Tafsir Al Wasit
Waseet
آل عمران
Ali 'Imran
200 versets
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
Ceux qui ne croient pas aux signes d'Allah, tuent sans droit les prophètes et tuent les gens qui commandent la justice, annonce-leur un châtiment douloureux
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم ، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ . . } .أنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المارقين بصفات ينفر منها كل عاقل وصفهم أولا بأنهم : { يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله } أى لا يكتفون بالكفر بالله - تعالى - ، بل يكفرون بالآيات المثبتة لوحدانيته ، وبالرسل الذين جاءوهم بالهدى والحق .ووصفهم ثانيا بأنهم { يَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ } وقتل النبيين بغير حق فعل معروف عن اليهود ، فهم الذين قتلوا زكريا - عليه السلام - لأنه حاول أن يخلص ابنه يحيى -عليه السلام - من القتل وقتلوا يحيى لأنه لم يوافقهم في أهوائهم وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم ، وقتلوا غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .فإن قيل إن اليهود ما قتلوا كل الأنبياء فلم أخبر القرآن عنه أنهم يقتلون النبيين ولم يقل يقتلون بعض النبيين؟فالجواب أنهم بقتلهم لبعض النبيين فقد استهانوا بمقام النبوة ، ومن استهان بمقام النبوة بقتله لبعض الأنبياء فكأنه قد قتل الأنبياء جميعا ، ونظير هذا قوله - تعالى - : { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } وقيد القتل بأنه { بِغَيْرِ حَقٍّ } مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً ، للتصريح بموضع الاستنكار ، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على الحق بقتلهم الأنبياء ، وللإشارة إلى أنهم لتوغلهم في الظلم والعدوان قد صاروا أعداء للحق لا يألفونه ولا تميل إليه نفوسهم ، وللتسجيل عليهم أن هذا القتل للأنبياء كان مخالفاً لما في شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم ، بل عن مخالفتهم . فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم لتخليد مذمتهم في كل زمان ومكان .وقال - سبحانه - { بِغَيْرِ حَقٍّ } بصيغة التنكير ، لعموم النفى ، بحيث يتناول الحق الثابت ، والحق المزعوم ، أى أنهم لم يكونوا معذروين بأي لون من ألوان العذر في هذا الاعتداء فقد أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون أنهم على الباطل ، فكان فعلهم هذا إجراما في بواعثه وفي حقيقته ، وأفظع أنواع الإجرام في موضوعه .وقوله { بِغَيْرِ حَقٍّ } في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة { يَقْتُلُونَ النبيين } إذ لا يكون قتل النبيين إلا كذلك .ووصفهم ثالثا بأنهم { وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس } .والقسط : العدل . يقال : قسَط يقسِط ويقسُط قِسطا ، وأقسط إقساطا إذا عدل .أى : لا يكتفون بقتل النبيين الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم ، وإنما يقتلون مع ذلك الذين يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحائهم .وفي قوله { مِنَ الناس } إشارة غلى أنهم ليسوا بأنبياء ، بل من الناس غير المبعوثين .وفي قرنهم بالأنبياء ، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء ، إشارة إلى بيان علو منزلتهم ، وأنهم ورثتهم الذين يدعون بدعوتهم .وعبرعن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة أفعالهم الشنيعة في أذهان المخاطبين ، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة كلما استطاعوا إليها سبيلا ، وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم ، ولقد حاول اليهود في العهد النبوى أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم .هذا ، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على قتل الأنبياء والمصلحين ، ومن ذلك ما جاء عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : " قلت يا رسول الله : أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا ، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله } الآية . ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا منهم فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم " " .هذه بعض جرائمهم فماذا كانت نتيجتها؟ كانت نتيجتها العذاب الأليم الذى أخبرهم الله به في قوله { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .والجملة الكريمة خبر إن ، وجاز دخول الفاء على خبرها لتضمن اسمها وهو { الذين } معنى الشرط في العموم .وحقيقة التبشير : الإبخار بما يظهر سرور المخبر - بفتح الباء - على بشرة وجهه ، وهو هنا مستعمل فى ضد حقيقته على سبيل التهكم بهم ، وذلك لأن هؤلاء المعتدين مع أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وأولياءه ، وفعلوا ما فعلوا من منكرات ، مع كل ذلك زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فساق لهم القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء بعقولهم أن بشارتهم التى يرتقبونها بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هي : العذاب الأليم .واستعمال اللفظ في ضده عند علماء البيان من باب الاستعارة التهكمية ، لأن تشبيه الشىء بضده لا يروج في عقل العقلاء إلى على معنى التهكم والاستهزاء .
أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ
Ce sont eux dont les œuvres sont devenues vaines, ici-bas comme dans l'au-delà. Et pour eux, pas de secoureurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أخبر - سبحانه - بفساد أعمالهم في الدنيا والآخرة فقال : { أولئك الذين حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة } .والحبوط - كما يقول الراغب - من الحبط ، وهو أن تكثر الدابة الأكل حتى تنتفخ بطنها ، وقد يؤدى إلى موتها .والمراد بحبوط أعمالهم إزالة آثارها النافعة من ثواب في الآخرة وحياة طيبة في الدنيا ، لأنهم عملوا ما عملوا وهم لا يرجون الله وقاراً .وجىء باسم الإشارة في صدر الآية ، لتمييز أصحاب تلك الأفعال القبيحة أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة .وكانت الإشارة للبعيد ، للإيذان ببعدهم عن الطريق القويم ، والخلق المستقيم ، وقوله { أولئك } مبتدأ الموصول وصلته خبره .أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، وسقطت عن حيز الاعتبار ، وخلت عن الثمرة التي كانوا يؤملونها من ورائها ، بسبب إشراكهم بالله واعتدائهم على حرماته .وقوله { وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } نفى لكل ما كانوا يتوهمونه من أسباب النصر ، وقد أكد هذا النفى بمن الزائدة .أى ليس لهم من أحد ينصرهم من بأس الله وعقابه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، لأنهم بسبب كفرهم وأفعالهم القبيحة صاروا مستحقين للعقاب ، وليس هناك من يدفعه عنهم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصفهم بصفات ثلاث : بالكفر وقتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس .وتوعدهم - أيضاً - بثلاثة أنواع من العقوبات : بالعذاب الأليم ، وحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة ، وانتفاء من ينصرهم أو يدافع عنهم .وبذلك نرى الآيتين الكريمتين تسوقان أشد ألوان التهديد والوعيد لهؤلاء المعتدين ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة .
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ
N'as-tu pas vu comment agissent ceux qui ont reçu une part du Livre, et qui sont maintenant invités au Livre d'Allah pour trancher leurs différends; comment un groupe des leurs tourne le dos et s'esquive
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد أن وصف القرآن هؤلاء المعاندين بالكفر وقتل الأنبياء والمصلحين وبين سوء مصيرهم ، أتبع ذلك ببيان رذيلة من أفحش رذائلهم وهى أنهم يدعون إلى التحاكم إلى الكتاب الذى يزعمون أنهم يؤمنون به ، فيمتنعون عن ذلك غرورا وعناداً ، استمع إلى القرآن وهو يصور أحوالهم السيئة فيقول : { أَلَمْ تَرَ . . . }أورد بعض المفسرين روايات في سبب نزول هذه الآيات : منها ، ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا . فقال لهم : " كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قولا : نحممها - أي نجعل على وجوههما الفحم تنكيلا بهما ، ونضربهما . فقال : ألا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئا . فقال لهم عبد الله بن سلام : كذبتم . فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين . فوضع مدراسها - الذى يدرسها منهم - كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ، ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن الرجم . فقال ما هذه؟ - أى أن عبد الله بن سلام رفع يد القارىء عن آية الرجم وقال له ما هذه - فلما رأى اليهود ذلك قالوا : هى آية الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد " .وقال ابن عباس : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من يهود - أى دخل عليهم في المكان الذى يتدارسون فيه علومهم - فدعاهم إلى الله . فقال له بعضهم : على أى دين أنت يا محمد؟ فقال : إنى على ملة إبراهيم ودينه . فقالوا : فإن إبراهيم كان يهوديا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهلموا إلى التوراة هى بيننا وبينكم؛ فأبوا عليه فأنزل الله هذه الآيات " .وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم : " هلموا إلى التوراة ففيها صفتى " فأبوا " " .قال ابن جرير ما ملخصه : وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندى بالصواب أن يقال : إن الله - تعالى - قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم إليها في بعض ما تنازعوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا . ويجوز أن يكون هذا التنازع فى أمر نبوته ، أو فى أمر إبراهيم ودينه ، أو فى حد من الحدود فإن كل ذلك مما نازعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .وكأن ابن جرير - رحمه الله - يريد أن يقول : إن الآيات الكريمة تتسع لكل ما تنازعوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دعاهم إلى أن يحكم التوراة بينه وبينهم في شأن هذا التنازع أبوا وأعرضوا وهو رأى حسن .والاستفهام في قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من شأنهم ومن سوء صنيعهم حيث دعوا إلى كتابهم ليحكم بينهم فامتنعوا عن ذلك لأنهم كانوا - كما يقول الألوسي - " إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن المحجة " ثم قال :و " من " إما للتبعيض وإما للبيان ، ومعنى " نصيب " هو الكتاب أو نصيبا منه ، لأن الوصول إلى كنه كلامه - سبحانه - متعذر " فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم .وإن جعل تبعيضاً كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه ، وعلى التقديرين اللام في " الكتاب " للعهد والمراد به التوارة " .والمعنى : قد علمت أيها العاقل حال أولئك الأحبار من اليهود الذين اعطوا قسطا من معرفة كتابهم والذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إلى التوراة التى هى كتابهم فيما حدث بينهم وبينه من نزاع فأبوا أن يستجيبوا لدعوته ، وأعرضوا عنها كما هو شأنهم ودأبهم في الإعراض عن الحق والصواب .وعرف المتحدث عنهم - وهم أحبار اليهود - بطريق الموصولية ، لأن في الصلة ما يزيد التعجيب من حالهم ، لأن كونهم على علم من الكتاب قليل أو كثير من شأنه أن يصدهم عما أخبر به عنهم لو كانوا يعقلون .وجملة { يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ الله } مستأنفة مبينة لمحل التعجب ، أو حال من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب .والمراد بكتاب الله : التوراة ، لأن سبب النزول يؤيد ذلك ، لأن التعجيب من حالهم يكون أشد إذا كان إعراضهم إنما هو عن كتابهم . وقيل المراد به القرآن .وقوله { ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ } معطوف على قوله { يُدْعَوْنَ } وجاء العطف بثم للإشعار بالفارق الشاسع بين ما قاموا به من إعراض عن الحق ، وبين كان يجب عليهم أن يفعلوه . فإن علمهم بالكتاب كان يقتضى أن يتبعوه وأن يعملوا بأحكامه ، ولكنهم أبوا ذلك لفساد نفوسهم .وقوله { مِّنْهُمْ } جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق .وإنما قال { فَرِيقٌ مِّنْهُمْ } ليخرج القلى التي أسلمت من علماء اليهود كعبد الله بن سلام ، وهذا من إنصاف القرآن في أحكامه . واحتراسه في سوق الحقائق ، فهو لا يلقى الأحكام على الجميع جزافا ، وإنما يحدد هذه الأحكام بحيث يدين المتهم ، ويبرىء ساحة البرىء .وقوله { وَهُمْ مُّعْرِضُونَ } حال من فريق ، أي ثم يتولى فريق منهم عن سماع الحق ، والانقياد لأحكامه ، وينفر منها نفورا شديداً ، والحال أنهم قوم ديدنهم الإعراض والانصراف عن الحق .
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ
C'est parce qu'ils disent: «Le Feu ne nous touchera que pour un nombre de jours déterminés.» Et leurs mensonges les trompent en religion
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - الأسباب التي صرفتهم عن الحق فقال : { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } .واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى المذكور من توليهم وإعراضهم عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعن سماعهم للحق الذى جاء به .والمس : اتصال أحد الشيئين بالآخر على وجه الإحساس والإصابة ، والمراد من النار : نار الآخرة .والمراد من المعدودات : المحصورات القليلات يقال شىء معدود : أى قليل وشىء غير معدود أى كثير .فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوما ، وبعدها يخرجون إلى الجنة .عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار ، وإنما هي سبعة آيام . وفي رواية عنه أنه قال في قوله - تعالى - { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : لن يدخلنا الله النار إلى تحلة القسم ، الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم .أى ذلك التولى والإعراض عن الحق الذى صدر عن كثير من أحبار اليهود وعوامهم سببه أنهم سهلوا على أنفسهم أمر العقاب ، وتوهموا أنهم لن يعذبواعذابا طويلا ، بل النار ستمسهم أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها ، لأنهم أبناء الله واحباؤه ، ولأن آباءهم سيشفعون لهم في زعمهم .ثم قال - تعالى - { وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .وقوله { وَغَرَّهُمْ } من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان ويخدعه من مال أو جاه أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التي تغر الإنسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع الحق .والمعنى : أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب ، ولم يبالوا بالمعاصي والذنوب ، وأنهم طمعوا في غير مطمع ، وأصاب موضع المغرة والغفلة منهم في دينهم كا كانوا يفترونه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات . والغرور أكبر شىء يبعد الإنسان عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو دينه ودنياه .
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ
Eh bien comment seront-ils, quand Nous les aurons rassemblés, en un jour sur quoi il n'y a point de doute, et que chaque âme sera pleinement rétribuée selon ce qu'elle aura acquis? Et ils ne seront point lésés
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى القرآن ما سيكون عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب مؤثر فقال : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل والرد على مزاعمهم الباطلة .وكيف في موضع نصب على الحال ، والعامل فيه محذوف أى فكيف تكون حالهم ، أو كيف يصنعون . ويجوز أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف أى : فكيف حالهم .قال الفخر الرازى : أما قوله { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } فالمعنى أنه لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجىءى يوم يزول فيه ذلك الجهل ، وينكشف فيه ذلك الغرور فقال : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ } وفي الكلام حذف والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ، ويحذف الحال كثيراً مع كيف ، لدلالتها عليه تقول كنت أكرمه وهو لم يزرنى ، فكيف لو زارنى ، أى كيف حاله إذا زارنى . وأعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : " لو زارني ، وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية " .والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب فى مجيئه وحصوله ، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي أدعوها في الدنيا { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً ، بل يجازى كل إنسان على حسب عمله ، لا شك أنهم فى هذا اليوم الهائل الشديد سيفاجأون بذهاب غرورهم ، وبفساد تصورهم ، وأنهم سيقعون في العذاب الأليم الذى لا حيلة لهم في دفعه ، ولا مخلص فهم من ذوقه{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قال الزمخشري : " روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود ، فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد ، ثم يأمر بهم إلى النار " . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق توبيخاً شديداً ، وأبطلت أكاذيبهم وغرورهم ، وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم ، وصورت حالهم يوم القيامة تصويراً مؤثراً هائلا تهتز له القلوب ، وترتجف منه الأفئدة ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل الصالح حتى يفوزوا برضا الله .من توجيهات القرآن الكريم : بعد أن تحدثت سورة آل عمران ، عن المعرضين عن الحق . أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كما أمر كل مؤمن أن يتوجه إليه بالضراعة . فقال تعالى : { قُلِ اللهم . . . } .