Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Ali 'Imran
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

آل عمران

Ali 'Imran

200 versets

Versets 111115 sur 200Page 23 / 40
111S03V111

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ

Ils ne sauront jamais vous causer de grand mal, seulement une nuisance (par la langue); et s'ils vous combattent, ils vous tourneront le dos, et ils n'auront alors point de secours

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب التى عتت عن أمر ربها وناصبت المؤمنين العداء ، ولن تضرهم ضررا بليغا له أثر ما دام أهل الإيمان مستمسكين بدينهم ومنفذين لتعاليمه وآدابه ، فقال - سبحانه - { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } أى " لن يضركم أهل الكتاب يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا ، كأن يؤذوكم بألسنتهم ويلقوا الشبه بينكم ليصدوا من ضعف إيمانه عن الحق ، وفى هذا تثبيت للمؤمنين ، وطمأنينة لقلوبهم ، إذ الضرر الذى يصيب الأمة الإسلامية من أعدائها على قسمين :أولهما : ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة ، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها وجعل أمورها فى أيدى أعدائها تصرفها كيف تشاء .وثانيهما : ضرر لا يؤثر فى كيان الأمة ، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها كالأذى بالقول ، أو محاولة التأثير فى ضعاف الإيمان .وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم من جهة أهل الكتاب فقال : { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } فأوقع الفعل المضارع فى حيز لن المفيدة للنفى - للإشارة إلى أن ذلك لا يكون فى المستقبل .ولكن هذا النفى لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على الأصلين السابقين وهما " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله " .فإذا أرادت أمة الإسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتى على كيانها ، فعليها أن تخلص العبادة لربها ، وأن تعمل بسنة نبيها ، وأن تتقيد بأحكام كتابها ، وأن تباشر الأسباب التى شرعها خالقها للنصر على أعدائها .أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها الله - تعالى - به وتجاوزت ما نهاها عنه فإنها فى هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر فى كيانها وتكون هي الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه .هذا ، وأكثر العلماء على أن الاستثناء فى قوله { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } متصل وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل : لن يضروكم ضررا ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء و نحوها .وقيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر : أى لن يضروكم بقتال وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها .ورجح الأول ، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقى لم يجز صرفه عن ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا الأذى مهما قل هو نوع من الضرر وإن لم يترك أثراً .ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال : { وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } .تولية الأدبار : كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذى هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه أو الأسر .والمعنى ، إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيراً لا يبقى أثره فيكم - ما دمتم مستمسكين بدينكم - ، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال ، أمدكم الله بنصره ، والقى في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم ، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم .والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار ، فيه إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون فرارا شديدا بذعر وهلع .وهكذا كان الشأن فى قتال المسلمين الأولين لأعداء الله وأعدائهم ، فلقد قاتل المؤمنون اليهود من بنى قيناع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر المسلمون عليهم انتصاراً باهراً .وقاتلوا جموع الروم فى بلاد الشام وفى مصر ، فكان النصر المؤزر حليفا للمسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم .وقوله { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } احتراس . أى : يولونكم الأدبار تولية المنهزم ، لا تولية المتحرف لقتال أو المتحيز إلى فئة أو المتأمل فى الأمر .والتعبير ب { ثُمَّ } لإفادة التراخى فى المرتبة : لأن الإخبار بتسليط الخذلفان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار .وهذه الجملة خبرية وهى معطوفة على جملتى الشرط وجزائه معا ، للإشعار بأن هذا ديدنهم ، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا فى قتال ولا فى غيره ، ما دام المسلمون مستقيمين على الطريقة التى رسمها الله - تعالى - لهم .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : هلا جزم المعطوف فى قوله { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } ؟ قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم إبتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون .فإن قلت : فأى فرق بين رفعه وجزمه فى المعنى؟ قلت لو جزم لكان النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه قال . ثم شأنهم وقصتهم التى أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر ، وكان كما أخبر من حال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت : فما الذى عطف عليه هذا الخبر؟ قتل : جملة الشرط والجزاء كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون . فإن قلت فما معنى التراخى فى ثم؟ قلت : التراخى فى المرتبة ، لأن الاخبار بتلسيط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار فإن قلت : ما موقع الجملتين ، أعنى { مِّنْهُمُ المؤمنون } و { لَن يَضُرُّوكُمْ } قلت هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف " .فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين ببشارات ثلاث :أولها : أنهم فى مأمن من الضرر البليغ الذى يؤثر فى كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب .ثانيها : أن أهل الكتاب لو قاتلوهم ، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم .ثالثها : أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك .وقد تحققت هذه البشارات ، وكانت كما أخبر الله - تعالى - فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دنيهم نصرهم الله - تعالى - على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا - كما سبق أن أشرنا - .فإن قال قائل : ولكن الذى نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد فى جبنهم وفى حرصهم على الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة فى بقعة من أعز بقاع البلاد الإسلامية وهى فلسطين فهل يخلف وعد الله؟والجواب على ذلك . أن وعد الله - تعالى - لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه - سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذى آمنوا به حق الإيمان . ولكن المسلمين فى هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم ، فقد فرطوا فى دينهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وتفرقوا شيعاً وأحزاباً وتنكبوا الطريق القويم ولم يباشروا الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لبلوغ النصر ، ولم يحسنوا الشعور بالمسئولية .فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر ، ومن القوة إلى الضعف .وسلط الله عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم ، لأنه - سبحانه - { لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم تطبيقا كاملا ، فإن الله - تعالى - سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ومن هنا نعلم أ ، الشرط فى نفى الذى يؤثر فى نفى الضرر الذى يؤثر فى الأمة الإسلامية ، هو أن تكون مؤمنة بربها حق الإيمان متبعة لهدى رسولها محمد صلى الله عليه وسلم .

112S03V112

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ

Où qu'ils se trouvent, ils sont frappés d'avilissement, à moins d'un secours providentiel d'Allah ou d'un pacte conclu avec les hommes. Ils ont encouru la colère d'Allah, et les voilà frappés de malheur, pour n'avoir pas cru aux signes d'Allah, et assassiné injustement les prophètes, et aussi pour avoir désobéi et transgressé

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العقوبات التى عاقب بها اليهود بسبب كفرهم وظلمهم فقال : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس } .وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا المعنى معان مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق .والذلة على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلا . والمراج بها الصغار والهوان والحقارة .فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود ، وإحاطتها بهم ، كما يحيط السرادق بمن يكون فى داخله .قال صاحب الكشاف : جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم كمن يكون فى القبة من ضربت عليهم ، أو الصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه . فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة " .و { ثقفوا } أى وجدوا ، أو ظفر بهم . يقال : ثقفه أى صادفه أو ظفر به أو أدركه . وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشىء ومن التصرف فيه بشدة ومنها سمى الأسير ثقافا . والثقاف آلة تكسر بها أغماد الرماح .والحبل : هو ما يربط بين شيئين ويطلق على العهد لأن الناس يرتبطون بالعهود : كما يقع الارتباط الحسى بالحبال ، وهذا الإطلاق هو المراد هنا .ولذا قال ابن جرير : وأما الحبل الذى ذكره الله - تعالى - فى هذا الموضوع ، فإنه السبب الذى يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا فى بلاد الإسلام .والمعنى : أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا إلا فى حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس .وقد فسر العلماء عهد الله بعقد الجزية الذى يربط بينهم وبين المسلمين .وإنما كان عقد الجزية عهدا من الله لهم ، لأنه - سبحانه - هو الذى شرعه ، وما شرعه الله فالوفاء به واجب .وكان عهدا من المسلمين لهم ، لأنهم أحد طرفيه ، فهم الذين باشروه مع اليهود وبمقتضاه يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم؛ ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولعى المسلمين حمايتهم ، وصون أموالهم لقاء مقدار من المال يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجزية .وأما عهد الناس ، فهو العهود التى يعيشون بمقتضاها فى أى أمة من أمم الأرض مسلمة كانت هذه الأمة أو كافرة .فإن كانت العهود صادرة من المسلمين ، جاز أن يطلق عليها عهد الله - أيضاً - باعتبار أن الله هو الذى شرعها .وإن كانت من غير المسلمين فهى عهود من الناس سواء أوافقت شريعة الله تعالى - أم لا .والمعنى الإجمالي للآية : أن اليهود قد ضرب الله - تعالى - عليهم الذلة والمسكنة فى كل زمان ومكان بسبب كفرهم وطغيانهم ، وسلب عنهم السلطان والملك ، فهم يعيشون فى بقاع الأرض فى حماية غيرهم من الأمم الأخرى ، بمقتضى عهود يعقدونها معهم وقد تكون هذه العهود موافقة لشرع الله - تعالى - وقد لا تكون موافقة .فإن قال قائل : إنهم الآن أصحاب جاه وسلطان ، بعد أن أنشأوا دولتهم بفلسطين!!والجواب : أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول الكفر الكبرى . فهى التى تحميهم وتمدهم بأسباب الحياة والقوة ، فينطبق على هذه الحالة - أيضاً - أنها بحبل من الناس . فاليهود لا سلطان لهم ، ولا عزة تكمن فى نفوسهم ، ولكنهم مأمورون مسخرون أن يعيشوا فى تلك البقعة من الأرض لتكون مركزا لتلك الأمم الت تعهدت بحمايتهم ما استطاعوا من قوة لقتال أعداء الله وأعدائهم .لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير فى أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم .لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير فى أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم .هذا ، وقوله : { أَيْنَ مَا } اسم شرط ، وهو ظرف مكان و " ما " مزيدة فيها للتأكيد .وقوله { ثقفوا } فى محل جزم بها .وجواب الشرك محذوف يدل عليه ما قبله أى : أينما ثقفوا غلبوا أو ذلوا .ويجوز أن يكون جواب الشرط قوله { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } عند من يجوز تقديم جواب الشرط على الشرط .والاستثناء فى قوله { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس } مفرغ من عموم الأحوال أى ضربت عليهم الذلة فى عامة الأحوال إلا فى حال اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس .ثم ذكر - سبحانه - عقوبتين أخريين أنزلهما بهم جزاء كفرهم وتعديهم لحدوده فقال تعالى : { وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } .قال ابن جرير : قوله - تعالى - { وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله } أى انصرفوا ورجعوا .ولا يقال باؤوا ، إلا موصولا إما بخير وإما بشر . يقال منه : باء فلان بذنبه يبوء به بوأ وبواء . ومنه قوله - تعالى - { إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } يعنى تنصرف متحملهما ، وترجع بهما قد صارا عليك دونى . فمعنى الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط " .والمسكنة : مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين . لأن الهم قد أثقله فجعله قليل الحركة والنهوض لما به من الفاقة والفقر .والمراد بها فى الآية الكريمة الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذى يستولى على الشخص فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة .والفرق بينها وبين الذلة : أن الذلة تجىء أسبابها من الخارج . كأن يغلب المرء على أمره نتيجةانتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو .أما المسكنة فهى تنشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق ، واستيلاء المطامع والشهوات وحب الدنيا عليها .والمعنى : أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حينما حلوا ، قد صاروا فى غضب من الله ، وأصبحوا أحقاء به ، وضربت عليهم كذلك المسكنة التى تجعلهم يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال .ثم ذكر - سبحانه - الأسباب التى جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات فقال - تعالى - : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } .فاسم الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التى عاقبهم الله بها بسبب كفرهم وفسقهم .والآيات : تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله - تعالى - وربوبيته وتطلق ويراد بها النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية ، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - ، وهى التي يسميها علماء التوحيد بالمعجزات .وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع { يَكْفُرُونَ } .أى : ذلك الذى أصابهم من عقوبات رادعة ، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات الله وأدلته الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتلك هى جريمة بنى إسرائيل الأولى .أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ } أى أنهم لم يكتفوا بالكفر ، بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله - تعالى - الذين أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن قتلهم .وقال - سبحانه - { بِغَيْرِ حَقٍّ } مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا . لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه .قال - تعالى - { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً }فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم ، وتخليد مذمتهم ، وتقبيح إجرامهم حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ فى الفهم ، أو تأول فى الحكم أو شبهة فى الأمر ، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا ، ومخالفون لشرع الله عن تعمد وإصرار .ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق ، فما فائدة ذكره؟ قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم .فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم .وقال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن : قيل : قال هنا : { وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ } وقال فى سورة البقرة { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } فما الفرق؟ قلت : إن الحق المعلوم بين المسلمين الذى يوجب القتل يتجلى فى حديث : " لا تحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق " فالحق المذكور فى سورة البقرة إشارة إلى هذا . وأما الحق المنكر هنا فالمراد به تأكيد العموم أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه ، لا هذا الذى يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة .ونسب - سبحانه - القتل إلى أولئك اليهود المعاصرين للعهد النبوى مع أن القتل قد صدر عن أسلافهم ، لأن أولئك المعاصرين كانوا راضين بفعل آبائهم وأجدادهم ، فصحت نسبة القتل إليهم ، ولأن بعض أولئك المعاصرين قد هَمَّ بقتل النبى صلى الله عليه وسلم فكف الله - تعالى - أيديهم الأثيمة عنه .ثم سجل الله - تعالى - جريمتهم الثالثة بقوله { ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } .العصيان : الخروج عن طاعة الله ، والاعتداء : تجاوز الحد الذى حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه .وللمفسرين فى مرجع اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك بِمَا عَصَوْاْ } رأيان :أولهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم لأنبيائه ، وعليه يكون المعنى :إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم والتعدى لحدوده بجرأة وعدم مبالاة ، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه ، وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة .والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى ، وارتكاب ما نهى الله عنه ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها ومن حقيرها إلى عظيمها لأن هؤلاء اليهود حين استمرأوا المعاصى ، هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا فكذبوا بآيات الله تكذيبا ، وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق .وثانيهما : أن اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك بِمَا عَصَوْاْ } يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول وهو قوله { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ } .وتكون الحكمة فى تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه ، حرصاً على معرفته ، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم واستحقاقهم لغضب الله كما أشرنا من قبل .والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله - تعالى - { أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون } والمعنى : أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا وقتلهم أنبياءنا وخروجهم عن طاعتنا ، وتعديهم حدودنا .وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة العيا من حسن الترتيب فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم بآياته . ثم ثنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائه ، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ، ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء وتخطى الحدود ، وعدم المبالاة بالعهود .وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم فى سوق الأحكام مشفوعة بعللها وأسبابها .وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الإسلامية بأنها خير أمة أخرجت للناس ، ثم ثنت بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وبإخبار المؤمنين بأن أعداءهم لن يضروهم ضررا يؤثر فى كيانهم ما داموا معتصمين بتعاليم دينهم ، ثم ختمت حديثها ببيان العقوبات التى حلت باليهود بسبب كفرهم وبغيهم .وبعد هذا الحديث الحكم عن أهل الكتاب ، وعن العقوبات التى أنزهلا - سبحانه - باليهود بسبب فسقهم وظلمهم ، بعد كل ذلك ساق - سبحانه - آيات كريمة تمدح من يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريما لذواتهم فقال - تعالى - : { لَيْسُواْ سَوَآءً . . . } .

113S03V113

۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ

Mais ils ne sont pas tous pareils. Il est, parmi les gens du Livre, une communauté droite qui, aux heures de la nuit, récite les versets d'Allah en se prosternant

Tafsir Al WasitWaseet

الضمير فى قوله - تعالى - { لَيْسُواْ سَوَآءً } يعود لأهل الكتاب الذين تقدم الحديث عنهم وهو اسم ليس ، وخبرها قوله { سَوَآءً } والجملة مستأنفه للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد أن وبخ القرآن من يستحق التوبيخ منهم .قال ابن كثير : والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم . أى لا يستوى من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب ، وهؤلاء الذين أسلموا ، ولهذا قال - تعالى - { لَيْسُواْ سَوَآءً } أى ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم .وقوله - تعالى - { مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } استئناف مبين لكيفية عدم التساوى ومزيل لما فيه من إيهام .أى : ليس أهل الكتاب متساوين فى الكفر وسوء الأخلاق ، بل منهم طائفة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة له ، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه .فمعنى قائمة : مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام .أو معناها : ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له غير مضطربة فى التمسك به ، كما فى قوله - تعالى - { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } أى ملازمة لمطالبته بحقك . ومنه قوله - تعالى - { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط } أى ملازما له .والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التى وصفها الله - تعالى - بأنها { أُمَّةٌ } قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله وأطاعوه فى السر والعلن ، كعبد الله بن سلام ، وأصحابه ، والنجاشى ومن آمن معه من النصارى . فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به ، ولم يفرقوا بين أنبياء الله ورسله ، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم .ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال { يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } .وقوله { يَتْلُونَ } من التلاوة وهى القراءة ، وأصل الكلمة من الإتباع ، فكأن التلاوة هى اتباع اللفظ اللفظ .والمراد بآيات الله هنا : ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن .وقوله : { آنَآءَ الليل } أى أوقاته وساعاته . والآناء جمع إنىَ - كمعاً وأمعاء - أو جمع أنىَ - كعصاً - ، أو جمع أنىَ وإنى وإنو . فالهزة فى آناء منقلبة عن ياء كرداء : أو عن واو ككساء .والمراد بالسجود فى قوله : { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه التسبيح ، فقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم " .والمعنى : ليس أهل الكتاب متساوين فى الاتصاف بما ذكر من القبائح ، بل منهم قوم سلموا منها ، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه ، وأكثروا من تلاوة آيات الله فى صلاتهم التى يتقربون بها إلى الله - تعالى - آناء الليل وأطراف النهار .قال الآلوسى ما ملخصه . والمراد بصلاتهم هذه التهجد - على ما ذهب إليه البعض - . وعلل هذا بأنه أدخل فى المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة ، لأنها فى المكتوبة وظيفة الإمام .والذى عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة . واستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائى وابن جرير والطبرانى عن ابن مسعود قال آخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : " أما إنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب " وعبر عن الصلاة بالسجود ، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا وسجدة ، وركوعا وركعة .

114S03V114

يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ

Ils croient en Allah et au Jour dernier, ordonnent le convenable, interdisent le blâmable et concourent aux bonnes œuvres. Ceux-là sont parmi les gens de bien

Tafsir Al WasitWaseet

صم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال : { يُؤْمِنُونَ بالله } والمراد بهذا الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول الذى نطق به الشرع ، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم .{ واليوم الآخر } أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وقوله : { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التى من أشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر ، والإكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن ، بل أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذى أمر الله به ، ونهيه عن الباطل الذى يبغضه الله ، وتستنكره العقول السليمة .وقوله - تعالى - { وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات } أى يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات التى ترفع درجاتهم عند الله - بدون تردد أو تقصير .وقال - سبحانه - : { وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات } ولم يقل إلى الخيرات للإشعار بأنهم مستقرون فى كل أعمالهم فى طريق الخير ، فهم ينتقلون من خير إلى خير فى دائرة واحدة هى دائرة الخير ، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون منها . فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير . وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفى المفيدة للظرفية .والمسارعة فى الخير هى فرط الرغبة فيه ، لأن من رغب في الأمر يسارع فى توليه وفى القيام به ، واختيار صيغة المفاعلة " يسارعون " للمبالغة فى سرعة نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير ، وألوان البر .قال صاحب الكشاف . وقوله : { يَتْلُونَ } و { يُؤْمِنُونَ } في محل الرفع صفتان لأمة . أى : قائمة تالون مؤمنون . وصفهم بخصائص ما كانت فى اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ، ومن الإيمان بالله ، لأن إيمانهم به كلا إيمان ، لاشراكهم به عزيرا ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض : ومن الإيمان باليوم الآخر ، لأنهم يصفونه بخلاف صفته .ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهم كانوا مداهنين . ومن المسارعة فى الخيرات ، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها " .واسم الإشارة فى قوله : { وأولئك مِنَ الصالحين } يعود إلى الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم الآخر .أى وأولئك المصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم ، واستحقوا ثناءه عليهم .وفى التعبير بقوله : { مِنَ الصالحين } إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات ، قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله - تعالى - ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين .فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين .قال الفخر الرازى : وأعلم أن وصفهم بالصلاح فى غياة المدح ، ويدل عليه القرآن والمعقول . أما القرآن ، فهو أن الله - تعالى - مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء ، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذى الكفل وغيرهم { وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ الصالحين } وذكر حكاية عن سليمان أنه قال : " وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين " . وأما المعقول ، فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغى أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك فى العقائد أو فى الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغى أن يكون فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات .

115S03V115

وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ

Et quelque bien qu'ils fassent, il ne leur sera pas dénié. Car Allah connaît bien les pieux

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة ، بل سيكافئهم على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال : { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } أى أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله شيئا مما قدموه من عمل صالح ، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل ، وأجر كبير بدون أى نقصان أو حرمان .و { وَمَا } فى قوله : { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } شرطية . وفعل الشرط قوله : { يَفْعَلُواْ } وجوابه قوله : { فَلَنْ يُكْفَروهُ } .و { مِنْ } فى قوله : { مِنْ خَيْرٍ } لتأكيد العموم أى ما يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن يحرموا ثوابه .وأصل الكفر : الستر والتغطية . وقد صح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه هنا بمعنى حرم .ولذا قال صاحب الكشاف : فغن قلت لم عدى إلى مفعولين ، وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول : شكر النعمة وكفرها؟ قلت : ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل : فلن يحرموه بمعنى : فلن يحرموا جزاءه " .وقوله : { والله عَلِيمٌ بالمتقين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله . أى هو - سبحانه - عليم بأحوال عباده وسيجازى التمقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب .فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب ، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة .وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق . وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف النهار ، وأنهم مكثرون من التضرع إلى الله فى صلواتهم وسجودهم ، وأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وأنهم يأمرون بالمعروف ، وأنهم ينهون عن المنكر . وأنهم يسارعون فى الخيرات ، وأنهم من الصالحين .ثم بشرهم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن يحرموا ثوابه ، لأنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا .الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده الله لهم من ، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التى أدت إلى كفرهم وفسوقهم فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ . . . } .