Tafsir Al Wasit
Waseet
المائدة
Al-Ma'idah
120 versets
وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ
Et Nous avons envoyé après eux Jésus, fils de Marie, pour confirmer ce qu'il y avait dans la Thora avant lui. Et Nous lui avons donné l'Evangile, où il y a guide et lumière, pour confirmer ce qu'il y avait dans la Thora avant lui, et un guide et une exhortation pour les pieux
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - بعض ما اشتملت عليه التوراة من أحكام فقال ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ ) .فالآية الكريمة معطوفة على ما سبقها وهو قوله - تعالى : ( إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة ) .وقوله : ( كتبنا ) بمعنى فرضنا وقررنا . والمراد بالنفس : الذات .أي : أنزلنا التوراة على موسى لتكون هداية ونوراً لبني إسرائيل ، وفرضنا عليهم ( أن النفس بالنفس ) أي : مقتولة أو مأخوذة بها إذا قتلتها بغير حق . وأن ( والعين ) مفقوءة ( العين ) وأن ( والأنف ) مجدوع ( بالأنف ) وأن ( والأذن ) مقطوعة ( بالأذن ) وأن ( والسن ) مقلوعة ( بالسن ) وأن ( والجروح قِصَاصٌ ) أي : ذات قصاص ، بأن يقتص فيها إذا أمكن ذلك ، وإلا فما لا يمكن القصاص فيه - ككسر عظم وجرح لحم لا يمكن الوقوف على نهايته - ففهي حكومة عدل .وعبر - سبحانه - عما فرض عليهم من عقوبات في التوراة بقوله : ( كتبنا ) للإشارة إلى أن هذه العقوبات وتلك الأحكام لا يمكن جحدها أو محوها ، لأنها مكتوبة والكتابة تزيد الكلام توثيقاً وقوة .قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - ( والعين بالعين والأنف بالأنف ) إلخ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف .وقرأ ابن كثير وانب عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح؛ فإنه بالرفع على القطع عما قبله والاستئناف به - أي أن الجروح مبتدأ وقصاص خبره .وقرأ الكسائي وأبو عبيد : ( والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ) بالرفع فيها كلها .قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير ، عن عقيل عن الزهري ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ ) .والرفع من ثلاث جهات ، بالابتداء والخبر . والوجه الثاني : بالعطف على المعنى على موضع ( أن النفس ) لأن المعنى قلنا لهم : النفس بالنفس والوجه الثالث - قاله الزجاج - يكون عطفا على المضمر في النفس . لأن الضمير في النفس في موضع رفع ، لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هي .وقوله : ( فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ) ترغيب في العفو والصفح .والضمير في ( به ) يعود إلى القصاص . والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الحث عليه فإنه أدعى إلى صفاء النفوس ، وإلى فتح باب التسامح بين الناس .وقوله : ( فهو ) يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل ( تصدق ) والضمير في قوله ( له ) يعود إلى العافي المتصدق وهو المجني عليه أو من يقوم مقامه .والمعنى : ( فَمَن تَصَدَّقَ ) بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني فإن هذا التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق ، حيث قدم العفو مع تمكنه من القصاص .وقيل إن الضمير في ( له ) يعود على الجاني فيكون المعنى : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني ، فإن هذا التصدق يكون كفارة له . أي لذنوب الجاني ، بأن لا يؤاخذه الله بعد ذلك العفو . وأما المتصدق فأجره على الله .وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى العافي المتصدق وهو المجني عليه أو ولى دمه فقال : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب : قول من قال : عني به : فمن تصدق به فهو كفارة له أي المجروح ، ولأنهلأن تكون الهاء في قوله ( له ) عائدة على ( من ) أولى من أن تكون عائدة على ما لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح ، إذ الصدقة هي المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق عليه في سائر الصدقات .وقوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون ) تذييل قصد به التحذير من مخالفة حكم الله . أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ، حيث تركوا الحكم العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر الظالم .قال الرازي : وفيه سؤال وهو أنه - تعالى - . قال : أولا : ( فأولئك هُمُ الكافرون ) وثانياً ( هُمُ الظالمون ) والكفر أعظم من الظلم ، فلماذا ذكر أعظم التهديدات أولا وأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟وجوابه : أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس . ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق - سبحانه - وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه .هذا ، ومما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - أن الآية الكريمة - ككثيرة غيرها - تنعى على بني إسرائيل إهمالهم لأحكام الله - تعالى - وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم .قال ابن كثير : هذه الآية وبخت به اليهود أيضاً وقرعت عليه ، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس . وقد خالفوا حكم ذلك عمداً وعناداً فأقادوا النضرى من القرظى ، ولم يقيدوا القرظي من النضرى وعدولا إلى الدية ، كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن ، وعدولا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإِشهار . ولهذا قال هناك ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعناداً وعمداً . وقال هنا في تتمة الآية ( فأولئك هُمُ الظالمون ) لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخانوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض .ثم قال : واستدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا بهذه الآية . وذلك إذا حكى مقررا ولم ينسخ . والحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة . وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس عامة .2 - استدل جمهور الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل يقتل بالمرأة . ويؤيد ذلك ما رواه النسائي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم : أن الرجل يقتل بالمرأة . . وفي رواية للإِمام أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها ، بل تجب ديتها .قال الآلوسي : واستدل بعموم ( أَنَّ النفس بالنفس ) من قال : يقتل المسلم بالكافر ، والحر بالعبد ، والرجل بالمرأة ومن خالف استدل بقوله - تعالى :( الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) وبقوله صلى الله عليه وسلم " لا يقتل مؤمن بكافر " .وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه . والمراد بما روى في الحديث الكافر الحربي وق دروى أنه صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بذمى .3 - استدل العلماء بجريان القصاص في الأطراف لقوله - تعالى - ( والعين بالعين ) ( والأنف بالأنف ) إلخ . إلا أنهم قالوا بوجوب استيفاء ما يماثل فعل الجاني بدون تعد أو ظلم فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها ، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى .وقالوا : إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجاني متعمداً . فإن أصابها خطأ ففيها نصف الدية : إن أصاب العينين معاً خطأ ففيهما الدية الكاملة .ويرى بعضهم أن في عين الدية كاملة لأن منفعته بها كمنفعة ذي عينين أو قريبة منها .وقد توسع الإِمام القرطبي في بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت .4 - أخذ العلماء من هذه الآية أن الله - تعالى - رغب في العفو ، وحض عليه ، وأجزل المثوبة لمن يقوم به فقد قال - تعالى - ( فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) .أي : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص فتصدقه كفارة لذنوبه .وقد وردت في الحض على العفو نصوص كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ) وقوله - تعالى - ( والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين ) وروى الإِمام أحمد عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به " .وروى ابن جرير عن أبي السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار ، فاندقت ثنيته . فرفعه الأنصاري إلى معاوية . فلما ألح عليه الرجل قال معاوية : شأنك وصاحبك قال : وأبوالدرداء عند معاوية . فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يصاب بشيء من جسده ، فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة " فقال الأنصاري : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي - فخلى سبيل القرشي . فقال معاوية : " مروا له بمال " .ومن هذه الآية وغيرها نرى أن الإِسلام قد جمع فيما شرع من عقوبات بين العدل والرحمة فقد شرع القصاص زجراً للمعتدى . وإشعاراً له بأن سوط العقاب مسلط عليه إذا ما تجاوز حده ، جبرا لخاطر المعتدى عليه ، وتمكينا له من أخذ حقه ممن اعتدى عليه .ومع هذا التمكين التام للمجني عليه من الجاني فقد رغب الإِسلام المجني عليه في العفو عن الجاني حتى تشيع المحبة والمودة بين أفراد الأمة ، ووعده على ذلك بتكفير خطاياه ، وارتفاع درجاته عند الله - تعالى - .
وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ
Que les gens de l'Evangile jugent d'après ce qu'Allah y a fait descendre. Ceux qui ne jugent pas d'après ce qu'Allah a fait descendre, ceux-là sont les pervers
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن بين - سبحانه - منزلة التوراة وما اشتملت عليه من هدايات وتشريعات أتبع ذلك ببيان منزلة الإِنجيل وما اشتمل عليه من مواعظ وأحكام . . فقال - تعالى - :( وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى . . . )قوله : ( وَقَفَّيْنَا ) معطوف على قوله قبل ذلك ( أَنزَلْنَا التوراة ) وأصل القفو اتباع الأثر : يقال قفاه يقفوه أي : اتبع أثره ، والتقفية : الاتباع ، يقال : قفيته بكذا أي اتبعته . وإنما سميت قافية الشعر قافية؛ لأنها تتبع الوزن ، والقفا مؤخر الرقبة . ويقال : قفا أثره إذا سار وراءه واتبعه .قال صاحب الكشاف : قفيته مثل عقبته ، إذا أتبعته . ثم يقال قفيته وعقبته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء .فإن قلت فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت هو محذوف . والظرف الذي هو " على آثارهم " كالسّادمسّده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه . والضمير في قوله : ( على آثَارِهِم ) يعود على النبيين في قوله : ( يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ ) وقوله : ( آثَارِهِم ) جمع أثر وهو العلم الذي يظهر للحس . وآثار القوم : ما أبقوا من أعمالهم . وقوله ( على آثَارِهِم ) تأكيد لمدلول فعل " قفينا " وإيماء إلى سرعة التقفية .وقوله . ( لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي : لما تقدمه ، لأن ما بين يدي الإِنسان كأنه حاضر أمامه .والمعنى وأتبعنا على آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم الله ، وأخلصوا له العبادة والذين كانوا يحكمون بالتوراة - كموسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم - أتبعنا على آثارهم بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم في الخضوع والطاعة والإِخلاص لله رب العالمين ومصدقا للتوراة التي تقدمته ، ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه في الإِنجيل منها .وفي التعبير بقوله ( وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم ) إشارة إلى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن بدعة من الرسل ، وإنما هو واحد منهم ، جاء على آثار من سبقوه ، سالكا مسلكهم في الدعوة إلى عبادة الله وحده وإلى التحلي بمكارم الأخلاق .وفي التعبير بقوله ( بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ ) إيذان بأنه محدث كجميع المحدثات ، وأنه قد ولد من أمه كما يولد سائر البشر من أمهاتهم ، وأنه لا نسب له إلا من جهتها ، فليس له أب ، وليس ابنا لله - تعالى - ، وإنما هو عبد من عباد الله أوجده بقدرته ، وأرسله - سبحانه - لدعوة الناس إلى توحيده وعبادته .وقوله : ( مصدقا ) حال من عيسى - عليه السلام - :قال بعض العلماء : " ولو سايرنا الواقع عند النصارى في هذه الأيام ، لكان لذكر كلمة التصديق في هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق بأصل النزول ، بل بالتنفيذ ، لأن الإِنجيل ليس فيه أحكام عملية كثيرة ، فأحكام الأسرة كلها مأخوذة عند النصارى من التوراة ، وليس ثمة نص قاطع في الأناجيل التي بين أيدينا يغاير ما جاء في التوارة من أحكام تتعلق بالأسرة ، ولا بأحكام العقوبات من حدود وقصاص .ولقد رويت عبارات عندهم منسوبة للمسيح - عليه السلام - تدل على العمل بأحكام التوراة ، مثل قوله - عليه السلام - " ما جئت لأنقض الناموس " أي التوراة .وكلمة ( بَيْنَ يَدَيْهِ ) تعبير قرآني ، للدلالة على أن التوراة كانت حاضرة قائمة وقت مجيء عيسى - عليه السلام - وعلما عنده ، وهو علم خال من التحريف والتبديل ، أوحى الله به إليه .ولفظ بين يديه في دلالته على الأمر المهيأ من الاستعارات الرائعة ، ومضمونها أن الأمر معلوم علما يقينا لعيسى بن مريم - عليه السلام - كعلم المحسوس يكون موضوعاً بين يديه .وقوله : ( وَآتَيْنَاهُ الإنجيل فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) معطوف على ( قفينا ) .وقد وصف الله - تعالى - الإِنجيل الذي أعطاه لعيسى بخمس صفات :أولها : أنه فيه ( هدى ) أي : فيه هداية للناس إلى الحق الذي متى اتبعوه سعدوا في دنياهم وآخرتهم .وثانيها : أنه فيه ( نور ) أي : ضياء يكشف لهم ما التبس عليهم من أمور دينية ودنيوية .وثالثها : كونه ( مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة ) أي أن الإِنجيل مؤيد ومقرر لما جاءت به التوراة من أحكام وآداب وشرائع أنزلها الله فيها .ورابعها : كونه : ( هدى ) أي : هو بذاته هدى فضلا على اشتماله عليه .وخامسها : كونه : ( وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) أي : تذكير لهم بما يرق له القلب ، وتصفو به النفس ، وتنزجر به القلوب عن غشيان المحرمات .وقوله ( فِيهِ هُدًى ) جملة مكونة من خير مقدم ومبتدأ مؤخر . وقوله ( هدى ) والجملة كلها في موض نصب على أنها حال من الإِنجيل .أي : أعطينا عيسى الإِنجيل حالة كونه مشتملا على الهدى والنور .وقوله : ( وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة ) حال أيضاً من الإِنجيل . ولا تكرار بين ( مصدقا ) الأولى وبين ( مصدقا ) الثانية ، لأن الأولى لبيان حال عيسى وأنه جاء يدعو الناس إلى التصديق بالتوراة وإلى تنفيذ أحكامها ، والثانية لبيان حال الإِنجيل وأنه جاء مقرر لما اشتملت عليه التوراة من أحكام أنزلها الله ، وأن من الواجب على بني إسرائيل أن يسيروا على هدى هذه الأحكام إلا ما نسخه الإِنجيل منها فعليهم أن يتبعوا أحكام الإِنجيل فيها .قال ابن كثير : وقوله : ( وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة ) أي : متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل . مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه - كما قال - تعالى - إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل : ( وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ولهذا كان المشهور من قول العلماء : " أن الإِنجيل نسخ بعض أحكام التوراة " .وقوله : ( وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) معطوف على ما تقدم ومنتظم معه في سلك الحالية .وقال أولا ( فِيهِ هُدًى ) وقال ثانيا ( هدى ) لزيادة المبالغة في التنويه بشأن الإِنجيل ، فهو مشتمل على ما يهدي الناس إلى الحق والخير ، وهو في ذاته هدى ، لأنه منزل من عند الله ، ولأنه بشارة بنبي يرسل من بعد عيسى اسمه أحمد .قال الفخر الرازي : " وأما كونه ( هدى ) مرة أخرى ، فلأن اشتمال الإِنجيل على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوته . ولما كان أشد وجوه الاختلاف والمنازعة بين المسلمين وبين اليهود ، والنصارى في ذلك ، لا جرم أعاده الله - تعالى - مرة أخرى تنبيها على أن الإِنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير .وأما كونه موعظة : فلاشتمال الإِنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة .وإنما خصها بالمتقين ، لأنهم هم الذين ينتفعون بها .
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ
Et sur toi (Muhammad) Nous avons fait descendre le Livre avec la vérité, pour confirmer le Livre qui était là avant lui et pour prévaloir sur lui. Juge donc parmi eux d'après ce qu'Allah a fait descendre. Ne suis pas leurs passions, loin de la vérité qui t'est venue. A chacun de vous Nous avons assigné une législation et un plan à suivre. Si Allah avait voulu, certes Il aurait fait de vous tous une seule communauté. Mais Il veut vous éprouver en ce qu'Il vous donne. Concurrencez donc dans les bonnes cœvres. C'est vers Allah qu'est votre retour à tous; alors Il vous informera de ce en quoi vous divergiez
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ ) أمر من الله - تعالى - لأتباع سيدنا عيسى - عليه السلام - الذين وجدوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكموا فيام بينهم بمقتضى أحكام الإِنجيل بدون تحريف أو تبديل . أما الذين وجدوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فمن الواجب عليهم أن يصدقوه ويتبعوا شريعته ، لأن الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم نسخت ما قبلها من شرائع .قال الآلوسي ما ملخصه ، قوله : ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ ) أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من أحكام ، وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله ، بل هو إبطال وتعطيل له إذا هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها ، لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها ، واختار كونه أمراً مبتدأ الجبائي .وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على قوله ( وآتيناه ) .أي : - وآتينا عيسى ابن مريم الإِنجيل فيه هدى ونور - وقلنا ليحكم أهل الإِنجيل بما أنزل الله فيه . وحذف القول - لدلالة ما قبله عليه - كثير في الكلام . ومنه قوله - تعالى - : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم ) واختار ذلك على بن عيسى .وقرأ حمزة ( وَلْيَحْكُمْ ) - بكسر اللام وفتح الميم - بأن مضمرة - بعد لام كي - والمصدر معطوف على ( وَهُدًى وَمَوْعِظَةً ) على تقدير كونهما معللين . أي : وآتيناه ليحكم .وقوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ) تذييل مقرر ومؤكد لوجوب الامتثال لأحكام الله - تعالى - . أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله ، فأولئك هم المتمردون الخارجون عن جادة الحق . وعن السنن القويم ، والصراط المستقيم .قال أبو حيان : قوله ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ) ناسب هنا ذكرالفسق .لأنه خرج عن أمر الله - تعالى - إذ تقدم قوله : ( وليحكم ) وهو أمر كما قال - تعالى - للملائكة ( اسجدوا لأَدَمََ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) أي : خرج عن طاعته .وقال صاحب المنار ما ملخصه : وأنت إذا تأملت الآيات السابقة ظهر لك نكتة التعبير بالكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية ، وبوصف الفسق في الثالثة .ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع ، وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور ، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به . فكان من المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له ، مؤثرا لغيره عليه . يكون كافرا به .وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإِيمان ، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء . فمن لم يحكم بحكم الله في ذلك يكون ظالما في حكمه .وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإِنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته . فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية ، والخروج عن محيط تأديب الشريعة .
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ
Juge alors parmi eux d'après ce qu'Allah a fait descendre. Ne suis pas leurs passions, et prends garde qu'ils ne tentent de t'éloigner d'une partie de ce qu'Allah t'a révélé. Et puis, s'ils refusent (le jugement révélé) sache qu'Allah veut les affliger [ici-bas] pour une partie de leurs péchés. Beaucoup de gens, certes, sont des pervers
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن التوراة والإِنجيل وما فيهما من الهدى والنور ، وأمر باتباع تعاليمهما . . عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - :( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق . . . )قوله : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً ) معطوف على قوله قبل ذلك ( إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة ) والمراد بالكتاب الأول : القرآن الكريم وأل فيه للعهد .والمراد بالكتاب الثاني : جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإِنجيل وأل فيه للجنس وقوله ( وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) أي : رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من التغيير ، وأمينا وحاكما عليها؛ لأنه هو الذي يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها .قال ابن جرير : وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب . يقال : إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده : قد هيمن فلان عليه . فهو يهيمن هيمنة ، وهو عليه مهيمن .وقال صاحب الكشاف : وقرئ ( وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) - بفتح الميم - أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل كما قال - تعالى - : ( لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) والذي هيمن عليه هو الله - عز وجل . أو الحفاظ في كل بلد ، لو حُرِّّف حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولاشمأزوا ، رادين ومنكرين .والمعنى : لقد أنزلنا التوراة على موسى ، والإِنجيل على عيسى ، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه ( مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ) أي : مؤيداً لما في تلك الكتب التي تقدمته : من دعوة إلى عبادة الله وحده ، و إلى التمسك بمكارم الأخلاق . وجعلناه كذلك " مهيمنا عليها " أي : أمينا ورقيبا وحاكما عليها .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية بإشارات من أهمها :أنه - سبحانه - لم يقل : وقفينا على آثارهم - أي على آثار الأنبياء السابقين - بمحمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه القرآن . كما قال في شأن عيسى ابن مريم ( وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَآتَيْنَاهُ الإنجيل ) إلخ .لم يقل ذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وإنما قال : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق ) للإِشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التي سبقته ، وللإِيذان بأن الشيعة التي هذا كتابها هي الشريعة الباقية الخالدة التي لا تقبل النسخ أو التغيير .وأنه - سبحانه - لم يزد في تعريف الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب ) للإِشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب .أي : أنه الكتاب الذي هو جدير بهذا الاسم ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود .وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأنه مؤيد ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير ، وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده من أحكامها وأقوالها فهو حق ، ومال مل يؤيده منها فهو باطل .قال ابن كثير : جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهداً وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وقوله : ( فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ) أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتلزم في حكمه بين الناس الأحكام التي أنزلها - سبحانه - والفاء في قوله : ( فاحكم ) للإِفصاح عن شرط مقدر .أي : إذا كان شأن القرآن كما ذكرت لك يا محمد فاحكم بين هؤلاء اليهود وبين غيرهم من الناس بما أنزله الله من أحكام ، فإن ما أنزله هو الحق الذي لا باطل معه ، ولا تتبع في حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم لأن أتباعك لأهواهئهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذي لا مرية فيه ولا ريب . ولم يقل - سبحانه - " فاحكم بينهم به " بل ترك الضمير وعبر بالموصول فقال : ( فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله ) للتنبيه على عليه ما في حيز الصلة للحكم ، لأن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم .أي : التزم في حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذي أنزله الله عليك .قال بعض العلماء : " وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنهن نسخ والمعول عليه في الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولقد روى أنه - عليه السلام - ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإِيمان به - عليه السلام .والضمير في قوله ، ( أهواءهم ) يعود إلى أولئك اليهود الذين كانوا يتحاكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما بقصد الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام .قال الآلوسي : والنهي يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه . ولا يقال : كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم ، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك .وقيل الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الحكام .وقوله : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب على الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إليه من الحق .والشرعة والشريعة بمعنى واحد . وهي في الأصل الطريق الظاهر الموصول للماء . والمراد بها هنا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة . وسمي ما اشتمل عليه الدين من أحكام شريعة تشبيها بشريعة الماء . من حيث إن كلا منهما سبب الحياة . إذ أن الشريعة الدينية سبب في حياة الأرواح حياة معنوية . كما أن الماء سبب في حياة الأرواح حياة مادية .والمنهاج : الطريق الواضح في الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح . والعطف باعتبار جمع الأوصاف .قال بعضهم : هما كلمتان بمعنى واحد والتكرير للتأكيد .وقيل : ليستا بمعنى واحد . فالشرعة ابتداء الطريق . والمنهاج الطريق المستقيم .وقوله : ( منكم ) متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين " كل " .أي : لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ومنهاجاً خاصين بها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - كانت شرعتها ما في التوراة من أحكام . والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد - عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما في الإِنجيل . وأما هذه الأمة الإِسلامية فشريعتها ما في القرآن من أحكام ، لأنه مشتمل على ما جاء في الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياته التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وزاد عليها ما يناسب العصر الذي نزل فيه ، والعصورا لتي تلت ذلك إلى يوم القيامة .وأهل الكتاب إنما أمروا بأن يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن الكريم ، أما بعد نزوله ومجيء النبي صلى الله عليه وسلم خاتما للرسالات السماوية ، فقد أصبح من الواجب عليهم الدخول في الإِسلام ، واتباع رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به أو نهى عنه ، وليس لأحد بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إيمان مقبول إلا باتباعه وتصديقه في جميع أقواله وأعماله .والاختلاف في الشرائع إنما يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهي ، وببعض وجوه الحلال والحرام ، وبغير ذلك من فروع الشريعة ، فقد يحرم الله شيئاً على قوم عقوبة لهم ، ويحله لقوم آخرين تخفيفا عنهم ، كما قال - تعالى - : ( وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ) وكما قال - تعالى - حكاية عن عيسى - عليه السلام - :( وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) أما ما يتعلق بأصول الشريعة ، وجوهر الدين ، وأساس العقيدة كالأمر بعبادة الله وحده .والتحلي بمكارم الأخلاق ، فلا يتعلق به اختلاف في أي شريعة من الشرائع ، أو أي دين من الأديان .وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال : قوله : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد . كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد " يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ) وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً ثم يحل في الشريعة الأخرى . كما قال - تعالى - في شأن شريعة عيسى : ( وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) وبالعكس ، قد يكون الشيء حلالا في هذه الشريعة ثم يحرم فيي شريعة أخرى ، فيزداد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له - تعالى - في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة .وقال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) الخطاب فيه - كما قال جماعة من المفسرين - للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب . واستدل بالآية من ذهب إلى أننا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ، لأن الخطاب يعم الأمم ، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخصها .والتحقيق في هذا المقام أننا متعبدون بأحكام الشرائع السابقة من حيث إنها أحكام شريعتنا لا من حيث إنها شريعة للأولين .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته ، وبالغ حكمته فقال : ( وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم ) .ومفعول المشيئة هنا محذوف لدلالة الجزاء عليه .وقوله : ( ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ ) متعلق بمحذوف يستدعيه المقام .والابتلاء : الاختبار والامتحان ليميز المطيع من المعاصي .والمعنى : لو شاء الله - تعالى - أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين واحد وبشريعة واحدة لفعل ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها فيجازي من أطاعة بما يستحقه من ثواب؛ ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب .وقوله : ( فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ) حض منه - سبحانه - لعباده على الاجتهاد في فعل الطاعات .أي إذا كان الأمر كماوصفت لكم . فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة التي تسعدكم في الدنيا والآخرة ، وتنافسوا في تحصيلها بكل عزيمة ونشاط لتنالوا رضا الله - تعالى - وجزيل مثوبته .( فَاسْتَبِقُوا ) بمعنى فتسابقوا ، ولتضمنه معنى السبق والابتدار تعدي بنفسه من غير إلى كما في قوله - تعالى - ( واستبقا الباب ) أي : حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر .وقوله ( إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات .وقوله ( فَيُنَبِّئُكُم ) أي فيخبركم والمراد بالإِنباء والإِخبار هنا المجازاة على الأعمال ، وإنا عبر عنها بالإِنباء لوقوعها موقع إزالة موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الأنبياء .أي : إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم ، فيخبركم عند الحساب بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا ، ويجازيكم بما تستحقون : فأما الذين آمنوا وعملوا الصلاحات فلهم منه - سبحانه - جزيل الثواب . وأما الذين طغوا وآثروا الحياة الدنيا فلهم من شديد العقاب .ثم كرر - سبحانه - الأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين الهيود وغيرهم بما أنزله الله - تعالى - وحذره من مكرهم وكيدهم فقال : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ) .أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه : فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا . وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك . فأنزل الله فيهم : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ) .إلى قوله : ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) .وقوله : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله ) في محل نصب عطفا على الكتاب في قوله : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق ) .وقوله : ( أَن يَفْتِنُوكَ ) بدل اشتمال من المفعول في ( واحذرهم ) كأنه قيل : واحذر فتنتهم كما تقول : أعجبني زيد علمه .والمراد بالفتنة هنا محاولة إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل الله .والمعنى : وأنزلنا إليك الكتاب يا محمد فيه حكم الله ، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو كان أقل قليل؛ بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق ، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي يناسب شهواتهم :وقد كرر - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله ، لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعي التأكيد ، لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم وإغراءه بالميل إلى الأحكام التي تتفق مع أهوائهم ، ولأنه قد جاء في الآية السابقة ما قد يوهم بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد - سبحانه - أن ينفي هذا الوهم نفيا واضحا وأن يؤكد أن شريعته القرآن هي الشريعة العامة الخالدة التي يجب أن يتحاكم إليها الناس في كل زمان ومكان ، لأنها نسخت ما سبقها من شرائع .وقوله - تعالى - ( واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ) تيئيس لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقضي لهم بما يرضيهم لكي يرضيهم لكي يتبعوه ، ونهى له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه عن الاستجابة لأهواء هؤلاء ولو في أقل القليل مما يتنافى مع الحق الذي أمره الله - تعالى - بالسير عليه في القضاء بين الناس .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة كل من يعرض عن حكم الله - تعالى - فقال : ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) .أي : فإن توولا عن حكمك ، وأعرضوا عنك بعد تحاكمهم إليك وأرادوا الحكم بغير ما أنزل الله . فاعلم أن حكمة الله قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب بعض هذه الذنوب التي اقترفوها بتوليهم عن حكم الله ، وإعراضهم عنك ، وانصرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغي والضلال ، لأن الأمة التي لا تخضع لحكم شرع الله ، وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها الباطلة ، لابد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك .وعبر - سبحانه - عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب ، للإِشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة الشديدة بهم .وقوله : ( وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ ) اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، ومتضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مخالفيه ولا سيما اليهود .أي : وإن كثيرا من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ومتبعون لخطوات الشيطان الذي استحوذ عليهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيه من أصحاب النفوس المريضة ، بل اصبر حتى يحكم الله بينك وبينهم .
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ
Est-ce donc le jugement du temps de l'Ignorance qu'ils cherchent? Qu'y a-t-il de meilleur qu'Allah, en matière de jugement pour des gens qui ont une foi ferme
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بتوبيخ أولئك الذين يرغبون عن حكم الله إلى حكم غيره فقال : ( أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ) .فالهمزة هنا للاستفهام الإِنكاري التوبيخي . والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام .والمعنى : أينصرفون عن حكمك بما أنزل الله ويعرضون عنه فيبغون حكم الجاهلية مع أن ما أنزله الله إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة التي ترضى كل ذي عقل سليم ، ومنطق قويم .وقدم - سبحانه - المفعول " أفحكم " لإِفادة التخصيص المفيد لتأكيد الأنكار والتعجيب من أحوال أولئك اليهود الذين يريدون حكم الجاهلية .إذ أن التولي عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حكم آخر منكر عجيب ، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب .والمراد بالجاهلية : الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى ، والمداهنة في الأحكام ، فيكون ذلك توبيخاً لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب؛ يبغون حكم الملة الجاهلية . وعدم الأخذ بشريعة المساواة . فيكون ذلك - أيضاً - تعييراً لهم لاقتدائهم بأهل الجاهلية .قال الآلوسي : فقد روى أن بني النضير لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بني قريظة ، طلب بعضهم من رسول الله أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل ، فقال صلى الله عليه وسلم : " القتلى سواء " - أي : متساوون - فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بحكمك ، فنزلت هذه الآية .وقوله - تعالى - ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) إنكار منه - سبحانه - لأن يكون هناك حكم أحسن من حكمه أو مساو له .أي : لا أحد أحسن حكما من حكم الله - تعالى - عند قوم يوقنون بصحة دينه ، ويذعنون لتكاليف شريعته ، ويقرون بوحدانيته ، ويتبعون أنبياءه ورسله .فاللام في قوله : ( لقوم ) بمعنى عند ، وهي متعلقة بأحسن ، ومفعول ( يوقنون ) محذوف أي لقوم يوقنون بحكمه وأن أعدل الأحكام . والجملة حالية متضمنة لمعى الإِنكار السابق .وخص - سبحانه - الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يحسنون التدبر فيما شرعه الله من أحكام ، وينتفعون بما اشتملت عليه من عدل ومساواة .هذا ، وقد شدد الإِمام ابن كثير النكير على الذي يرغبون عن حكم الله إلى أحكام من عند البشر ، ووصف من يفعل ذلك بالكفر ، وأفتى بوجوب مقاتلته حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فقال - رحمه الله - :" ينكر - تعالى - على من خرج عن حكم الله - المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر - وعدل عنه إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات .مما يضعونهاه بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم " جنكزخان " الذي وضع لهم " الباسق " وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى . فصارت في بنية شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير .قال - تعالى - ( أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي : ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن .وعلم أنه - سبحانه - أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه - تعالى - هو العالم بكل شيء ، والقادر على كل شيء ، والعادل في كل شيء .روى الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبغض الناس إلى الله - تعالى - من يبتغي في الإِسلام سنة الجاهلين ومن طلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه " .وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد كشفت " باستفاضة " عن المسالك الخبيثة التي سلكها اليهود وأشباهم لكيد الإِسلام والمسلمين .فأنت تراها في مطلعها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا النداء بعدم المبالاة بما يصدر عن أولئك الذين يسارعون في الكفر من مكر وخداع ووصفهم بجملة من الصفات القبيحة التي تجعل كل عاقل ينفر من الاقتراب منهم ، وخيرات الرسول صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم أو الإِعراض عنهم إذا ما تحاكموا إليه .ووبخت اليهود على إعراضهم عن الأحكام العادلة التي أنزلها الله - تعالى - ووصفت المعرضين عن حكمه سبحانه بالكفر تارة وبالظلم تارة وبالفسق تارة أخرى .وبعد أن مدحت التوراة والإِنجيل ، وبينت بعض ما اشتملا عليه من هدايات . . . عقبت ذلك ببيان منزلة القرآن الكريم وأنه الكتاب الجامع في هدايته وفضله وتشريعاته لكل ما جاء في الكتب السابقة .ثم ختمت بتكرير الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يلتزم في أحكامه بما أنزله الله ، وبتحذيره وتحذير أتباعه من خداع أعدائهم ومكرهم ، وتتوعد كل من يرغب عن حكم الله إلى حكم غيره ، بسوء العاقبة ، وشديد العذاب .وبعد هذا الحديث المستفيض عن الكتب السماوية : وعن وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعن المسالك الخبيثة التي استعملها اليهود ومن على شاكلتهم لكيد الدعوة الإِسلامية بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين حذرهم فيه من موالاة أعدائهم فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ . . . )