Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Ali 'Imran
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

آل عمران

Ali 'Imran

200 versets

Versets 121125 sur 200Page 25 / 40
121S03V121

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Lorsqu'un matin, tu (Muhammad) quittas ta famille, pour assigner aux croyants les postes de combat et Allah est Audient et Omniscient

Tafsir Al WasitWaseet

والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم ، لنتدبر حديثه الحكيم عن هذه الغزوة ، ولنستمع إليه بقلوب واعية ، وآذان متفتحة ، وهو يبدأ حديثه عنها فيقول : { وَإِذْ غَدَوْتَ . . . } .فى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد ، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا .وقوله - تعالى - : { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار ، يقال : غدا يغدو من باب سما يسمو .و { مِنْ } فى قوله : { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء ، والمراد بأهله ، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها . والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير : من بيت أهلك .وقوله : { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل . يقال : بوأته ، وبوأت له منزلا ، أى : أنزلته فيه . والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم للقتال ، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص .والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره ، واذكر .والمعنى : واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد .وقوله : { تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال ، بحيث يكونون فى أحسن حال ، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم .قال الجمل : " ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم ، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر . . . وهذا المعنى ممكن هنا ، فالمعنى عليه ، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال ، وهذا أظهر من الآخر ، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد ، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب " .فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة ، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم ، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر ، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك ، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين ، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم " أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب "؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه .وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل " غدوت " .والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين :أولهما : قوله : { المؤمنين } .وثانيهما : قوله : { مَقَاعِدَ } وقوله : { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله : { تُبَوِّىءُ } .والمراد بقوله : { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد . للإشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه ، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم .وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء ، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات .فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم ، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين ، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد . حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفضل ، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبى ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى - :

122S03V122

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ

Quand deux de vos groupes songèrent à fléchir! Alors qu'Allah est leur allié à tous deux! Car, c'est en Allah que les croyants doivent placer leur confiance

Tafsir Al WasitWaseet

{ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ والله وَلِيُّهُمَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } .الهم : هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيه صار إرادة وعزماً وتصميماً .وتفشلا : من الفشل والجبن والخور والضعف . يقال : فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب .أى : واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة .وقوله : { والله وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما .وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد .روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال : فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ والله وَلِيُّهُمَا } قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { والله وَلِيُّهُمَا } .أى : لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية . وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل ، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق ، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم .ولذا قال صاحب الكشاف : والطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال : يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .وعن ابن عباس قال : أضمروا أن يرجعوا ، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا . والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس . كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ، ويوطنها على احتمال المكروه . لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية " .وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال : { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } .والتوكل : تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان . إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه .والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء . والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده ، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور .أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم ، بعد اتخذا الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها ، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته .

123S03V123

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ

Allah vous a donné la victoire, à Badr, alors que vous étiez humiliés. Craignez Allah donc. Afin que vous soyez reconnaissants

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى - : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } .وبدر : اسم لماء بين مكة والمدينة ، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل ، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين . والأذلة - كما يقول الزمخشرى : جمع قلة ، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين . وذلتهم : ما كان بهم من ضعف الحال ، وقلة السلاح والمال والمركوب ، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب لانفر منهم على البعير الواحد ، وما كان معهم إلا فرس واحد . وقلتهم : أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس ، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة - .وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس . أو كانوا راضين بالهوان . وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد ، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال .وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر ، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم ، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة ، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله : { فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته ، وتجتنبوا ما نهاكم عنه ، وتفعلوا ما أمركم به لعلعكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى .

124S03V124

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

(Allah vous a bien donné la victoire) lorsque tu disais aux croyants; «Ne vous suffit-il pas que votre Seigneur vous fasse descendre en aide trois milliers d'Anges?»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية ، وإرشادات نافعة فقال - تعالى - : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ } .قال ابن كثير : اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما : أن قوله - تعالى - : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } ، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم .فعن الحسن فى قوله : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } . . . إلخ قال : هذا يوم بدر . وعن الشعبى : أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى - : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة } إلى قوله : { مُسَوِّمِينَ } قال : فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين .وقال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا بخمسة آلاف .فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ . . } إلى قوله : { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب : أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - : ( مُرْدِفِينَ ) بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم .وهذا السياق شبيه بالسياق في سورة آل عمران ، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر .والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد . وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم . لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين يومئذ فروا . وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى - :

125S03V125

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Mais oui! Si vous êtes endurants et pieux, et qu'ils [les ennemis] vous assaillent immédiatement, votre Seigneur vous enverra en renfort cinq mille Anges marqués distinctement

Tafsir Al WasitWaseet

{ بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا ، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد . ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر ، فقد قال : فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر .وهذا ما تسكن إليه النفس : لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد ، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد ، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين ، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم ، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم .وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى - : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى : اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة ، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتوقيتكم ودحر أعدائكم .أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة احد ، فيكون قوله - تعالى - : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ .بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } .قال الآلوسى : " والهمزة فى قوله : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإنكار ألا يكفيهم ذلك . وأتى بلن لتأكيد النفى ، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم . وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتوقية الإنكار . وقوله : { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ } . و { مِّنَ الملائكة } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه . و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف ، وقيل حال من الملاكة " وقوله - تعالى - : { بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله علهي وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا .وقوله : { بلى } إيجاب لما بعد " لن " أى ، بل يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف . ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه ، وتتقوا . أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم ، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم ، إذا فعلتم ذلك .{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ } ، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة .وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال . من التسويم وهو إظهار علامة الشىء .قال صاحب الكشاف : وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هذا } من قولك : قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى ، وجاء فلان ورجع من فوره . ومنه قول أبى حنيفة - رحمه اله - : الأمر على الفور لا على التراخى ، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت ، فاستعير للسرعة ، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها . فقيل : خرج من فوره كما تقول : خرج من ساعته . والمعنى : أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه " .هذا ، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآياتزأما الأمر الأول فهو : هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة ، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير ، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج ، أى أمدوا أولا بألف ، ثم صاروا ألفين ، ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير ، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة .وقال الشعبى : إن المدد لم يزد على الألف ، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند ، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى - : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم ، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً . أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف ، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ولا على أنهم لم يمدوا به ، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص . فقد قال - رحمه الله - :" وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف ، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله ، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف ، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم .وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم ، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم ، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر توقم الحجة به ، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله . غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدموا يوم بدر بألف . وذلك قوله - تعالى - : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا ، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم " .والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب .وأما الأمر الثانى فهو : إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر ، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين .قال القرطبى : تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت .ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا : لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أمترى " .وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : " أقدم حيزوم " فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه .فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر ، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم ، وتقوية قولبهم ، ولتخذيل المشركين ، وإلقاء الرعب فى قلوبهم ، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ } أى : قووا عزائمهم ، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين ، وقيل : كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم " .وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال : " إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين . وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين " .ولم يرتض الألوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه : ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد ، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرص عن ذلك .ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى - الله - .ونرى من كلام الآلوسلاى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر .ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك ، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم .ولقد سئل الإمام السبكى : ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟فأجاب : بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده .