Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Ma'idah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

المائدة

Al-Ma'idah

120 versets

Versets 7175 sur 120Page 15 / 24
71S05V71

وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ

Comptant qu'il n'y aurait pas de tentation contre eux, ils étaient devenus aveugles et sourds. Puis Allah accueillit leur repentir. Ensuite, beaucoup d'entre eux redevinrent aveugles et sourds. Et Allah voit parfaitement ce qu'ils font

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع ما فعلوه مع رسلهم من التكذيب والقتل لم ينزجروا ، ولم يندموا . . . بلغ بهم الغرور والسفه أنهم ظنوا أن ما فعلوه شيئاً هينا وأنه لن يكون له أثر سيء في حياتهم . فقال - تعالى - ( وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) .وقوله : ( وحسبوا ) معطوف على قوله ( كَذَّبُواْ ) وهو من الحسبان بمعنى الظن : وقوله : ( فِتْنَةٌ ) من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لتظهر جودته . والمراد بها هنا : الشدائد والمحن والمصائب التي تنزل بالناس .والمعنى إن بني إسرائيل قد أخذنا عليهم العهد المؤكد ، وأرسلنا إليهم الرسل لهدايتهم ، فكان حالهم أنهم كذبوا بعض الرسل ، وقتلوا البعض الآخر . ولم يكتفوا بهذا بل ظنوا - لسوء أعمالهم وفساد قلوبهم واستيلاء الغرور والتكبر على نفوسهم - أنهم لن يصيبهم بلاء ولا عقاب بتكذيبهم للرسل وقتلهم لهم فأمنوا عقاب الله وتمادوا في فنون البغي والفساد وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية ( ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ) أي : قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد ( ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ) أي : ثم نكسوا على رءوسهم مرة أخرى فعادوا إلى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على هداتهم ، إلا عددا قليلا منهم بقي على إيمانه وتوبته فأنت ترى أن الآية الكريمة مسوقة لبيان فساد معتقدات بني إسرائيل وما جبلت عليه نفوسهم من جحود وغرور .حيث ارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم ومنكرات تقشعر لها الأبدان ومع كل ذلك حسبوا أن الله - تعالى - لا يعاقبهم عليها ، لأنهم - كما يزعمون - أبناء الله وأحباؤه . ثم إنهم بعد أن تاب الله عليهم نقضوا عهودهم معه وعادوا إلى أعمالهم عن الدين الذي جاءتهم به رسلهم وإلى صممهم عن الاستماع إلى الحق الذي ألقوه إليهم .وقوله : ( أَلاَّ تَكُونَ ) قراءة أبو عمر والكسائي وحمزة بضم النون على اعتبار " أن " هي المخففة من الثقيلة ، وأصله أنه لا تكون فتنة . فخفف ( أن ) وحذف ضمير الشأن - وهو اسمها - وحسبوا على هذه القراءة بمعنى علموا .وتعليق فعل الحسبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم .وقراءة الباقون بفتح النون على اعتبار أن " أن " ناصبة لتكون . وحسب على هذه القراءة على بابها من الشك والظن .وسد مسد مفعولي حسب على القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند والمسند إليه وهو ( أن ) وما في حيزها .وقوله ( فعموا ) معطوف على ( حسبوا ) وجيء بالفاء التي للسببية للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها .أي أن عماهم عن الطريق القويم وصمم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد ، واعتقادهم الباطل أن ما ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه في الدنيا .ومن بديع إيجاز القرآن الكريم أومأ إلى عدم اهتمامهم بمصيرهم في الآخرة ببيان أن ظنهم لن تنزلبهم مصائب في الدنيا يسبب مفاسدهم ، هذا الظن هو الذي جعلهم يرتكبون ما يرتكبون من قبائح . . أما الآخرة فلا مكان لها في تفكيرهم ، لأنهم قوم تعساء يحرصون على الدنيا حرصا شديداً دون أن يعيروا الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب أي اهتمام .وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان وتغلب عليها حب الشهوات وضعف الوازع الديني في نفوس أفرادها . إنهم في هذه الحالة يصير همهم مقصوراً على تدبير شئون دنياهم ، فإذا ما وجدوا فيها مأكلهم وشربهم وملذاتهم اغمضوا أعينهم عن آخرتهم ، بل وربما استهانوا وتهكموا بمن يذكرهم بها فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعاسة .وجيء بحرف العطف ( ثم ) المفيد للتراخي في قوله ( ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ) للإِشارة إلى أن قبول توبتهم كان بعد مفاسد عظيمة وقعت منهم أي : ثم تاب الله عليهم بعد أن كان منهم ما كان من منكرات وجرائم وإعرا عن الرشد والهدى .وقوله ( ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ) بيان لنقضهم لعهودهم مع الله ، وارتكاسهم في الذنوب والخطايا والمنكرات . ارتكاسا شديد بحيث صاروا ليسوا أهلا لقبول التوبة منهم بعد ذلك .أي : بعد أن قبل الله توبتهم من جرائمهم المنكرة . عادوا إلى الانتكاس مرة أخرى فوقعوا في الذنوب والجرائم بإصرار وعناد فأصابهم ما أصابهم من عقوبات لم يتب الله عليهم بعدها .وقوله ( كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ) بدل من الضمير في قوله ( عَمُواْ وَصَمُّواْ ) وهذا الإِبدال في غاية الحسن . لأنه لو قال ( عَمُواْ وَصَمُّواْ ) بدون هذا البدل لأوهم ذلك أنهم جميعا صاروا كذلك فلما قال ( كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ) دل على أن العمى والصمم قد حدث للكثيرين منهم ، وهناك قلة منهم لم تنقض عهودها مع الله - تعالى - بل بقيت على إيمانها وصدق توبتها .وهذا - كما قلنا مرارا - من إنصاف القرآن للناس في أحكامه ، وقدته في ألفاظه ، واحتراسه فيما يصدر من أحكامه .وقوله : ( والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون ) تذييل قصد به بطلان حسبانهم المذكور ، والبصير مبالغة في المبصر وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يكون منهم من أعمال سواه أبصرها الناس أم لم يبصروها .والمقصود من هذا الخبر لازم معناه ، وهو الإِنذار والتذكير بأن الله لا يخفى عليه شيء . وسيحاسبهم على أعمالهم .أي : والله - تعالى - عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شيء دون أن تخفى عليه خافية ، والصمم الذي أصابهم بعد ذلك و قد أجمل الإِمام الرازي كلامهم فقال :والآية تدل على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين . واختلف المفسرون في المراد بهايتن المرتين على وجوه :الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى - عليهم السلام - ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإِيمان : ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم بأن أنكروا نبوته ، وقلة منهم هي التي آمنت به .الثاني : المراد أنهم عموا وصموا حيث عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلبهم رؤية الله جهرة .الثالث : قال القفال : ذكر الله - تعالى - في سورة الإِسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال : ( وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها هذا التحديد غير مقنع .ولعل أحسن منه أن نقول : إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة ، وطبائع معوجة ، ومن نقض للعهود والمواثيق . فهم أخذ الله عليهم العهود فنقضوها ، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم وظنوا أن عدوانهم هذا شيء هين ولن يصيبهم بسببه عقاب دنيوي ، فلما أصابهم العقاب الدنيوي كالقحط والوباء والهزائم . بسبب مفاسدهم ، تابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه ، فعادوا إلى عماهم وصممهم - إلا قليلا منهم - ، وارتكبوا ما ارتكبوا من منكرات بتصميم وتكرار فأصابهم - سبحانه - بفتن لم يتب عليهم منها . ( وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وبعد أن بين - سبحانه - أنماطا من قبائح اليهود ومن صفاتهم الذميمة شرع في بيان قبائح النصارى وضلالاتهم وأرشدهم إلى طريق الحق والصواب ، وحذرهم من السير في طريق الغواية والعناد فقال - تعالى :( لَقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ . . . )

72S05V72

لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ

Ce sont, certes, des mécréants ceux qui disent: «En vérité, Allah c'est le Messie, fils de Marie.» Alors que le Messie a dit: «O enfants d'Israël, adorez Allah, mon Seigneur et votre Seigneur». Quiconque associe à Allah (d'autres divinités,) Allah lui interdit le Paradis; et son refuge sera le Feu. Et pour les injustes, pas de secoureurs

Tafsir Al WasitWaseet

قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود ، شرع ههنا في الكلام مع النصارى ، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم .وهذا هو قول اليعقوبية؛ لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون : إن الله - تعالى - حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى .واللام في قوله : ( لَقَدْ كَفَرَ ) واقعة جواباً لقسم مقدر .والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره والانغماس في الباطل والضلال .أي : اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم .وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم المقدر؛ لأنهم غالوا في إطراء عيسى وفي وضعه في غير موضعه كما غالت اليهود في الكفر به وفي وصفه بالأوصاف التي هو برئ منها .ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى في الرد على من جعلوه إلها فقال : ( وَقَالَ المسيح يابني إِسْرَائِيلَ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) .أي : وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية : يا بني إسرائيل اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً ، فهو ربي الذي خلقني وتهدني بالتربية والرعاية ، وهو ربكم - أيضاً - الذي أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات .والواو في قوله : ( وَقَالَ المسيح ) للحال . والجملة حالية من الواو التي هي فاعل ( قالوا ) .أي : قالوا ما قالوا ، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه . وقال لبني إسرائيل حين إرساله إليهم : اعبدوا الله ربي وربكم .وقوله : ( رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور؛ لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية لله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الخلاق له ولهم وللكل شيء .ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى محذراً من الإِشراك فقال : ( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وَمَأْوَاهُ النار وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) .وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده . والضمير المقترن بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك : منعه من دخولها ، لإِشراكه مع الله آلهة أخرى .والمأوى : المكان الذي يأوى إليه الإِنسان . أي يرجع إليه ويستقر فيه .أي : قال المسيح لبني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، لأنه أي الحال والشأن ( مَن يُشْرِكْ بالله ) شيئاً في عبادته - سبحانه - ( فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة ) أي : منعه من دخولها ، بسبب شركه وكفره ، وجعل ( وَمَأْوَاهُ النار ) أي : جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم .فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإِشراك بالله ، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء .وجمع - سبحانه - بين العقوبة السلبية للمشركين وهي حرمانهم من الجنة وبين العقوبة الإِيجابية وهي استقرارهم في النار ، للإِشارة إلى عظيم جرمهم حيث أشركوا بالله ، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التي تدل على جهلهم وسفاهتهم .والمراد بالظالمين : المشركون الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم فتكون ال للعهد .ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس .وقال - سبحانه - ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) بصيغة الجمع لكلمة " أنصار " وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق ، للإِيذان بأنه إذا كان الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ينصرهم .أي : ما لهم من أحد كائنا من كان أن يننقذهم من عقاب الله بأي طريقة من الطرق .وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذي حكاه الله عنه - كما سبق أن ذكرنا - ويحتمل أن تكون من كالم الله - تعالى - وقد ساقها - سبحانه - لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله وحده ولتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإِشراك .

73S05V73

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Ce sont certes des mécréants, ceux qui disent: «En vérité, Allah est le troisième de trois.» Alors qu'il n'y a de divinité qu'Une Divinité Unique! Et s'ils ne cessent de le dire, certes, un châtiment douloureux touchera les mécréants d'entre eux

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - تعالى - ( لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون في العقائد والنحل ، ويتجمعون على الكفر والضلال ، فهم شيع شتى ، وفرق متنابذة ، كل شيعة منهم تكفر الأخرى وتعارضها في معتقداتها .قال الفخر الرازي ما ملخصه : في تفسير قول النصارى ( إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) طريقان : .الأول : أنهم أرادوا بذلك أن الله مريم وعيسى آلهة ثلاثة . والذي يؤكد ذلك قوله - تعالى - للمسيح ( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ) فقوله : ( ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) أي : أحد ثلاثة آلهة . أو واحد من ثلاثة آلهة .والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ، ثلاثة أٌانيم : أب ، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة . وعنوا بالأب الذات . وبالابن الكلمة .وبالروح الحياة . وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اخلتاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد .ثم قال الإِمام الرازي : واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل . فإن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلانا من مقالة النصارى .وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن الله ثالث ثلاثة هم النسطورية والمرقوسية .ومعنى ثالث ثلاثة : واحد من ثلاثة . أي : أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن اسم الفعل المصوغ من لفظ اثنين وشعرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها : أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه ، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير .فتقول : رابع أربعة أي : واحد من أربعة وليس زائداً عليها ، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله .وقوله : ( وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله وَاحِدٌ ) بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل .وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على " ما " و " إلا " . مع تأكيد النفي بمن المفيدة لاستغراق النفي .والمعنى : لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله واحد من آلهة ثلاثة ، والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ورباهم بنعمته . وإليه وحده مرجعهم وإيابهم .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال وكذب فقال - تعالى - : ( وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( لَقَدْ كَفَرَ ) والمراد بانتهائهم : رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر .والمراد بقوله - ( عَمَّا يَقُولُونَ ) : أي عما يعتقدون وينطقون به من زور وبهتان .أي : لقد كفر أولئك الذين قلوا إن الله ثالث ثلاثة كفراً شديداص بينا والحق أنه ليس في الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة ، وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالو بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة التوحيد ( لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ ) أي : ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم .فالجملة الكريمة تحذير من الله - تعالى - لهم عن الاستمرار في هذا القول الكاذب .والاعقتاد الفاسد الذي يتنافى مع العقول السليمة ، والأفكار القويمة .وقوله : ( لَيَمَسَّنَّ ) جواب لقسم محذوف ، وهو ساد مسد جواب الشرط المحذوف في قوله ( وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ ) والتقدير : والله إن لم ينتهوا ليمسن .وأكد - سبحانه - وعيدهم بلام القسم في قوله ( لَيَمَسَّنَّ ) رداً على اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار ، لأن صلب عيسى - في زعمهم - كان كفارة عن خطايا البشر .وعبر بالمس للإِشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام : لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإِحساس فيهم إصابة مستمرة ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب ) وقال - سبحانه - ( لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ ) بالتعبير بالظاهر دون الضمير للإِشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم؛ لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم .ومن في قوله ( منهم ) يصح أن تكون تبعيضية أي : ليمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم ، لأن كثيرا منهم لم يستمروا على الكفر بل رجعوا عنه ودخولا في دين الإِسلام .ويصح أن تكون بيانية ، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله : ومن في قوله : ( لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ) للبيان كالتي في قوله ( فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ) والمعنى : ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة ( عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي نوع شديد الألم من العذاب . . كما تقول : أعطني عشرين من الثياب . تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون .

74S05V74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ

Ne vont-ils donc pas se repentir à Allah et implorer Son pardon? Car Allah est Pardonneur et Miséricordieux

Tafsir Al WasitWaseet

وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم ، فتح لهم - سبحانه - باب رحمته ، حيث رغبهم في الإِيمان ، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ما هم عليه من عقائد فقال - تعالى - : ( أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .والاستفهام هنا يتضمن حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما كان منهم من ضلال والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التي لا يقبلها عقل سليم ، ولا تصور قويم .والفاء للعطاف على مقدر يقتضيه الكلام . أي : أيسمعون ما يسمعون من الحق الذي يزهق باطلهم ومن النذر التي ترقق القلوب لا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى الله وطلب مغفرته ، والحال أنه - سبحانه - عظيم المغفرة واسع الرحمة لمن آمن وعمل صالحا .إن إصرارهم على كفرهم بعد تفنيده وإبطاله ، وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة الكافرين ليلد على أنهم قوم اضلون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس وإهمالهم .قال أبو السعود : وقوله ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) جملة حالية من فاعل ( وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ) مؤكدة للإِنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار .أي : والحال أن الله : - تعالى - مبالغ في المغفرة . فيغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله .وقال ابن كثير : هذا من كرمه - تعالى - وجوده ولطفه ورحمته بخلقه . مع هذا الذنب العظيم ، وهذا الافتراء والكذب والإِفك ، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة . فكل من تاب إليه تاب عليه . كما قال ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فيغفر لهؤلاء إن تاوبا ولغيرهم .

75S05V75

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ

Le Messie, fils de Marie, n'était qu'un Messager. Des messagers sont passés avant lui. Et sa mère était une véridique. Et tous deux consommaient de la nourriture. Vois comme Nous leur expliquons les preuves et puis vois comme ils se détournent

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى عليه السلام - وحقيقة أمه مريم حتى يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال - تعالى - ( مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ) .وقوله ( صديقة ) صيغة مبالغة في التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ومسيك مبالغة في الشرب والمسك .قال الراغب : والصديق من كثير منه الصدق ، وقيل : بل يقال لمن لم يكذب قط : وقيل : بل لمن لا يأتي منه الكذب لتعوده الصدق . وقيل ، لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله . . قال - تعالى - ( فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين )فالصديقون هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة .والمعنى : إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة . قد قالوا منكرا وزورا ، إذ ليس الألوهية إلا لله وحده لوليس المسيح عيسىابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعي واحد منهم الألوهية . وأما أم عيسى مريم فما هي إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها - عز وجل - أو التصديق له في سائر أمورها . وهما - أي عيسى وأمه مريم - عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام ، ويشربان الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم - يا معشر النصارى - أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا تاما مع صفات الأولوهية : إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد عقولكم وضلال تفكيركم ، وعظيم جهلكم .وقوله ( مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ) جملة مشتملة على قصر موصوف على صفة ، وهو قصر إضافي ، أي أن المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهي الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى في عيسى أنه الله ، أو أنه جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة .وقوله : ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ) صفة للرسول وهو عيسى أريد بها بيان أنه مساو للرسل الكرام الذين سبقوه في تبليغ رسالة الله إلى الناس؛ وأنةه ليس بدعا في هذا الوصف وإذا فلا شبهة للذين زعموا أنه إله " لأنه لم يجيء بشيء زائد على ما جاء به الرسل " .وقوله . ( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) معطوف على قوله : ( مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ) والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها ، ونفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك ، فهي ليست إلها . كما أنها ليست رسولا .ولذا قال ابن كثير : دلت الآية على أن مريم ليست بنبية - كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق وبنوة أم عيسى ونبوة أم موسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله : ( وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ) والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلأا من الرجال - قال تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى ) وقوله : ( كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ) جملة مستأنفة لبيان خواصهما الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله - تعالى - .وقد اختيرت هذه الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس . لأنها صفة واضحة ظاهرة للناس ، ودالة على احتياجهما لغيؤرهما في مطلب حياتهما ، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون إلها .وقال صاحب الكشاف : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروض وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة .. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاسا للإِله أن يكون كذلك .ففي هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى في شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه ، ولذا عجب الله - تعالى - رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال : ( انظر كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيات ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ ) أي : يصرفون .يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء .أي : انظر - يا محمد - كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحاً ظاهراً . ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإِصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم ، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم .فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم ، أو أن الله ثالث ثلاثة . مع أنه - سبحانه - أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك .وكرر الله - سبحانه - الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب من أحوالهم الغريبة وجيء بثم المفيدة للتراخي في قوله ( ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ ) لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أي : أن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها ، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات . وانصراف هؤلاء الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم .