Tafsirs/Tafsir Al Wasit/An-Nisa
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

النساء

An-Nisa

176 versets

Versets 2630 sur 176Page 6 / 36
26S04V26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ

Allah veut vous éclairer, vous montrer les voies des hommes d'avant vous, et aussi accueillir votre repentir. Et Allah est Omniscient et Sage

Tafsir Al WasitWaseet

قوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) استئناف مقرر لما سبق من الأحكام ، وقد ساقه - سبحانه - لإِيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام .قال الآلوسى : ومثل هذا التركيب - قوله ( يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) . وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب :فقيل مفعول ( يُرِيدُ ) محذوف أى : يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه . واللام للتعليل . . . نسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين .فتعلق الإِرادة غير التبيين ، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف .وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك ، كما قيل به فى قولهم : " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أى إرادتى كائنة للتبين . وفيه تكلف .وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبة للفعل من غير إضمار أن ، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى : يريد الله البيان لكم .والمعنى : يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام ، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم ، وأن يميز لكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح .وقوله : ( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ) معطوف على ما قبله .والسنن : جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق .أى : ويهديكم مناهد وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين ، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبيلهم .وليس المراد أن جميع ما شرعه من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم السابقة . بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم ، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا ، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح .وقوله : ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) معطوف على ما قبله .والتوبة معناها : ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود ، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا : المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها . أو المراد بها قبول التوبة .أى : ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص ، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب ، ومنع لكشفها ، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس :فالآية الكريمة تحريض على التوبة ، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس .بطرق بابها وبالإِكثار منها . .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أى والله - تعالى - ذو علم شامل لجميع الأشياء ، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم ، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم ، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك ( حَكِيمٌ ) يضع الأمور فى مواضعها . فيبين لمن يشاء ، ويهدى من يشاء ، ويتوب على من يشاء .فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده ، حيث كشفت للناس أن الله - تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التى كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر ، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق ، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة .

27S04V27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا

Et Allah veut accueillir votre repentir. Mais ceux qui suivent les passions veulent que vous vous incliniez grandement (vers l'erreur comme ils le font)

Tafsir Al WasitWaseet

ثم أخبر - سبحانه - عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال - تعالى - : ( والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) .أى : والله - تعالى - يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم إلى قبول توبتكم ، وارتفاع منزلتكم عنده ، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما . والميل : أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب : ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط ، أطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق .ووصف الميل بالعظم للإِشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق ، وإنما يريدون منهن انحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذى أمر الله بسلوكه والسير فيه .وهؤلاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون فى كل زمان ، وتراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور تارة باسم المدينة . وقد حذر الله - تعالى - عباده منهم حتى يتأثرون بهم ، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم ( ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون )

28S04V28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا

Allah veut vous alléger (les obligations,) car l'homme a été créé faible

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال : ( يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ) .أى : يريد الله بما شرعه لكم من أحكام ، وبما كلفكم به من تكاليف هى فى قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم فى شرائعه وأوامره ونواهيه ، لكى تزدادوا له فى الطاعة والاستجابة والشكر .( وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ) أى لا يصبر على مشاق الطاعات ، فكان من رحمة الله - تعالى - به أن خفف عنه فى التكاليف .وهذا السير والتخفيف فى التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإِسلامية ، وقد بين القرآن الكريم ذلك فى كثير من آياته ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) وقوله - تعالى - ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) وقوله - تعالى -( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ولقد كان من هدى النبى صلى الله عليه وسلم التخفيف والتيسير ، ففى الحديث الشريف : " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " .وكان من وصاياه لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى عندما أرسلهما إلى اليمن " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا " .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا الوانا من مظاهر فضل الله على عباده ورحمته بهم ، لكى يزدادوا له شكرا وطاعة وخضوعا .

29S04V29

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا

O les croyants! Que les uns d'entre vous ne mangent pas les biens des autres illégalement. Mais qu'il y ait du négoce (légal), entre vous, par consentement mutuel. Et ne vous tuez pas vous-mêmes. Allah, en vérité, est Miséricordieux envers vous

Tafsir Al WasitWaseet

ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنيين بين لهم فيه بعض المحرمات المتعلقة بالأنفس والأموال ، بعد أن بين لهم قبل ذلك المحرمات من النساء والمحللات منهم ومظاهر فضله - سبحانه - بعباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين . . . كَرِيماً ) .المراد بالأكل فى قوله ( لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ ) مطلق الأخذ الذى يشمل سائر التصرفات التى نهى الله عنها .وخص الأكل بالذكر؛ لأن المقصود الأعظم من الأموال هو التصرف فيها بالأكل .والباطل : اسم لكل تصرف لا يبيحه الشرع كالربا والقمار والرشوة والغضب والسرقة والخيانة والظلم إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة .والمعنى . يأيها المؤمنون لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال غيره بطريقة باطلة لا يقرها الشرع ، ولا يرتضيها الدين ، كما أنه لا يحل لكم أن تتصرفوا فى الأموال التى تملكونها تصرفا منهيا عنه بأن تنفقوها فى وجوه المعاصى التى نهى الله عنها؛ فإن ذلك يتنافى مع طبيعة هذا الدين الذى آمنتم به .وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان ، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وإغرائهم بالاستجابة لما أمروا به أو نهو عنه .وفى قوله ( أَمْوَالَكُمْ ) إشارة إلى أن هذه الأموال هى نعمة من الله لنا ، وأن على الأمة جميعها أن تصون هذه الأموال عن التصرفات الباطة التى لا تبيحها شريعة الله .وفى قوله ( بَيْنَكُمْ ) إشارة إلى أن تبادل الأموال بين الأفراد والجماعات يجب أن يكون على أساس من الحق والعدل ولا يكون بالباطل أو بالظلم .والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ) استثناء منقطع لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل .والمعنى : لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن تتصرفوا فى أموالكم بالطرق المحرمة ، لكن يباح لكم أن تتصرفوا فيها بالتجارة الناشئة عن تراض فيما بينكم؛ لأنه لا يحل لمسلم أن يقتطع مال أخيه المسلم إلا عن طيب نفس منه .والتجارة : اسم يقع على عقود المعارضات التى يقصد بها طلب الربح . وخصت بالذكر من بين سائر أسباب الملك؛ لكونها أغلب وقوعا ولأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها .أخرج الأصبهانى عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يمدحوا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا " .وكلمة ( تِجَارَةً ) قرأها عاصم وحمزة والكسائى بالنصب على أنها خبر لكان الناقصة ، واسم كان ضمير يعود عل الأموال أى إلا أن تكون الأموال المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم . وقرأها الباقون بالرفع على أنها فاعل لكان التامة أى : إلا أن تقع تجارة بينكم عن تراض منكم .وقوله ( عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ) صفة لقوله ( تِجَارَةً ) ولفظ ( عَن ) للمجاوزة أى : إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم .والتراضى : هو الرضا من الجانبين بما بدل عليه من لفظ أو عرف ، وهو أساس العقود بصفة عامة ، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة ، فلا بيع ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا .قال بعضهم : وحقيقة التراضى لا يعلمها إلى الله - تعالى - والمراد هنا أمارته . كالإِيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به . وقد قال - تعالى - ( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ) فدل ذلك على أن مجرد التراضى هو المناط . ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة ، بأى لفظ وقع وعلى أى صفة كان ، وبأى إشارة مفيدة حصل .وقال الآلوسى : والمراد بالتراضى مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه فى حال المبايعة وقت الإِيجاب والقبول عندنا . وعند المالكية والشافعية حالة الافتراق عن مجلس العقد وقيل التراضى : التخيير بعد البيع . . .هذا ، وظاهر قوله - تعالى - ( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ) يفيد إباحة جميع أنواع التجارات ما دام قد حصل التراضى بين المتعاقدين ، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الشارع قد حرم المتاجرة فى أشياء معينة حتى ولو تم التراضى بين المتعاقدين بين المتعاقدين فيها ، وذلك مثل المتاجرة فى الخمر والميتة ولحم الخنزير ، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع من العقود والمعاملات .وقوله ( وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ ) معطوف على ما قبله .وللعلماء فى تأويله اتجاهات : فمنهم من يرى أن معناه : ولا يقتل بعضكم بعضا ، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم . والتعبير عن قتل بعضهم لبعض بقتل أنفسهم للمبالغة فى الزجر عن هذا الفعل ، وبتصويره بصورة مالا يكاد يفعله عاقل .وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازى فقد قال : اتفقوا على أن هذا نهى عن أن يقتل بعضهم بعضا . وإنما قال : ( أَنْفُسَكُمْ ) لقوله صلى الله عليه وسلم " المؤمنون كنفس واحدة " ولأن العرب يقولون :قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم يجرى مجرى قتلهم .ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإِنسان لنفسه . ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً . ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً . ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يجأ - أى يطعن - بها فى بطنه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً " .وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال : أتى النبى صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص - أى سهام عراض واحدها مشقص - فلم يصل عليه .ومنهم من يرى أن معناه : لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض وبارتكابكم للمعاصى التى نهى الله عنها ، فإن ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم ، وذهاب ريحكم ، وتمزق وحدتكم ، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد أمرها ، وذهاب ريحها .وقد ذهب إلى هذا المعنى الإِمام ابن كثير فقد قال : وقوله : ( وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ ) أى بارتكاب محارم الله - وتعاطى معاصيه ، وأكل أموالكم بينكم بالباطل .والذى نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل هذه الاتجاهات ، فهى تنهى المسلم عن أن يقتل نفسه ، كما أنها تنهاه عن أن يقتل غيره ، وهى أيضا تنهاه عن ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى هلاكه .وقدم - سبحانه - النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل الأنفس مع أن الثانى أخطر ، للإِشعار بالتدريج فى النهى من الشديد إلى الأشد ولأن وقوعهم فى أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من وقوعهم فى القتل .وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) لبيان أن ما نهى الله عنه من محرمات ، وما أباحه من مباحات ، إنما هو من باب الرحمة بالناس ، وعدم المشقة عليهم . فالله - تعالى- رءوف بعباده ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو فى قدرتهم واستطاعتهم .وهذه الآية الكريمة أصل عظيم فى حرمة الأموال والأنفس . ولقد أكد النبى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فى خطبته فى حجة الوداع حيث قال : " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، فى شهركم هذا ، فى بلدكم هذا " .

30S04V30

وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

Et quiconque commet cela, par excès et par iniquité, Nous le jetterons au Feu, voilà qui est facile pour Allah

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يفعل ما نها الله عنه فقال : ( وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ) .واسم الإِشارة فى قوله ( وَمَن يَفْعَلْ ذلك ) يعود إلى المذكور من أكل الأموال بالباطل ومن القتل . وقيل الإِشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور .والعدوان : مجاوزة الحد المشروع عن قصد وتعمد .والظم : وضع الشى فى غير موضعه .والمعنى : أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك عقابا شديدا فى الآخرة ، بإدخاله نارا هائلة محرقة ، وكان عقابه بهذا العذاب الهائل الشديد يسيرا على الله ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ .وجمع - سبحانه - بين العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب لمحارم الله ، وليخرج ما كان غير مقصود من الجرائم ، كمن يتلف مال غيره بدون قصد ، وكمن يقتل غيره بدون تعمد ، فإنه يكون ظالما وعليه دفع عوض معين للمستحق لذلك ، إلا أنه لا يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد الذى توعد الله به من يرتكب هذه الجنايات عن عدوان وظلم .