Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Ma'idah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

المائدة

Al-Ma'idah

120 versets

Versets 15 sur 120Page 1 / 24
1S05V01

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ

O les croyants! Remplissez fidèlement vos engagements. Vous est permise la bête du cheptel, sauf ce qui sera énoncé [comme étant interdit]. Ne vous permettez point la chasse alors que vous êtes en état d'ihrâm. Allah en vérité, décide ce qu'Il veut

Tafsir Al WasitWaseet

قوله : ( أَوْفُواْ ) من الإِيفاء . ومعناه : الإِتيان بالشيء وافياً تاماً لا نقص فيه ، ولا نقض معه . يقال وفي بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به .قال صاحب الكشاف : ورد في الكتاب العزيز ( وفى ) بالتضعيف في قوله - تعالى - : ( وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ) . وورد " أوفى " كثيراً . ومنه ( أَوْفُواْ بالعقود ) . وأما ( وفى ) ثلاثياً فلم يرد إلا في قوله - تعالى - : ( وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ) لأنه بني أفعل التفضيل من " وفى " : إذ لا يبنى إلا من ثلاثي " .والعقود : جمع عقد - بفتح العين - . وهو العهد الموثق .قال الراغب : الجمع بين أطراف الشيء . ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل ، وعقد البناء . ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما : فيقال : عاقدته ، وعقدته ، وتعاقدنا .وهو مصدر استعمل اسماً فجمع نحو . ( أَوْفُواْ بالعقود ) .وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال : " والعقود جمع عقد وهو بمعنى المعقود وهو أوكد العهود . والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ، ولا يكون إلا بين متعاقدين . والعهد قد ينفرد به الواحد . فكل عقد عهد ولا يكون كل عهد عقدا " .والمراد بالعقود هنا : ما يشمل العقود التي عقدها الله علينا وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمندوبات ، وما يشمل العقود التي تقع بين الناس بعضهم مع بعض في معاملاتهم المتنوعة وما يشمل العهود التي يقطعها الإِنسان على نفسه ، والتي لا تتنافى مع شريعة الله - تعالى - .وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا : ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم كعقود البيع وعقود النكاح .وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى ينال حقه .والأول لأنه أولى أليق بعموم اللفظ ، إذ هو جمع محلى بأل المفيدة للجنس وأوفى بعموم الفائدة .قال القرطبي : والمعنى : أوفوا بعقد الله عليكم ، وبعقدكم بعضكم على بعض . وهذا كله راجع إلى القول بالعمم وهو الصحيح في الباب . قال - صلى الله عليه وسلم : " المؤمنون عند شروطهم " وقال : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط " .فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله : أي : دين الله . فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .والبهيمة : اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر .قال الفخر الرازي : قالوا كل حي لا عقل له فهو بهيمة من قولهم : استبهم الأمر على فلان إذا أشكل عليه .وهذا باب مبهم أي : مسدود الطريق . ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر " .والأنعام جمع نعم - بفتحتين - وأكثر ما يطلق على الإِبل ، لأنها أعظم نعمة عند العرب .والمراد بالأنعام هنا : ما يشمل الإِبل والبقر والغنم ويلحق بها كل حيوان أو طير يتغذى من النبات ، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبي وحمار وغيرهما من آكلات العشب ، كما تدخل الطيور غير الجارحة وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية من إضافة الجنس إلى ما هو أخص منه كشجر الأراك ، وثوب الخز .أي : أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع ببهيمة الأنعام . وهذا الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك مما أحله الله منها .وقال الآلوسي ما ملخصه : وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذات أربع من دواب البر والبحر . وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز . أي : أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام .وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها .وأفردت البهيمة لإرادة الجنس : وجزع الأنعام ليشمل أنواعها . وألحق بها الظباء وبقر الوحش . وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب .وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما .وقيل : المراد ببهيمة الأنعام : ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهي ميتة ، فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها . وبه قال الشافعي .وقوله : ( إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ) أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله - تعالى - في الآية الثالثة من السورة نفسها - ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ) إلخ وقوله صلى الله عليه وسلم " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام " .فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟ قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي كتاب الله . والدليل عليه أمران :أحدهما : حديث العسيف " لأقضين بينكما بكتاب الله " والرجم ليس منصوصاً عليه في كتاب الله .الثاني : حديث عبد الله بن مسعود : " ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله " .ويحتمل : ألا ما يتلى عليكم الآن . أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .وقوله : ( غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) بيان لما حرم عليهم في أحوال معينة ، وبسبب أمور اقترنت به .وقوله : ( حُرُمٌ ) جمع حرام . يقال . أحرم الرجل فهو محرم وحرام وهم حرم .وقوله : ( مُحِلِّي ) جمع محل بمعنى مستحل . والصيد مصدر بمعنى الاصطياد . أو اسم للحيوان المصيد .وقوله : ( غَيْرَ مُحِلِّي الصيد ) حال من الضمير في ( لَكُمْ ) .وقوله : ( وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) حال من الضمير في ( مُحِلِّي ) .والمعنى : يأأيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع أنفسكم ومع غيركم ، فقد أحل الله - تعالى - بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما ، إلا أنه - سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها . كما حرم عليكم الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة ، سواء أكنتم في الحل أم كنتم في الحرم ، ويدخل في حكم المحرم من كان في الحرم وليس محرما .وذلك لأن المحرم أو من كان في أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا بما يرضى الله ، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التي جعلها الله أماكن أمان ، واطمئنان وعبادة لله رب العالمين .وقد دعا الله - تعالى - المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإِيمان ، ليحثهم على امتثال ما كلفهم به ، لأن الشأن في المؤمن أن يمتمثل لما أمره الله به أو لما نهاه عنه .روى ابن أبي حاتم ، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال : اعهد إلى . فقال له : إذا سمعت الله يقول ( يَا أَيُّهَا الذين ) فارعها سمعك فإنك خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه وقوله : ( إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيد ) تذييل قصد به بيان مشيئة الله النافذة ، وإرادته الشاملة ، وحكمه الذي لا يعقب عليه معقب .أي : إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التي تتعلق بالحلال وبالحرام وبغيرهما ، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة ، دون أن ينازعه منازع ، أو يعارضه معارض ، فاستجيبوا - أيها المؤمنون - لحكمة لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة .هذا ، وقد أخذا العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التي شرعها الله - تعالى - وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به في كثير من آياتها .فأنت ترى في مطلعها هذه الآية الكريمة التي تحض على الوفاء بالعقود ، ثم ترى الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشيء من شعائر الله ، ثم تراها بعد ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذي أوثقهم به : ( واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ ) ثم تحكى أن من الأسباب التي أدت إلى طرد بني إسرائيل من رحمة الله ، نقضهم لمواثيقهم . ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ ) وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التي تحض المؤمنين على التزام العهود والموثيق التي شرعها الله وتحذرهم عاقبة إهمالها ، أو الإِخلال بشيء منها .كما أخذا العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها وأصوافها .وحرمة ما حرم الله - تعالى - منها في مواطن أخرى .كما أخذوا منها حرمة الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج أو عمرة ، وعلى من كان في أرض الحرم ولو لم يكن محرما .قال القرطبي : وهذه الآية تلوح فصاحتها .وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام فإنه تضمنت خمسة أحكام :الأول : الأمر بالوفاء بالعقود .الثاني : تحليل بهيمة الأنعام .الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك .الرابع : استثناء حال الإِحرام فيما يصاد .الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم .وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا شيئاً مثل هذا القرآن فقال : نعم أعمل مثل بعضه . فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد . إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة . فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاماً ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا .

2S05V02

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ

O les croyants! Ne profanez ni les rites du pèlerinage (dans les endroits sacrés) d'Allah, ni le mois sacré, ni les animaux de sacrifice, ni les guirlandes, ni ceux qui se dirigent vers la Maison sacrée cherchant de leur Seigneur grâce et agrément. Une fois désacralisés, vous êtes libres de chasser. Et ne laissez pas la haine pour un peuple qui vous a obstrué la route vers la Mosquée sacrée vous inciter à transgresser. Entraidez-vous dans l'accomplissement des bonnes œuvres et de la piété et ne vous entraidez pas dans le péché et la transgression. Et craignez Allah, car Allah est, certes, dur en punition

Tafsir Al WasitWaseet

وبعد أن أشار - سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات ، وما حظره عليهم من أفعال ، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال - تعالى - :( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ . . . )قوله : ( لاَ تُحِلُّواْ ) من الإِحلال الذي هو ضد التحريم . ومعننى عدم إحلالهم لشعائر الله : تقرير حرمتها عملا واعتقادا ، والالتزام بها بالطريقة التي قررتها شريعة الله .والشعائر : جمع شعيرة - على وزن فعلية - وهي في الأصل ما علت شعاراً على الشيء وعلامة عليه من الإِشعار بمعنى الإعلام . وكل شيء اشتهر فقد علم . يقال : شعرت بكذا .أي علمته .والمراد بشعائر الله هنا : حدوده التي حدها ، وفرائضه التي فرضها وأحكامه التي أوجبها على عباده .ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا : مناسك الحج وما حرمه الحج وما حرمه فيه من لبس للثياب في أثناء الإحرام . ومن غير ذلك من الأفعال التي نهى الله عن فعلها في ذلك الوقت فيكون المعنى .لا تحلوا ما حرم عليكم حال إحرامكم .والقول الأول أولى لشموله جميع التكاليف التي كلف الله بها عباده . وقد رجحه ابن جرير بقوله : وأولى التأويلات بقوله : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) قول من قال : لا تحلوا حرمات الله ، ولا تضيعوا فرائضه . فيدخل في ذلك مناسك الحج وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه .وإنما قلنا ذلك القول أولى ، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها ، نهيا عاماً من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء . فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ولا حجة بذلك .وأضاف - سبحانه - الشعائر إليه . تشريفا لها ، وتهويلا للعقوبة التي تترتب على التهاون بحرمتها . وعلى مخالفة ما أمر الله به في شأنها .وقوله : ( وَلاَ الشهر الحرام ) معطوف على شعائر الله . والمراد به الجنس . فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم . وهي أربعة : ذو العقدة ، وذو الحجة والمحرم ، ورجب .وسمي الشهر حراماً : باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام .أي : لا تحلوا - أيها المؤمنون - القتال في الشهر الحرام ، ولا تبدأوا أعداءكم فيه بقتال .قال ابن كثير : يعني بقوله : ( وَلاَ الشهر الحرام ) تحريمه ، والاعتراف بتعظيمه ، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه ، من الابتداء بالقتال كما قال - تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) وقال - تعالى - : ( إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً ) وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض والسنة اثنا عشر شهراً . منها أربعة حرم " وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت . كما هو مذهب طائفة من السلف .وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ . وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم .واحتجوا بقوله - ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) والمراد أشهر التسيير الأربعة . قالوا : فلم يستثن شهراً حراما من غيره .والمقصود بالهدى في قوله ( وَلاَ الهدي ) ما يتقرب به الإِنسان إلى الله من النعم ليذبح في الحرم ، وهو جمع هدية - بتسكين الدال - ، أي : ولا تحلوا حرمة ما يهدي إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى الله - تعالى - بأن تتعرضوا له بنحو غصب وسرقة أو حبس عن بلوغه إلى محله .وخص ذلك بالذكر مع دخوله في الشعائر ، لأن فيه نفعا للناس ، لأنه قد يتساهل فيه أكثر من غيره ، ولأن في ذكره تعظيما لشأنه .وقوله : ( وَلاَ القلائد ) جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء . وقد كانوا يضعون في أعناق الهدى ضفائر من صوف ، ويربط بعنقها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى عليه .والمراد : ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوا لها بسوء .وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفاً لها واعناءً بشأنها . لأن الثواب فيها أكثر ، وبهاء الحج بها أظهر . فكأنه قيل : لا تحلوا الهدى وخصوصاً ذوات القلائد منه .ويجوز أن يراد النهي عن التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها أي : لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الوجهين بقوله : وأما القلائد ففيها وجهان :أحدهما : أن يراد بها ذوات القلائد من الهدى وهي البدن . وتعطف على الهدى للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدى كقوله ( وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) كأنه قيل : والقلائد منها خصوصا .والثاني : أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهي عن التعرض للهدى ، على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها . كما قال ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها .وقوله : ( ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) معطوف على قوله : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) .وقوله : ( آمِّينَ ) جمع آم من الأم وهو القصد المستقيم . يقال : أممت كذا أي : قصدته أي : ولا تحلوا أذى قوم قاصدين زيارة البيت الحرام بأن تصدوهم عن دخوله حال كونهم يطلبون من ربهم ثواباً . ورضواناً لتعبدهم في بيته المحرم .ولكن ما المراد بهؤلاء الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضواناً؟قال بعضهم : المراد بهم المسلمون الذين يقصدون بيت الله للحج والزيارة . فلا يجوز لأحد أن يمنعهم من ذلك بسبب نزاع أو خصام لأن بيت الله - تعالى - مفتوح للجميع وعلى هذا يكون التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضميرهم في قوله ( مِّن رَّبِّهِمْ ) للتشريف والتكريم .وجملة ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) حال من الضمير المستكن في قوله ( آمِّينَ ) وقد جيء بها لبيان مقصدهم الشريف ، ومسعاهم الجليل .أي : قصدوا البيت الحرام يبتغون رزقا أو ثواباً من ربهم ، ويبتغون ما هو أكبر من كل ذلك وهو رضاه - سبحانه - عنهم .وعلى هذا الاقول تكون الآية الكريمة محكمة ولا نسخ فيها ، وتكون توجيهاً عاماً من الله - تعالى - لعباده بعدم التعرض بأذى لمن يقصد زيارة المسجد الحرام من إخوانهم المؤمنين ، مهما حدث بينهم من نزاع أو خلاف .وقال آخرون : المراد بهم المشركون . واستدلوا بما رواه ابن جرير عن السدي من أن الآية نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له الحطين بن هند ، وذلك نه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله إلام تدعو؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ادعوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فقال له : حسن ما تدعو إليه إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم ، ولعلي أسلم وآتي بهم . فلما خرج مر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به .ثم أقبل من العام القادم جارحاً ومعه تجارة عظيمة . فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التعرض له . فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزلت الآية .وعلى هذا القول يفسر ابتغاء الفضل بمطلق الرزق عن طريق التجارة . وابتغاء الرضوان بأنهم كانوا يزعمون أنهم على سداد من دينهم ، وأن الحج يقربهم من الله ، فوصفهم - سبحانه - على حسب ظنهم وزعمهم . ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى - ( إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ) وعليه يكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما الدنيوي والأخروي ولو في زعم المشركين .والذي نراه أولى هو القول الأول ، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان ما يجب على المؤمنين أن يفعلوه نحو شعائر الله التي هي حدوده وفرائضه ومعالم دينه ، ولأن قوله - تعالى - : ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) هذا الوصف إنما يليق بالمسلم دون الكافر ، إذ المسلمون وحدهم الذين يقصدون بحجهم وزيارتهم لبيت الله الثواب والرضوان منه - سبحانه - .قال الفخر الرازي : " أمرنا الله في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا أخذا الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين . والدليل عليه أول الآية وآخرها .أما أول الآية فهو : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعتهم لا بنسك الكفار .وأما آخر الآية فهو قوله : ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر .وبذلك نرى الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال أي شيء من الشعائر التي حرم الله - تعالى - استحلالها ، وخصت بالذكر هذه الأمور الأربعة التي عطفت عليها اهتماماً بشأنها وزجرا للنفوس عن انتهاك حرمتها ، لأن هذه الأمور الأربعة منها ما ترغب فيه النفوس بدافع شهوة الانتقام ، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع المتعة والميل القلبي ، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع الطمع وحب التملك .ثم أتبع - سبحانه - هذا النهي ببيان جانب من مظاهر فضله . حيث أباح لهم الصيد بعد الانتهاء من إحرامهم فقال : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ) .أي : وإذا خرجتم من إحرامكم أبيح لكم الصيد ، وأبيح لكم أيضاً كل ما كان مباحاً لكم قبل الإحرام .وإنما خص الصيد بالذكر ، لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيراً . كبيرهم وصغيرهم ، وغنيهم وفقيرهم . والإِشارة إلى أن الذي ينبغي الحرص عليه هو ما يعد قوتا تندفع به الحاجة فقط لا ما يكون من الكماليات ولا يكون إرضاء للشهوات .والأمر في قوله : ( فاصطادوا ) للإِباحة ، لأنه ليس من الواجب على المحرم إذا حل من إحرامزه أن يصطاد . بل يباح له ذلك كما كان الشأن قبل الإِحرام ومثله قوله - تعالى - ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض ) أي : أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة .ثم نهى - سبحانه - المؤمنين على أن يحملهم البعض السابق لقوم لأنهم صدوهم عن المسجد الحرام على أن يمنعوهم من دخوله كما منعهم من دخوله أولئك القوم فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ) .والجلمة الكريمة معطوفة على قوله : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) لزيادة تقرير مضمونه .ومعنى ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ) ولا يحملنكم مأخوذ من جرمه على كذا إذا حمله عليه ، أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب ، غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة .وأصل الجرم : قطع الثمرة من الشجرة ، أطلق على الكسب ، لأن الكاسب ينقطع لكسبه .قال صاحب الكشاف : جرم يجري مجرى " كسب " في تعديه إلى مفعول واحد واثنين .تقول : جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا ، نحو كستبه إياه . ويقال : أجرمته ذنبا ، على نقل المتعدي إلى معفول بالهمزة إلى مفعولين . كقولهم : أكسبته ذنبا " .والشنآن : البغض الشديد . يقال : شئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا إذا أبغضته بغضا شديداً .والمعنى : ولا يحملنكم - أيها المؤمنون - بغضكم الشديد لقوم بسبب أنهم منعوكم من دخول المسجد الحرام ، لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم ، فإن الشرك إذا كان يبرر هذا العمل ، فإن الإِسلام - وهو دين العدل والتسامح - لا يبرره ولا يقبله ، ولكن الذي يقبله الإِسلام هو احترام المسجد الحرام ، وفتح الطريق إليه أمام الناس حتى يزداد المؤمن إيماناً ، ويفئ العاصي إلى رشده وصوابه .قال ابن كثير : وقوله : ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ) أي : ولا يحملنكم بغض قوم ، " قد كانوا صدوكم عن المسجد الحرام - وذلك عام الحديبية - ، على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً ، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد .. فإن العدل واجب على كل أحد . في كل أحد ، وفي كل حال . والعدل ، به قامت السموات والأرض .وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .وعن زيد بن أسلم ، قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية ، حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم ناس من المشركني من أهل المشرق يريدون العمرة . فقال الصحابة . نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية " .وقوله : ( شَنَآنُ قَوْمٍ ) مصدر مضاف لمفعوله . أي : لا يحملنكم بغضكم قوماً .وقوله : ( أَن صَدُّوكُمْ ) - بفتح همزة أن - مفعول لأجله بتقدير اللام . أي : لأن صدوكم فهو متعلق بالشنآن .وقوله ( أَن تَعْتَدُواْ ) في موضع نصب على أنه مفعول به .أي : لا يحملنكم بغضكم قوما لصدهم إياكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم .وقراءة ( أَن صَدُّوكُمْ ) بفتح الهمزة - هي قراءة الجمهور ، وهي تشير إلى أن الصد كان في الماضي ، وهي واضحة ولا إشكال عليها .قال الجمل : وفي قراءة لأبي عمرو وابن كثير بكسر همزة أن على أنها شرطية وجواب الشرط دل عليه ما قبله . وفيها إشكال من حيث إن الشرط يقتضي أن الأمر المشروط لم يقع . مع أن الصد كان قد وقع . لأنه كان في عام الحديبية وهي سنة ست . والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكانت مكة عام الفتح في أيدي المسلمين فيكف يصدون عنه؟ وأجيب بوجهين :أولهما : لا نسلم أن الصد كان قيل نزول الآية فإن نزولها عام الفتح غير مجمع عليه .والثاني : أنه وإن سلمنا أن الصد كان متقدما على نزولها فيكون المعنى : إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية - فلا تعتدوا -قال بعضهم : وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل ، لأن النهي عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام ، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق ، وحينئذ لا يراعى المماثلة ولا يقف عند حدود العدل .ثم أمر الله - تعالى - عباده بالتعاون على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات فقال : ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ) .والبر معناه : التوسع في فعل الخير ، وإسداء المعروف إلى الناس .والتقوى تصفية النفس وتطهيرها وإبعادها عن كل ما نهى الله عنه .قال القرطبي : قال الماوردي : ندب الله - تعالى - إلى التعاون بالبر ، وقرنه بالتقوى له ، لأن في التقوى رضا الله ، وفي البر رضا الناس .ومن جمع بين رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته .والإِثم - كما يقول الراغب - اسم للأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آثام ، والآثم هو المتحمل للإِثم . ثم أطلق على كل ذنب ومعصية .والعدوان : تجاود الحدود التي أمر الشارع الناس بالوقوف عندها .أي : وتعاونوا - أيها المؤمنون - على كل ما هو خير وبر وطاعة لله - تعالى - ، ولا تتعاونوا على ارتكابا الآثام ولا على الاعتداء على حدوده ، فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدي إلى السعادة ، أما التعاون على ما يغضب الله - تعالى - فيدؤي إلى الشقاء .قال الآلوسي : والجملة عطف على قوله ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ) من حيث المعنى ، فكأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صدوكم عنه ، وتعاونوا على العفو والإِغضاء .وقال بعضهم : هو استئناف ، والوقف على ( أَن تَعْتَدُواْ ) لازم .هذا ، وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن أبي مسعود الانصاري قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أبدع بي - أي : هلكت دابتي التي أركبها - فاحملني فقال : " ما عندي " فقال رجل : يا رسول الله ، أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " وروى الإِمام مسلم - أيضاً - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً . ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من تبعه . لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً " .وقوله - تعالى - ( واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) تذييل قصد به إنذار الذين يتعاونون على الإِثم والعدوان . أي : اتقوا الله - أيها الناس - واخشوه فيما مركم ونهاكم ، فإنه - سبحنه شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانحرف عن طريقه القويم .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال ما حرمه الله عليهم من محارم ، وعن الإِخلال بشيء من أحكامها كما نهتهم عن أن بحملهم بغضهم لغيرهم على الاعتداء عليه وأمرتهم بأن يتعاونوا على فعل الخير الذي ينفعهم وينفع غيرهم من الناس وعلى ما يوصلهم إلى طاعته - سبحانه - وحسن مثوبته ، ولا يتعاونوا على الأفعال التي يأثم فاعلها ، وعلى مجاوزة حدود الله بالاعتداء على غيرهم . ثم حذرتهم في نهايتها من العقاب الشديد الذي ينزله سبحانه - بكل من عصاه ، وانحرف عن هداء .

3S05V03

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ

Vous sont interdits la bête trouvée morte, le sang, la chair de porc, ce sur quoi on a invoqué un autre nom que celui d'Allah, la bête étouffée, la bête assommée ou morte d'une chute ou morte d'un coup de corne, et celle qu'une bête féroce a dévorée - sauf celle que vous égorgez avant qu'elle ne soit morte -. (Vous sont interdits aussi la bête) qu'on a immolée sur les pierres dressées, ainsi que de procéder au partage par tirage au sort au moyen de flèches. Car cela est perversité. Aujourd'hui, les mécréants désespèrent (de vous détourner) de votre religion: ne les craignez donc pas et craignez-Moi. Aujourd'hui, J'ai parachevé pour vous votre religion, et accompli sur vous Mon bienfait. Et J'agrée l'Islam comme religion pour vous. Si quelqu'un est contraint par la faim, sans inclination vers le péché... alors, Allah est Pardonneur et Miséricordieux

Tafsir Al WasitWaseet

ثم شرع - سبحانه - في بيان المحرمات التي أشار إليها قبل ذلك بقوله : ( إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ) فبين ما يحرم أكله من الحيوان لأسباب معينة فقال - تعالى - :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم . . . )في هذه المحرمات يتلى في قوله - تعالى - : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ) . .والميتة كما يقول ابن جرير - كل ما له نفس - أي دم ونحوه - سائلة من دواب البر وطيره ، مما أباح الله أكلها . أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية .وقال : بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية شرعية ، مما أحل الله أكله " أي : حرم الله عليكم - أيها المؤمنون - أكل الميتة لخبث لحمها ، ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها .وقد أجمع العلماء على حرمة أكل الميتة ، أما شعرها وعظمها فقال الأحناف بطارتهما وبجواز الانتفاع بهما . وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم جواز استعمالهما .وقد استثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد . فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبي أوفي قال : " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد " .وفيهما - أيضاً - من حديث جابر ، " إن البحر ألقى حوتاً ميتاً فأكل منه الجيش . فلما قدموا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : فقال : " كلوا رزقاً أخرجه الله لكم : أطعمونا منه إن كان معكم . فأتاه بعضهم بشيء منه " .وعن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالسمك والجراد . وأما الدمان فالكبد والطحال " .وثاني هذه المحرمات ما ذكره - سبحانه - في قوله : ( والدم ) أي : وحرم عليكم أكل الدم .والمراد به : الدم المسفوح . أي السائل من الحيوان عند التذكية . لقوله - تعالى - في آية أخرى ( أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ) وهي خاصة . والآية التي معنا عامة . والخاص مقدم على العام .وكان أهل الجاهلية يجعلونه في الماعز ويشوونه ويأكلونه ، فحرمه الله - تعالى - لأنه يضر الأجسام . أما الدم الذي يكون جامداً بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه حلال كما جاء في حديث ابن عمر الذي سقناه منذ قليل .وثالث هذه المحرمات ما جاء في قوله - تعالى - ( وَلَحْمُ الخنزير ) أي : وحرم عليكم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه ، لأنهن مستقذر تعافه الفطرة ، وتتضرر به الأجسام .وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ( وَلَحْمُ الخنزير ) يعني إنسيه ووحشية ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم . كما هو المفهوم من لغة العرب ، ومن العرف المطرد . . وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود . ويستصبح بها الناس؟ فقال : لا . هو حرام : ثم قال : قاتل الله اليهود . إن الله لما حرم شحومها جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه " .ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله : ( وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ) .الإِهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً . ومنه : إهلال الصبي أي : صراخه بعد ولادته ، والإِهلال بالحج أي رفع الصوت بالتلبية .وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم ، سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم ، وسمي ذلك إهلالا . ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل سمي أو لم يسم . جهر بالتسمية أو لم يجهر .والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير اسم الله - تعالى - سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان ، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان ، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله : باسم الله واسم فلان .أما إذا جمع الذابح بين اسم الله واسم غيره بدون عطف بأن قال : باسم الله المسيح نبي الله ، أو باسم الله محمد رسول الله ، فالأحناف يجوزون الأكل من الذبيحة ويعتبرون ذكر غير الله كلاماً مبتدأً بخلاف العطف فإنه يكون نصا في ذكر غير الله .وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع اسم الله آخر سواء أكان ذلك بالعطف أو بدونه .وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام ، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً والتحريم هنا ليس لذات الحيوان ، بل لما صحبه من عمل فيه شرك بالله - تعالى -ثم ذكر - سبحانه - أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال : ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ) .والمنخنقة : هي التي تموت خنقاً إما قصداً بأن يخنقها آدمي . وإما اتفاقاً بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها .والموقوذة : هي التي تضرب بمثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا في الجاهلية يضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها .والوقذ : شدة الضرب . وفلان وقيذ أي : مثخن ضرباً . ويقال : وقذه يقذه وقذا : ضربه ضرباً حتى استرخى وأشرف على الموت .قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال " قلت يا رسول الله فإني أرمي الصيد فأصيب؟ - والمعراض : وهو سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا رميت بالمعراض فخزق - أي نفذ وأسال الدم - فكله . وإن أصاب بعرضه فلا تأكله " .والمتردية : هي التي تتردى أي : تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردي مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها .والنطيحة : هي التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح يقال : نطحه ينطحه وينطحه أي أصابه بقرنه .والمعنى : وحرم الله عليكم كذلك - أيها المؤمنون - الأكل من المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، إذا ماتت كل واحدة من هذه الأنواع لهذه الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية ، لأن الأكل منها في هذه الحالة يعود عليكم بالضرر .وتاسع هذه المحرمات ذكره - سبحانه - في قوله : ( وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) .المراد بالسبع كل ذي ناب وأظفار من الحيوان . كالأسد والنمر والذئب ونحوها من الحيوانات المفترسة .وقوله ( ذَكَّيْتُمْ ) من التذكية وهي الإتمام . يقال : ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها .والمراد هنا : إسالة الدم وفرى الأوداج في المذبوح ، والنحر في المنحور .والمعنى : وحرم عليكم - أيضاً - الأكل مما افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه أم لم يأكل ، إلا ما أدركتموه من هذه الأنواع وقد بقيت فيه حياة يضرب معها اضطراب المذبوح وذكيتموه أي ذبحتموه ذبحا شرعياً : فإنه في هذه الحالة يحل لكم الأكل منه . فقوله ( إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) الاستثناء هنا يرجع إلى هذه الأنواع الخمسة .وقيل : إن الاستثناء هنا مختص بقوله : ( وَمَآ أَكَلَ السبع ) .أي : وحرم عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسبب جرحه ، إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه ذكاة شرعية فإنه في هذه الحالة يحل الأكل منه ، والأول أولى ، لأن هذه الأنواع الخمسة تشترك في أنها تعلقت بها أحوال قد تفضي بها إلى الهلاك ، فإن هلكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة ، وإذا أدركت بالذكاة في وقت تنفع فيه الذكاة لها جاز الأكل منها .أما النوع العاشر في هذه المحرمات فيتجلى في قوله - تعالى - ( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ) والنصب : جمع نصاب : ككتب وكتاب . أو جمع نصب كسقف وسقف . ويصح أن يكون لفظ النصب واحداً وجمعه أنصاب مثل : طنب أطناب .وعلى كل فهي حجارة كان الجاهليون ينصبونهها حول الكعبة ، وكان عددها ثلاثمائة وستين حجراً ، وكانوا يذبحون عليها قرابينهم التي يتقربون بها إلى أصنامهم . ويعتبرون الذبح أكثر قربة إلى معبوداتهم متى تم على هذه النصب . وليست هذه النصب هي الأوثان ، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان فإنها حجارة مصورة منقوشة .والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب به إلى الله ، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه .هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت الآية الكريمة الأكل منها ، لما اشتملت عليه من مضرة وأذى ، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله ، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن وأذى ، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله ، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن الله - تعالى - قد حرمها ، لأنه - سبحانه - لا يحرم الخبائث .ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - وحرم .ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة ، بعد ذكره لعشرة أنواع من المطاعم المحرمة فقال : ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ ) .وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة المطاعم المحرمة ، لأنه مما ابتدعه أهل الجاهلية؛ كما ابتدعوا ما ابتدعوه في شأن المطاعم .والاستقسام : طلب معرفة ام قسم للإِنسان من خير أو شر .والأزلام : قداح الميسر واحدها زلم - بفتح اللام وبفتح الزاي أو ضمها - وسميت قداح الميسر بالأزلام ، لأنها زلمت أي سويت ، ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة ، إذا كان جيد القد ، جميل القوام .وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها : أنه كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها : أمرني ربي وعلى الآخر : نهاني ربي . والثالث غفل من الكتابة ، فإذا أرادوا سفراص أو حرباً أو زواجاً أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا على ما يريدونه وإن خرج الناهي امسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي .والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا معرفة ما قسم لكم في سفر أو غزو أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام ، لأن هذا الفعل فسق ، أي : خروج عن أمر الله وطاعته .فاسم الإِشارة " ذلكم " يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة . ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم عليهم .قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة ، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها . وفي أيديهما الأزلام . فقال صلى الله عليه وسلم : " قاتلهم الله . لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا " .وثبت في الصحيحين أيضاً " أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين : قال فاستقسمت بالأزلام . هل أضرهم أولا؟ فخرج الذي أكره : لا تضرهم . قال : فعصيت الأزلام واتبعتهم . ثم استقسم بها ثانية وثالثة . كل ذلك يخرج الذي يكره : لا تضرهم . وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ، ثم أسلم بعد ذلك " .فإن قيل إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل ، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن فلم صار فسقاً؟فالجواب أن هناك فرقا واسعاً بين الاستقسام بالأزلام وبين الفأل؛ فإن الفأل أمر اتفاقي تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه بخلاف الاستقسام بالأزلام فإن القوم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة الله .وفضلا عن هذا فإن الاستقسام بالأزلام طلب لمعرفة علم الغيب الذي استأثر الله به ، وذلك حرام وافتراء على الله - تعالى - .وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد ذكرت أحد عشر نوعاً من المحرمات عشرة منها تتعلق بالمأكولات ، وواحدا يتعلق بالأفعال .وهناك مطعومات أخرى جاء تحريمها عن طريق السنة النبوية ، كتحريمه صلى الله عليه وسلم الأكل من لحوم الحمر الأهلية .وبعد أن بين - سبحانه - هذه الأنواع من المحرمات التي حرمها على المؤمنين رحمة بهم ، ورعاية لهم ، أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم ، وأمرهم بأن يجعلوا خشيتهم منه وحده ، فقال - تعالى - : ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون ) .وقوله ( اليوم ) ظرف منصوب على الظرفية بقوله ( يَئِسَ ) والألف واللام فيه للعهد الحضوري ، فيكون المراد به يوماً معيناً وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع .ويصح أن لا يكون المراد به يوما بعينه ، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية .وقد حكى الإِمام الرازي هذين الوجهين فقال ما ملخصه : وقوله : ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) فيه قولان :الأول : أنه ليس المراد به ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان أي لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار ، لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخاً . لا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه .الثاني : أن المراد به يوم نزول هذه الآية . وقد " نزلت يوم الجمعة من يوم عرفة بعد العصر في عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء " .وقوله : ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) أي انقطع رجاؤهم في التغلب عليكم ، وفي إبطال أمر دينكم . وفي صرف الناس عنه بعد أن دخلوا فيه أفواجاً وبعد أن صار المشركون مهقورين لكم . أذلة أمام قوتكم . وما دام الأمر كذلك ( فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون ) أي : فلا تجعلوا مكاناً لخشية المشركين في قلوبكم فقد ضعفوا واستكانوا ، بل اجعلوا خشيتكم وخوفكم وهيبتكم من الله وحده الذي جعل لكم الغلبة والنصر عليهم .ثم عقب ذلك - سبحانه - بيان أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإِسلامية فقال : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) .أي؛ اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي ، ونصري لكم على أعدائكم وتمكيني إياكم من أداء فريضة الحج دون أن يشارككم في الطواف بالبيت أحد من المشركين .وأتممت عليكم نعمتي ، بأن أزلت دولة الشرك من مكة ، وجعلت كلمتكم هي العليا وكلمة أعدائكم هي السفلى ، ورضيت لكم الإِسلام دينا ، بأن اخترته لكم من بين الأديان . وجعلته الدين المقبول عندي ، فيجب عليكم الالتزام بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه قال - تعالى - : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) وليس المراد بإكمال الدين أنه كان ناقصاً قبل اليوم ثم أكمله ، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتاً في علم الله قابلا للنسخ . ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة لكل زمان ومكان ، وغير قابلة للنسخ ، وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين فقال الإِمام الرازي : قال القفال : إن الدين ما كان ناقصا البتة بل كان أبداً كاملا . يعني : كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت إلا أنه - تعالى - كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم بكامل في الغد ولا صلاح فيه . فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت . وكان يزيد بعد العدم . وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة . فالشرع أبداً كان كاملا . إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص . والثاني كمال إلى يوم القيامة . فلأجل هذا قال : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .وقال القرطبي ما ملخصه : لعل قائلا يقول : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات . وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار . قبل نزول هذه الآية - ماتوا على دين ناقص . ومعلوم أن النقص عيب؟فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه؟ ثم يقال له : أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا ، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها . . ؟ لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب .وقوله : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) يخرج على وجهين :أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته ، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب ، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصاً عما كان عند الله أنه ملحقه به ، وضامه إليه . . وهكذا شرائع الإِسلام شرعها الله شيئاً فشيئاً إلى أن أنهى - سبحانه - الدين منتهاه الذي كان له عنده .وثانيهما : أنه أراد بقوله ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره ، فحجوا فاستجمع لهم الدين أداء أركانه ، وقياما بفرائضه وفي الحديث :" بني الإِسلام على خمس " وقد كانوا تشهدوا ، وصلوا ، وزكوا ، وصاموا ، وجاهدوا ، واعتمروا ، ولم يكونوا حجوا ، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله وهم بالموقف عشية عرفة ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أي : أكمل وضعه لهم .وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : " جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . قال وأي آية؟ قال : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة " .وروى أنها " لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى عمر ، فقال له ما يبكيك؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة في ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " صدقت " " .وبعد أن ذكر - سبحانه - في صدر الآية أحد عشر نوعا من المحرمات ، وأتبع ذلك ببيان إكمال الذين وإتمام النعمة على المؤمنين . جاء ختام الآية لبيان حكم المضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فقال - تعالى - : ( فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .وقوله ( اضطر ) من الاضطرار بمعنى الوقوع في الضرورة .والمخمصة : خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد . يقال خمصه الجوع خمصا ومخمصة .إذا اشتد به . وفي الحديث : " إن الطير تغدو خماصاً - أي جياعا ضامرات البطون - وتروح بطانا - أي مشبعات " وقال الأعشى :يبيتون في المشتى ملاءً بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصاأي : وجاراتهم جوعى وقد ضمرت بطونهن من شدة الجوع .وقوله ( مُتَجَانِفٍ ) من الجنف وهو الميل ، يقال : جنف عن الحق - كفرح - إذا مال عنه وجنف عن طريقه - كفرح وضرب - جنفاً وجنوفاً إذا مال عنه .والمعنى : فمن ألجأته الضرورة إلى كل شيء من هذه المحرمات في مجاعة شديدة حالة كونه غير مائل إلى ارتكاب إثم من الآثام فلا ذنب عليه في ذلك لأن الله - تعالى - واسع المغفرة .فهو بكرمه يغفر لعباده تناول ما كان محرما إذا اضطروا إلى تناوله لدفع الضرورة بدون بغي أو تعد ، وهو واسع الرحمة حيث أباح لهم ما يدفع عنهم الضرر ولو كان محرما .قال الآلوسي : وقوله : ( غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ) أي غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائداً على ما يمسك رمقه فإن ذلك حرام . وقيل : يجوز أن يشبع عند الضرورة . وقيل : المراد غير عاص بأن يكون باغياً أو عادياً بأن ينزعها من مضطر آخر أو خارجاً في معصية .وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت ما يحرم في حالة الاختيار ، وما يحل في حالة الاضطرار .وجاءت بين ذلك بجمل معترضة - وهي قوله ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) إلى قوله : ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) لتأكيد تحريم هذه الأشياء ، لأن تحريمها من جملة الدين الكامل ، والنعمة التامة ، والإِسلام المرضى عند الله .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتي :1 - حرمة هذه الأنواع الأحد عشر التي ذكرها الله - تعالى - في هذه الآية ووجوب الابتعاد عنها لأنها رجس أو فسق ، ولأن استحلال شيء منها يكون خروجا عن تعاليم دين الله ، وانتهاكا لحرماته .2 - حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، متى ذبحت ذبحاً شرعياً وكانت بها بقية حياة تجعلها تضطرب بعد ذبحها اضطراب المذبوح .وللفقهاء كلام طويل في ذلك يؤخذ منه اتفاقهم على أن الخنق وما معه إذا لم يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه الحالة كانت الذكاة محللة له . أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل له بسبب الخنق أو الوقذ أو التردي أو النطح أو أكل السبع منه ، فقد أفتى كثير من العلماء بعمل الذكاة فيه ، وقد أخذ بذلك الأحناف . فقد قالوا : متى كانت عينه أو ذنبه يتحرك أو رجله ترك ثم ذكى فهو حلال .وقال قوم لا تعمل الذكاة فيه ويحرم أكله .ومنشأ اختلافهم في أن الذكاة تعمل أولا تعمل يعود إلى : هل الاستثناء هن متصل أو منقطع؟فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ ، فما قبل حرف الاستثناء حرام ، وما بعده خرج منه فيكون حلالا .ومن قال إنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة . وكأنه قال : ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح الله لكم التمتع به . أما هذه الحيوانات التي حرمها الله في الآية فلا يجوز لكم الأكل منها مطلقا .وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل ، وقالوا : يؤيد القول بأن الاستثناء متصل بالإِجماع على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش فيكون مخرجاً لبعض ما يتناوله المستثنى منه ، فيكون الاستثناء فيه متصلا .هذا ملخص لما قاله العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الفروع .3 - إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع الضرر ، ومن هذه الإباحة مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان .الأول : أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط .الثاني : ألا يتجاوز ما يسد الحاجة ، أما إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة ، أو تجلوز المقدار الذي يدفع الضرر فإنه في هذه الأحوال يكون واقعا في المحرم الذي نهى الله عنه .وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال : قوله - تعالى - ( فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم ) أي : فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناول والله غفور له رحيم به ، لأنه - تعالى - يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له .وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر - مرفوعاً - قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يكره أن تؤتي معصيته " .ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان ، و هو إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها ، وقد يكون مندوبا ، وقد يكون مباحاً بحسب الأحوال . واختلفوا : هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أوله أن يشبع ويتزود على أقوال ، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاماً ، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم - بل متى اضطر إلى ذلك جاز له .وقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا : يا رسول الله ، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة ، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال : " إذا لم تصطحبوا ولم تغتبقوا ولم تحتفثوا بقلا فشأنكم بها " .والاصطباح شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة ، وما كان منه بالعشي فهو الاغتباق ومعنى لم تحتفثوا : أي تقتلعوا .وقوله : ( غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ) أي متعاط لمعصية الله .وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر ، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي .4 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ ) أن الاستقسام بالأزلام محرم ، ومحرم أيضاً كل ما يشبهه من القمار والتنجيم والرمل وما إلى ذلك قال بعض العلماء : من عمل بالأيام في السعد والنحس معتقداً لها تأثيراً كفر وإن لم يعتقد أثم .وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان عن قطن بن قبيصة ، عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " العيافة والطرق والطيرة من الجبت " .والعيافة : زجر الطير . والطرق : الخط يخط في الأرض . وقيل : الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء .وفي القاموس : عفت الطير عيافة زجرتها . وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها فتسعد وتتشاءم . وهو من عادة العرب كثيراً . والطيرة : من اطيرت وتطيرت وهو ما يتشاءم من الفأل الرديء ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة .والجبت : كل ما عبد من دون الله .وقد روى مسلم في صحيحيه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه ، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً " .وروى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى عرافاً أو كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - " .وعن عمران بن حصين مرفوعا : " ليس منا من تطير أو تطير له ، أو تكهن أو تكهن له . أو سحر أو سحر له "5 - استدل بعضهم بقوله - تعالى - ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) على نفي القياس وبطلان العمل به لأن إكمال الدين يقتضي أنه نص على أحكام جميع الوقائع إذ لو بقى بعض لم يبين حكمه لم يكن الدين كاملا .وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال الدين أن يكون الله - تعالى - قد أبان الطرق لجميع الأحكام وقد أمر الله بالقياس ، وتعبد المكلفين به بمثل قوله - تعالى - ( فاعتبروا ياأولي الأبصار ) فكان هذا مع النصوص الصريحة بياناً لكل أحكام الوقائع ، غاية الأمر أن الوقائع صارت قسمين : قسما نص الله على حكمه ، وقسما أرشد الله - تعالى - إلى أنه يمكن استنباط الحكم فيه من القسم الأول . فلم تصلح الآية متمسكا لهم .6 - الآية الكريمة قد اشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة الإِسلامية فقد بشرتهم - أولا - بأن أعداءهم قد انقطع رجاؤهم في إبطال أمر الإِسلام أو تحريفه أو تبديل أحكامه التي كتب الله لها البقاء .وها نحن أولا . نراجع التاريخ فنرى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم في معارك حربية ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ومبادئه . بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف عن السلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد روى الإِمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبه حجة الوداع : " إن الشيطان قد يئس أن يعيده المصلون في جزيرة العرب ولكنه رضي بالتحريش بينهم " .وبشرتهم - ثالثاً - بإتمام نعمة الله عليهم . وأي نعمة أتم على المؤمنين من إخراج الله إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية ومن تمكينه لهم في الأرض واستخلافهم فيها ، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا في ضعف من أمرهم وفساد في أحوالهم .وبشرتهم - رابعا - بأن الله قد اختار لهم الإِسلام دينا ، وجعله هو الدين المرضي عنده وهو الذي يجب على الناس أن يدخلوا فيه ، وأن يعملوا بأوامره ونواهيه ، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن الدين الذي اختاره الله وارتضاه ليختاره لنفسه طريقاً من نزغات نفسه وهواه .وهذه بعض الأحكام والآداب التي استلهمها العلماء من الآية الكريمة . وهناك أحكام أخرى ذكرناها خلال تفسيرنا لألفاظ الآية الكريمة .

4S05V04

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ

Ils t'interrogent sur ce qui leur est permis. Dis: «Vous sont permises les bonnes nourritures, ainsi que ce que capturent les carnassiers que vous avez dressés, en leur apprenant ce qu'Allah vous a appris. Mangez donc de ce qu'elles capturent pour vous et prononcez dessus le nom d'Allah. Et craignez Allah. Car Allah est, certes, prompt dans les comptes

Tafsir Al WasitWaseet

وبعد أن بين - سبحانه - أنواعاً من : المحرمات . شرع في بيان ما أحله لهم من طيبات فقال - تعالى -( يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات . . . )أورد المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله ، قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية .والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا ما حرم منها؟ قل لهم أحل لكم الطيبات .والطيبات : جمع طيب وهو الشيء المستلذ . وفسره بعضهم بالحلال .أي : قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التي تستلذها النفوس المستقيمة وتستطيبها ولا تستقذرها ، والتي لم يرد في الشرع ما يحرمها ويمنع من تناولها .وفي قوله ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ) التفاوت من الحاضر إلى الغائب ، لأن في السياق حكاية عنهم كما يقال : أقسم فلان ليفعلن كذا ، لأن هذا الالتفات أدعى إلى تنبيه الأذهان ، وتوجيهها إلى ما يراد منها .وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب عن سؤالهم لأنه هو المبلغ للرسالة وهو المبين لهم ما خفى عليهم من أمور دينهم ودنياهم .وقوله ( مَاذَآ ) اسم استفهام مبتدأ ، وقوله ( أُحِلَّ لَكُمُ ) خبره كقولك : أي شيء أحل لهم .وجواب سؤالهم جاء في قوله تعالى : ( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ) .وقوله : ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِين ) معطوف على الطيبات بتقدير مضاف و ( ما ) موصولة . والعائد محذوف .و ( الجوارح ) جمع جارحه . وهي - كما يقال ابن جرير - الكواسب من سباع البهائم والطير . سميت جوارح لجرحها لأربابها ، وكسبها إياهم أوقاتهم من الصيد . يقال منه : جرح فلان لأهله خيراً . إذا أكسبهم خيراً وفلان جارحه أهله . يعني بذلك : كاسبهم ، ويقال : لا جارحة لفلانه إذا لم يكن لها كاسب " .ومنه قوله - تعالى - ( وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ) أي : كسبتم بالنهار . وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه .وقوله : ( مُكَلِّبِين ) أي : مؤدبين ومعودين لها على الصيد . فالتكليب : تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد . فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب . أو هو مشتق من الكلب بمعنى الضراوة . يقال : كلب الكلب يكلب واستكلب أي : ضرى وتعود نهش غيره وهو حال من فاعل علمتم .والمعنى : أحل الله لكم الطيبات ، وأهل لكم صيد ما علمتموه من الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد .وقوله : ( تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ) في محل نصب على أنه حال ثانية من فاعل ( عَلَّمْتُمْ ) أو من الضمير المستتر في ( مُكَلِّبِينَ ) .أي : تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم الله إياه من فنون العلم والمعرفة بأن تدربوهن على وسائل التحاليل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى الانقياد لأمركم عند الإِرسال وعند الطلب ، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد صيده .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل الله على الناس ، حيث منحهم العلم الذي عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه ، وسخروا هذا الغير لمنفعتهم ومصلحتهم .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : قوله : ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح ) عطف على الطيبات : أي : أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح ، فحذف المضاف أو تجعل " ما " شرطية وجوابها ( فَكُلُواْ ) والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي ، والمكلب : مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها ، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب .وانتصاب ( مُكَلِّبِينَ ) على الحال من ( عَلَّمْتُمْ ) .فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعملتم؟ قلت : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه ، مدربا فيه ، موصوفا بالتكليب .قوله ( تُعَلِّمُونَهُنَّ ) حال ثانية أو استئناف . وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإِبل . فكم من آخذ عن غير متقن ، قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النحارير أنامله .وقوله ( فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة ، ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه للإِباحة .و ( من ) في قوله ( مِمَّآ أَمْسَكْنَ ) تبعيضة؛ إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم ونحوهما . ويحتمل أن تكون بيانية أي : فكلوا الصيد و هو ما أمسكن عليكم .و ( ما ) موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي : أمسكنه .وقوله ( أمسكن ) أي : حبس وصدن ، والضمير المؤنث يعود للجوارح .وقوله ( عليكم ) متعلق بأمسكن ، وهو هنا بمعنى لكم ، والاستعلاء مجازي .والتقييد بذلك ، لإِخراج ما أمسكنه لأنفسهن لا لأصحابهن .والمعنى : إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما تصيده ، فكلوا مما أمسكنه محبوسا عليكم ولأجلكم .والضمير في ( عليه ) من قوله : ( واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ) يعود إلى ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح ) أي : عند إرسالكم الجوارح للصيد فسموا عليها ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : " وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم - الله تعالى - فكل مما أمسك عليك " .وقال بعضهم إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل . فكأنه قيل : واذكروا اسم الله عند الأكل مما صدن لكم . وقيل : يعود على قوله ( مِمَّآ أَمْسَكْنَ ) أي : اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكن عليكم الجوارح . ولا بأس من عود الضمير إلى كل ما ذكر ، بأن يذكر اسم الله عند إرسال الجوارح ، وعند الأكل مما صادته .وعند تذكية الحيوان الذي صادته الجوارح .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( واتقوا الله إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ) .أي : واتقوا الله وراقبوه واخشوه في كل شئونكم واحذروا مخالفة أمره فيما شرع لكم وفيما كلفكم به فإنه - تعالى - لا يعجزه شيء ، وسيجازي كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أمر الله ، وانتهك محارمه . هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - إباحة التمتع بالطيبات التي أحلها الله - تعالى - لعباده ، والتي تستطيبها النفوس الكريمة ، والعقول القويمة ، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك مما أحله - سبحانه - لعباده . وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها ، قوله - تعالى - : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة ) 2 - إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة ، وعلامة كونها معملة أن تسترسل إذا أرسلت ، وتنزجر إذا زجرت ، وتمسك الصيد ولا تأكل منه ، وتعود إلى صاحبها متى دعاها .ويدخل في الجوارح - عند جمهور الفقهاء - كل يحوان ينصع صنيع الكلب ، وكل طير كذلك ، لأن قوله - تعالى - ( مِّنَ الجوارح ) ، يعم كل يحوان يصنع صنيع الكلب . وكان التعبير بمكلبين ، لأن الكلاب أكثر الحيوانات استعمالا للصيد .وقد جاء في حديث عدي بن حاتم الذي رواه الإِمام أحمد وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك " .ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة .قال القرطبي ما ملخصه : وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإِباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير . وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل . وهو الأكل من الجوارح . أي : الكواسب من الكلاب وسباع الطير .وليس في قوله ( مُكَلِّبِينَ ) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ، وإن كان قد تمسك به من قصر الإِباحة على الكلاب خاصة .3 - استدل بعض الفقهاء بقوله - تعالى - ( فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) على أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد الذي أمسكه ، فإنه في هذه الحالة لا يحل الأكل منه ، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا قال الشافعية والحنابلة .ويرى المالكية أن الجارح ما دام قد عاد بالصيد ولو مأكولا منه ، فإنه يجوز الأكل منه ، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه .أما الأحناف فقالوا : إن عاد بأكثره جاز الأكل منه ، لأنه في هذه الحالة يكون قد أمسك لصاحبه ، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه ، لأنه يكون قد أمسك لنفسه . وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير .4 - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى - ( واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ) على وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد ، ولقوله - تعالى - في آية أخرى : ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) ويرى بعضهم أن الأمر للندب ، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا يحل الأكل من الصيد .قال القرطبي : وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإِرسال لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك " فلو لم توجد التسمية على أي وجه كان لم يؤكل الصيد . وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث .وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب .وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال لا تؤكل مع العمد ، وتؤكل مع السهو ، وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي .

5S05V05

ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ

«Vous sont permises, aujourd'hui, les bonnes nourritures. Vous est permise la nourriture des gens du Livre, et votre propre nourriture leur est permise. (Vous sont permises) les femmes vertueuses d'entre les croyantes, et les femmes vertueuses d'entre les gens qui ont reçu le Livre avant vous, si vous leur donnez leur mahr avec contrat de mariage, non en débauchés ni en preneurs d'amantes. Et quiconque abjure la foi, alors vaine devient son action, et il sera dans l'au-delà, du nombre des perdants

Tafsir Al WasitWaseet

ثم حكى - سبحانه - جانباً آخر من مظاهر نعمه على عباده ، ورحمته بهم وتيسيره عليهم في أمور دينهم ودنياهم فقال :( اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات . . . )قوله : ( اليوم أُحِلَّ لَكُمُ ) . يصح أن يراد به اليوم الذي نزلت فيه . فإنه يجوز أن تكون هذه الآية وما قبلها من قوله - تعالى - ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) قد نزلت جميعها في يوم واحد وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع .ويصح أن يراد به الزمان الحاضر مع ما يتصل به من الماضي والمستقبل . والراد بالطيبات : ما يستطاب ويشتهي مما أحله الشرع .والمراد بطعام الذين أوتوا الكتاب : ذبائحهم خاصة . وهذا مذهب جمهور العلماء .قالوا : لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب ، وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة . ولأن ما قبل هذه الآية في بيان حكم الصيد والذبائح . فحمل هذه الآية عليه أولى ، لأن سائر الطعام لا يختلف من تولاه من كتابي أو غيره . وإنما تختلف الذكاة . فلما خص أهل الكتاب بالذكر ، دل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم .وقيل المراد بطعام أهل الكتاب هنا : الخبز والحبوب والفاكهة وغير ذلك مما لا يحتاج إلى تذكية . وينسب هذا القول إلى بعض طوائف الشيعة .وقيل المراد به : ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة . وقد روى هذا القول عن ابن عباس ، وأبي الدرداء ، وقتادة ومجاهد وغيرهم .والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى .ال الآلوسي : وحكم الصابئين كحكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة . وقال صاحباه الصائبة صنفان : صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم .واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله - كعزير وعيسى - فقال ابن عمر : لا تحل . وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل . وهو قول الشعبي وعطاء قالا : " فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون " .والمعنى : إن الله أسبغ عليكم نعمه - أيها المؤمنون - وأكمل لكم دينه ، ويسر لكم شرعه ، ومن مظاهر ذلك أنه - سبحانه - أحل لكم التمتع بالطيبات ، كما أحل لكم أن تأكلوا من ذبائح أهل الكتاب . وأن تطعموهم من طعامكم .قال ابن كثير : وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ، أن ذبائحهم حلال للمسلمين ، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله ، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه - تعالى وتقدس - .وإنما قال : ( وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ) أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح عن المناكحة .فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين ، بخلاف إباحة المنكاحات فإنها في جانب واحد ، إذ لا يحل لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة ، لأنه لو جاز ذلك لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن ، والله - تعالى - لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا ، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظوراً .قال بعض العلماء : والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق الدم ، وقد اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح ، والخلاف عندهم فيما عدا الذبائح التي ثبت حلها بالنص ، وأما غير الذبائح فهو قسمان :القسم الأول : ما لا عمل لهم فيه كالفاكهة والبر وهو حلال بالاتفاق .والقسم الثاني : ما لهم يه عمل وهو قسمان - أيضاً - أحدهما ، ما يحتمل دخول النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من النباتات أو الحيوانات وهذا قد اختلف فيه الفقهاء . فمنهم من منعه لاحتمال النجاسة ، ومن هؤلاء : ابن عباس ، لأن احتمال النجاسة ثابت ، وهو يمنع الحل . وقد تبع هذا الرأي بعض المالكية ، ومن هؤلاء الطرطوسي وقد صنف في تحريم جبن النصارى ويجري مجرى الجبن الزيت ، وعلى هذا الرأي يجري مجراها السمن الهولاندي وما شابهه . ولكن الجمهور على جواز ذلك ما دام لم يثبت أنه اختلط بهذا النوع من الطعام نجاسة ، والثاني : المحرم ، وهو ما ثبت أنه قد دخله أجزاء من الخمر أو الميتة ، أو الخنزير ، أو غير ذلك من المحرمات .ثم بين - سبحانه - حكم نكاح نساء أهل الكتاب بعد بيان حكم ذبائحهم فقال ( والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ) .وقوله : ( والمحصنات ) عطف على ( الطيبات ) وهو جمع محصنة .والإِحصان يطلق على معان منها : الإِسلام . ولا موضع له هنا لأن الكلام في غير المسلمات ، ويطلق على التزوج ، ولا موضع له هنا - أيضاً - لأنه لا يحل تزوج ذات الزوج .ويطلق على العفة وعلى الحرية وهذان المعنيان هما المختاران هنا .فمن الفقهاء من قال : المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا العفيفات ويكون الوصف للترغيب في طلف العفة ، والعمل على اختيار من هذه صفتها .ومنهم من قال : المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا : الحرائر أي أنه لا يحل الزواج بنساء أهل الكتاب إلا إذا كن حرائر .والمراد بقوله ( أُجُورَهُنَّ ) أي مهورهن . وعبر عن المهر بالأجر لتأكيد وجوبه . وعدم الاستهانة بأي حق من حقوقهن .وقوله : محصنين - بكسر الصاد - أي متعففين بالزواج عن اقتراب الفواحش .يقال أحصن الرجل فهو محصن أي : تعفف فهو متعفف وأحصن بالزواج الرجل فهو محصن - بفتح الصاد - أي : أعفه بالزواج عن الوقوع في الفاحشة .وقوله ( مُسَافِحِينَ ) جمع مسافح . والسفاح . الزنا . يقال : سافح الرجل المرأة إذا ارتكب معها فاحشة الزنا ، وسمى الزاني مسافحاً .لأنه سفح ماءه أي : صبه ضائعاً .وقوله : ( أَخْدَانٍ ) جمع خدان - بكسر الخاء وسكون الدال - بمعنى الصديق . ويطلق على الذكر والأنثى .والمراد بالخدن هنا . المرأة البغي التي يخادنها الرجل أي يصادقها ليرتكب معها فاحشة الزنا . وغالبا ما تكون خاصة به .والمعنى : وكما أحل الله لكم - أيها المؤمنون - الطيبات من الرزق ، وأحل لكم ذبائح أهل الكتاب ، وأحل لكم أن تطعموهم من طعامكم ، فقد أحل لكم - أيضاً - نكاح المحصنات من المؤمنات . أي العفيفات الحرائر لأنهن أصون لعرضكم . وأنقى لنطفكم ، وأحل لكم نكاح النساء المحصنات أيِ : الحرائر العفيفات ( مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) أي : من اليهود والنصارى .قال الآلوسي : وتخصيص المحصنات بالذكر في الموضعين ، للحث على ما هو الأولى والأليق ، لا لنفي ما عداهن ، فإن نكاح الإِماء المسلمات بشرطه ، صحيح بالاتفاق . وكذا نكاح غير العفائف منهن . وأما الإِماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم " .وقوله : ( إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) أي : مهورهن ، وهي عوض عن الاستمتاع بهن .وقالوا : وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد ، إذ لا تتوقف صحة العقد على دفع المهر ، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول .وقوله : ( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ) أمر لهم بالعفة والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وقوله ( مُحْصِنِينَ ) حال في فاعل ( آتَيْتُمُوهُنَّ ) .وقوله : ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) صفة لمحصنين ، أو حال من الضمير المستتر في محصنين .وقوله : ( وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ) يحتمل أن يكون مجروراً على أنه عطف على مسافحين ، وزيدت فيه " لا " لتأكيد النفي المستفاد من لفظ غير . ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه عطف على ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) .والمعنى : أبحنا لكم الزواج بالكتابيات المحصنات لتشكروا الله - تعالى - على تيسيره لكم فيما شرع ، ولتطلبوا من وراء زواجكم العفة والبعد عن الفواحش ، والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن انتهاك حرمات الله في السر أو العلن .وقدم - سبحانه - المحصنات من المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب للتنبيه على أن المحصنات من المؤمنات أحق باختيار الزواج بهن من غيرهن ، وأن المحصنة المؤمنة الزواج بها أولى وأجدر وأحسن من الزواج بالمحصنة الكتابية .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) .أي : ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه التي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله ، أي : خاب سعيه . وفسد عمله الذي عمله . وهو في الآخرة من الهالكين الذين ضيعوا ما عملوه في الدنيا من أعمال بسبب انتهاكهم لحرمات الله وأحكام دينه .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة : الترهيب من مخالفة أوامر الله والترغيب في طاعته - سبحانه - .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من الآية الكريمة .1 - إباحة التمتع بالطيبات التي أنعم بها - سبحانه - على عباده ، ولم يرد نص بحرمتها .2 - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب وإباحة إطعامهم من طعامنا .3 - الترغيب في نكاح المرأة المحصنة أي التي أحصنت نفسها عن الفواحش وصانتا عن كل ريبة واعتصمت بالعفاف والشرف ، وكان سلوكها المستقيم دليلا على أنها متمسكة بتعاليم دينها . وبالآداب الحميدة التي جاءت بها شريعة الإِسلام .وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " .ومعنى ( تربت يداك ) : افتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين ، وتجعلها محط طلبك للزواج بها .وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن امرأتي لا تمنع يد لامس . قال صلى الله عليه وسلم : " غربها - أي طلقها - " . قال : أخاف أن تتبعها نفسي - أي : أرتكب معها ما نهى الله عنه بعد طلاقها - قال صلى الله عليه وسلم : " فاستمتع بها " أي أبقها مع المحافظة عليها .4 - إباحة نكاح النساء الكتابيات - وهذا مذهب أكثر الفقهاء ، لأن هذا هو الظاهر من معى قوله تعالى : ( والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) .قال ابن كثير : وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : إن ربها عيسى ، وقد قال الله - تعالى - ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) وعن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) فحجز الناس عنهن حتى نزلت : ( والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) فنكح الناس نساء أهل الكتاب .وقد تزود جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية ، وجعلوها مخصصة للتي في سورة البقرة وهي قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها . وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع . كقوله - تعالى - ( لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ) وقال بعض العلماء ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) أخذه الجمهور على عمومه ، فأباحوا التزوج من أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا ، ذميين كانوا أو حربيين . وقيد جماعة بالذميين دون الحربيين .وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا أو بدلوا وعبدوا المسيح .وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة . فهم بذلك والمشركون في العقيدة سواء وقد حرم الله التزوج من المشركات ونسب هذا الرأي إلى عبدالله بن عمر وغيره من الصحابة .وتأولوا الآية بوجوه أقر بها أنها رخصة خاصة في الوقت الذي نزلت فيه . قال عطاء : إنما رخص الله في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت؛ لأنه كان في المسلمات قلة . أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة .والذي نراه في المسألة أنه ليس في الآية ما يدل على أنه رخصة ، ولا نعلم في الشريعة ما يدل على أنه رخصة . والآية دالة على الإِباحة المطلقة ، ولم تقيد بوقت خاص ، ولا بحالة خاصة .نعم إن ما نراه اليوم في بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإِفرنج لا لغاية سوى أنها إفرنجية . ثم يضع نفسه وأولاده تحت تصرفها فتنشئهم على تقاليدها وعاداتها التي تأباها تعاليم الإِسلام .نعم إن ما نراه من كل ذلك يجعلنا نوجب على الحكومات التي تدين بالإِسلام وتغار على قوميتها وشعائرها . . أن تمنع من التزوج بالكتابيات ، وأن تضع حدا لهؤلاء الذين ينسلخون عن قوامتهم على المرأة . حفاظاً على مبادئ الدين وعلى عقيدة أولاد المسلمين .وإن العمل على تقييد هذا احلكم في التشريع الإِسلامي أو منعه ، لألزم وأوجب مما تقوم به بعض الحكومات الإِسلامية ، أو تحاول أن تقوم به ، من تحديد سن الزواج للفتاة . وتقييد تعدد الزوجات ، وتقييد الطلاق ، وما إلى ذلك من التشريعات التي ينشط لها كثير من رجال الحكم ، سيراً وراء مدنية الغرب المظلمة .ألا وإن انحلال الكثرة الغالبة ممن يميلون إلى التزوج بالكتابيات للمعاني التي أشرنا إليها لمما يوجب الوقوف أمام هذه الإِباحة التي أصبحت حالتنا لا تتفق والغرض المقصود منها .وهذا معىن تشهد به كليات الدين وقواعده التي يتجلى فيها شدة حرصه على حفظ شخصية الأمة الإِسلامية ، وعدم انحلالها وفنائها في غيرها .

1 / 24Suivant