Tafsir Al Wasit
Waseet
آل عمران
Ali 'Imran
200 versets
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ
A ceux qui te contredisent à son propos, maintenant que tu en es bien informé, tu n'as qu'à dire: «Venez, appelons nos fils et les vôtres, nos femmes et les vôtres, nos propres personnes et les vôtres, puis proférons exécration réciproque en appelant la malédiction d'Allah sur les menteurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
لقد لقن الله تعالى ، نبيه صلى الله عليه وسلم ، الجواب الذى يقطع لسان المجادلين بالباطل فى شأن عيسى عليه السلام ، فقال تعالى { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم } . . . إلخ .قال الفخر الرازى : اعمل أنه " سبحانه " بين أول هذه السورة وجوها من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد وأتبعهما بذكر الجواب على جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم أن يكون ابنا لله فكذلك لا يلزم من عدم الأب البشرى لعيسى أن يكون ابنا لله . ولما لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضاً خلق عيسى من الدم الذى كان يجتمع فى رحم أم عيسى . ومن أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى - فعند ذلك - قال سبحانه - { فَمَنْ حَآجَّكَ } بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند ، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة .والفاء في قوله { فَمَنْ حَآجَّكَ } للتفريع على قوله - تعالى - { الحق مِن رَّبِّكَ } . . وقوله { مِن } الراجح فيها أنها شرطية . وقوله { حَآجَّكَ } من المحاجة وهى تبادل الحجة والمجادلة بين شخص وآخر .والمعنى : فمن جادلك وخاصمك " يا محمد " من أهل الكتاب " فيه " أى فى شأن عيسى - عليه السلام - بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل الكاذبة في شأنه .وقوله { مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم } أى فمن جادلك فى شأن عيسى من بعد الذى أنزلناه إليك وقصصناه عليك فى أمره ، فلا تبادله المجادلة ، فإنه معاند لا يقعنه الدليل مهما كان واضحا ، ولكن قل له ولأمثاله من الضالين :{ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين } .وقوله { تَعَالَوْاْ } اسم فعل أمر لطلب القدوم . وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى " كترامى يترامى " إذا قصد العلو . فكأنهم أرادوا به فى الأصل أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا للمدعو ، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور .وقوله { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أى نتباهل ونتلاعن . فالافتعال هنا بمعنى الفاعلة أى بأن نقول : بهلة الله على الكاذب منا ومنكم . والبهلة بفتح الباء وضمها : اللعنة . يقال بهله الله يبهله بهلا لعنه الله وأبعده من رحمته ثم شاعت فى كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا .والمعنى : فإن جادلك أهل الكتاب فى شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو الحق من أمره فقل لهم { تَعَالَوْاْ } أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه الحق من الباطل ، وهو أن ندعو نحن وأنتم الأبناء والنساء ثم نجتمع جميعا في مكان واحد ، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على الكاذبين فى دعواهم المنحرفين عن الحق فى اعتقادهم .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد لقنت النبى صلى الله عليه وسلم الجواب الحاسم الذى يخرس ألسنة المجادلين في عيسى ، ويتحداهم - إن كانوا صادقين - أن يقبلوا هذه المباهلة ، ولكنهم نكصوا على أعقابهم فثبت كذبهم وضلالهم .وهذه الآية الكريمة تسمى بآية المباهلة ، وقد ذكر العلماء أنها نزلت للرد على نصارى نجران الذين جادلوا النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن عيسى - عليه السلام - .قال ابن كثير ما ملخصه . وكان نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا فى وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون فى عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والألوهية فأنزل صدر هذه السورة رداً عليهم . . وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم وهم : العاقب أميرهم واسمه عبد المسيح ، والسيد صاحب رحلهم واسمه الأبهم ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم . وفى القصة أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله تعالى ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم . دعاهم إلى المباهلة فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر فى أمرنا . . . ثم خلوا بالعاقب فقالوا . يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم ان محمدا لنبى مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط ، فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم .. فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم . فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم وأقرهم لعى خراج يؤدونه إليه .وروى الحافظ ابن مردويه عن جابر قال : قدم على النبى صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة ، قال : فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده على وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج .قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذى بعثنى بالحق لو لاعنا لأمطر عليهم الوادى ناراً " .ثم قال : وروى البخارى عن حذيفة قال : " جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، ثم قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا . . فقال : " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " . فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : " قم يا أبا عبيدة بن الجراح " . فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أمين هذه الأمة " " .وقال صاحب الكشاف : إن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه؛ وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء؟قلت : ذلك آكد فى الدلالة على ثقته بحاله ، واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له . وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة . وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل . ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن فى الحروب لتمنعهم من الهرب . . . وفى الآية دليل واضح على صحة نبوة النبى صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك؟ .
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
Voilà, certes, le récit véridique. Et il n'y a pas de divinité à part Allah. En vérité, c'est Allah qui est le Puissant, le Sage
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أحد - سبحانه - صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره فقال : { إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } .أى إن الذى قصصناه عليك وأخبرناك به يا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من الشئون لهو القصص الثابت الذى لا مجال فيه لإنكار منكر ، ولا لتشكيك متشكك .وقد أكد - سبحانه - صدق هذا القصص بحرف إن وباللام فى قوله { لَهُوَ } وبضمير الفصل " هو " وبالقصر الذى تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما على كل منكر ما أخبر الله به فى شأن عيسى - عليه السلام - وفى كل ما قصه على نبيه صلى الله عليه وسلم .وقوله { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } نفى قاطع لأن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - وإثبات بأن الألوهية الحقة إنما هي لله رب العالمين .وقد أكد - سبحانه - نفى الألوهية عن غيره بكلمة { مِنْ } المفيدة لاستغراق النفى استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا .وقوله { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } " ما " النافية ، و " إله " فى قوله { مِنْ إله } مبتدأ و { مِنْ } مزيدة فيه ، و { إِلاَّ الله } خبره والتقدير : وما إله إلا الله ، وزيدت من للاستغراق والعموم .وقوله { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } تذييل قصد به تأكيد قصر الألوهية على الله - تعالى - وحده ، أى وإن الله - تعالى - لهو المنفرد بالألوهية وحده؛ لأنه هو الغالب الذى يقهر ولا يقهر ، الحكيم في كل ما يخلقه ويدبره .وفى هذا التذييل أيضاً رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ويعتقدون مع ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه .
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ
Si donc ils tournent le dos... alors Allah connaît bien les semeurs de corruption
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ختم - سبحانه - تلك المحاجة بقوله : { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } .أى فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات والحجج الواضحات التى أخبرناك بها ققصناها عليك ، فأنذرهم بسوء العاقبة ، وأخبرهم أن الله - تعالى - عليم بهم ، وبما يقولونه ويفعلونه من فساد في الأرض . وسيعاقبهم على ذلك العقاب الأليم .فقوله { فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } قائم مقام جواب الشرط ، أى فإن تولوا فأخبرهم بأنهم مفسدون وأن لهم سوء العقبى لأن الله عليم بإفسادهم ولن يتركهم بدون عقوبة .وهذه الجملة الكريمة تتضمن فى ذاتها تهديدا شديداً لهؤلاء المجادلين بالباطل فى شأن عيسى - عليه السلام - ولكل من أعرض عن الحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم لأن الله - تعالى - ليس غافلا عن إفساد المفسدين ، وإنما يأخذهم أخذ عيز مقتدر .وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت بأسلوب معجز حكيم جانبا من قصة آل عمران فحدثتنا عما كان من امرأته أم مريم ، وما قالته عندما حملت بها ، وما قالته بعد ولادتها ، وما أكرم الله به مريم من رعايتها بالتربية الحسنة وبالرزق الحسن ، ثم ما كان من شأن زكريا وتضرعه إلى الله أن يهبه الذرية الصالحة واستجابة الله له وتبشيره بولادة يحيى ، ثم ما كان من شأن مريم وتبشيرها باصطفاء الله لها وأمرها بالمداومة على طاعته ، ثم تبشيرها بعيسى وتعجبها لذلك والرد عليها بما يزيل هذا العجب ، ثم ما كان من شأن عيسى - عليه السلام - وما وصفه به من صفات كريمة ، وما منحه من معجزات باهرة تشهد بصدقه فى رسالته ، مما جعل الحواريين يؤمنون به ، أما الأكثرون من بنى إسرائيل فقد كفروا به ودبروا له المكايد فأنجاه الله من مكرهم ورفعه إليه وطهره منهم .ثم بين القرآن أن عيسى عبد الله ورسوله ، وأن هذا هو الحق ، وقد تحدى الرسول صلى الله عليه وسلم كل من نازعه فى ذلك بالمباهلة ولكن المجادلين نكصوا على أعقابهم ، فثبت صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه .وبذلك يكون القرآن قد بين الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - بيانا يهدى القلوب ويقنع العقول ويحمل النفوس على التدبر والاعتبار ، وإخلاص العبادة لله رب العالمين .ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء عاما إلى أهل الكتاب دعاهم فيه - فى بضع آيات متوالية - إلى عبادة الله وحده ، وإلى ترك المحاجة الباطلة فى شأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وإلى الإقلاع عن الكفر بىيات الله وعن تلبيس الحق بالباطل ، وعن كتمان الحق مع علمهم بأنه حق . .استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه النداءات داعيا أهل الكتاب إلى كلمة الحق فيقول : { قُلْ ياأهل . . . } .
قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ
Dis: «O gens du Livre, venez à une parole commune entre nous et vous: que nous n'adorions qu'Allah, sans rien Lui associer, et que nous ne prenions point les uns les autres pour seigneurs en dehors d'Allah». Puis, s'ils tournent le dos, dites: «Soyez témoins que nous, nous sommes soumis»
Tafsir Al Wasit — Waseet
أنت ترى أن القرآن الكريم قد وجه إلى أهل الكتاب أربع نداءات فى هذه الآيات الكريمة أما النداء الأول فقد طلب منهم فيه أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن يخلصوا لله العبادة فقال { قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } .والسواء : العدل والنصفة ، أى قل يا محمد لأهل الكتاب : هلموا وأقبلوا إلى كلمة ذات عدل وإنصاف بيننا وبينكم .أو السواء : مصدر مستوية أى هلموا إلى كلمة لا تختلف فيها الرسل والكتب المنزلة والعقول السليمة ، لأنها كلمة عادلة مستقيمة ليس فيها ميل عن الحق .ثم بين - سبحانه - هذه الكلمة العادلة المستقيمة التى هى محل اتفاق بين الأنبياء فقال : { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } أى نترك نحن وأنتم عبادة غير الله ، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان .{ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } أى ولا نشرك معه أحدا فى العبادة والخضوع ، بأن نقول : فلان إله ، أو فلان ابن إله ، أو أن الله ثالث ثلاثة .{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } أى ولا يطيع بعضنا بعضا فى معصية الله . قال الآلوسى : ويؤيده ما أخرجه الترمذى وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قال : ما كنا نعبدهم يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم : " أما كانوا يحلون منكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال : نعم . فقال صلى الله عليه وسلم هو ذاك " قيل إلى هذا أشار - سبحانه - بقوله : { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } فالآية الكريمة قد نهت الناس جميعا عن عبادة غير الله ، وعن أن يشرك معه فى الألوهية أحد من بشر أو حجر أو غير ذلك ، وعن أن يتخذ أحد من البشر فى مقام الرب - عز وجل - بأن يتبع فى تحليل شىء أو تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه .ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعا متفقة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده ، وقد حكى القرآن فى كثير من الآيات هذا المعنى ومن ذلك قوله - تعالى - : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله - تعالى - : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا مالج الجاحدون فى طغيانهم فقال : { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .أى فإن أعرض هؤلاء الكفاء عن دعوة الحق ، وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ما هم عليه من عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم ، بل قولوا لهم : اشهدوا : بأنا مسملون مذعنون لكلمة الحق ، بخلافكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل .قال صاحب الكشاف وقوله { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم . وذلك كما يقول الغالب للمغلوب فى جدال وصراع أو غيرهما : اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لى بالغلبة . ويجوز أن يكون من باب التعريض ومعنا : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره " .هذا وتعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التى تهدى الناس إلى طريق الحق بأسلوب منطقى رصين ، ولذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يكتبها في بعض رسائله التى أرسلها إلى الملكوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام - .فقد جاء فى كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى هرقل - ملك الروم - " من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى .أما بعد : فإنى أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسليم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، { ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } إلخ الآية " .
يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ
O gens du Livre, pourquoi disputez-vous au sujet d'Abraham, alors que la Thora et l'Evangile ne sont descendus qu'après lui? Ne raisonnez-vous donc pas
Tafsir Al Wasit — Waseet
وأما النداء الثانى الذى اشتملت عليه هذه الايات فقد تضمن نهى أهل الكتاب عن الجدال بالباطل فى شأن إبراهيم - عليه السلام - قال - تعالى - { ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .قال ابن جرير : عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله فتنازعوا عنده ، قالت الأحبار : ما كان إبراهم إلا يهوديا وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا ، فأنزل الله - تعالى - فيهم : { ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ } .وقوله { تُحَآجُّونَ } من المحاجة ومعناها أن يبتادل المتخاصمان الحجة بأن يقدم كل واحد حجة ويطلب من الآخر أن يرد عليها .والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر اليهود والنصارى أن تجادلوا فى دين إبراهيم وشريعته فيدعى بعضكم أنه كان على الديانة اليهودية ، ويدعى البعض الآخر أنه كان على الديانة النصرانية ، فإن التوارة والإنجيل ما نزلا إلا من بعده بأزمان طويلة ، فكيف يكون يهوديا يدين بالتوراة مع أنها ما نزلت إلا من بعده ، أو كيف يكون نصرانيا يدين بالإنجيل مع أنه ما نزل إلا من بعده ، بآلاف السنين؟ إن هذه المحاجة منكم فى شأن إبراهيم ظاهرة البطلان واضحة الفساد .وقوله { أَفَلاَ تَعْقِلُونَْ } أى أفلا تعقلون يا أهل الكتاب هذا الأمر البدهى وهو أن المتقدم على الشىء لا يمكن أن يكون تابعا للشىء المتأخر عنه؟فالاستفهام لتوبيخهم وتجهيلهم فى دعواهم أن إبراهيم - عليه السلام - كان يهوديا أو نصرانيا .