجتنابها ، فقال تعالى :( ياأيها الذين آمَنُواْ . . . )قال الفخر الرازي : اعلم أن هذا النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع - فقد امر الله المؤمنين بعدم تحريم الطيبات ثم بين حكم الأيمان المنعقدة .ووجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه - تعالى - قال فيما تقدم : ( لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ) إلى قوله : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً ) ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر ، لا جرم أنه - تعالى - بين أنهما غير داخلين في المحلات بل في المحرمات .والخمر - بمعنى المصدر - هو الستر ، ولذلك يقال لما يستر به الرأس عند النساء خمار . والخمر - بمعنى الاسم - ما يخمر العقل ويستره ، ويمنعه من التقدير السليم :قال القرطبي : والخمر مأخوذة من خمر ، إذا ستر ، ومن خمار المرأة لأنه يستر وجهها . وكل شيء غطى شيئاً فقد خمره . ومنه : خمروا آنيتكم أي : غطوها .وقيل : إنما سميت الخمر خمراً ، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر العجين ، أي : بلغ إدراكه ، وخمر الرأي ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه .وقيل : إنما سميت الخمر خمراً ، لأنها تخالط العقل . من المخامرة وهي المخالطة . ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أي : اختلطت بهم . فالمعاني الثالثة متقاربة ، فالخمر تركت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته والأصل الستر .والميسر : القمار - بكسر القاف - وهو في الأصل مصدر ميمي من يسر كالموعد من وعد . وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجيء للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ، ثم أصبح علما على كل ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه .قال القرطبي : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضوع التجزئة . وكل شيء جزأته فقد يسرته . والياسر : الجازر ، لأنه يجزئ لحم الجزور . ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك .والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجيء بطريق الحظ المبني على المصادفة فاللعب بالنرد على مال يسمى قماراً ، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قماراً وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبني على المصادفة .وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل . فالعمل في ذاته حرام ، والكسب عن طريقه حرام .والأنصاب : جمع نصب ، وتطلق على الأصنام التيك انت تنصب للعبادة لها أو على الحجارة التي كانت تخصص للذبح عليها تقرباً للأصنام .والأزلام : جمع زلم . وهي السهام التي كانوا يتقاسمون بها الجزور أو البقرة إذا ذبحت فسهم عليه واحد ، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة . أو هي السهام التي كانوا يكتبون على أحدها : أمرني ربي وعلى الآخر نهاني ربي ، ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفراً أو حرباً أو زواجاً أو غير ذلك ، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها ، فإن خرج أمرني ربي أقدموا على ما يرونه ، وإن خرج نهاني ربي أمسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي .وقد نهى الله - تعالى - في إوائل هذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ ) وقوله : ( رِجْسٌ ) أي قذر تأباه النفوس الكريمة والعقول السليمة لقذارته ونجاسته .قال الفخر الرازي : والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجسا إذا عمل عملا قبيحا : وأصله من الرجس - بفتح الراء - وهو شدة الصوت . يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد . فكأن الرجس هو العمل الذي يكون قوى الدرجة كامل الرتبة في القبح .وقد ذكرالمفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت في آيات من القرآن ، وفيه قال . وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمراً وذلك قبل أن تحرم الخمر - قال فأتيتهم في حش - أي بستان - فإذا رأس جزور مشوى عندهم وزق من خمر قال : فأكلت وشربت معهم . قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار . قال . فأخذ رجل - من الأنصار - لحي جمل فضربني به فجرح أنفي ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ) . . الآيات .ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار . شربوا حتى ثملوا ، فعبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا ، وجعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول : فعل هذا بي أخي فلان - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن - والله لو كان بي رءوفاً رحيما ما فعل بي هذا ، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله : ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر ) إلى قوله : ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) .والمعنى : ( ياأيها الذين آمَنُواْ ) إيمانا حقا . إنما تعاطي ( الخمر ) أي : الشراب الذي يخامر العقل ويخالطه ويمنعه من التفكير السليم ( والميسر ) أي القمار الذي عن طريقه يكون تمليك المال بالحظ المبني على المصادفة والمخاطرة ( والأنصاب ) أي : الحجارة التي تذبح عليها الحيوانا تقربا للأصنام . ( والأزلام ) أي : السهام التي عن طريقها يطلب الشخص معرفة ما قسم له من خير أو شر . هذه الأنواع الأربعة ( رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان ) أي : مستقذرة تعافها النفوس الكريمة ، وتأباها العقول السليمة ، لأنها من تزيين الشيطان الذي هو عدو للإِنسان ، ولا يريد له إلا ما كان شيئا قبيحاً .قال - تعالى - : ( الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ) والفاء في قوله ( فاجتنبوه ) للإِفصاح ، والضمير فيه يعود على الرجس الذي هو خبر عن تلك الأمور الأربعة وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام .أي : إذا كان تعاطي هذه الأشياء الأربعة رجسا وقذر ينأى عنه العقلاء فاجتنبوه لعلكم بسبب هذا الاجتناب والترك لذلك الرجس تنالون الفلاح والظفر في دنياكم وآخرتكم .والنداء بقوله : ( ياأيها الذين آمَنُواْ ) عام لجميع المؤمنين ، وقد ناداهم - سبحانه - بهذه الصيغة لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم حتى يستجيبوا لما نودوا من أجله ، وهو اجتناب تلك الرذائل وتركها تركا تاماً .وقوله : ( رجس ) خبر عن هذه الرذائل الأربعة . وصح الإِخبار به - مع أنه مفرد - عن متعدد هو هذه الأربعة ، لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير وشبيه بذلك قوله - تعالى - ( إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ) وقيل : لأنه خبر عن الخمر ، وخبر المعطوفات عليها محذوف ثقة بالمذكور .وقيل : لأن الكلام مضافا إلى تلك الأشياء ، وهو خبر عنه . أي : إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس .وقوله : ( مِّنْ عَمَلِ الشيطان ) في محل رفع على أنه صفة لقوله : ( رِجْسٌ ) أي : رجس كائن من عمل الشيطان ، لأنه ناجم عن تزيينه وتسويله ، إذ هو خبيث والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث فالمراد من إضافة العمل إلى الشيطان المبالغة في كمال قبح ذلك العمل .وعبر بقوله : ( فاجتنبوه ) للمبالغة في الأمر بترك هذه الرذائل ، فكأنه سبحانه يقول لا آمركم فقط بترك الرذائل ، بل آمركم أيضاً بأن تكونوا أنتم في جانب وهذه المنكرات في جانب آخر . فالأمر هنا نمصب على الترك وعلى كل ما يؤدي إلى اقتراف هذه المنكرات كمخالطة المرتكبين لها . وغشيان مجالسها . إلخ .