Tafsir Al Wasit
Waseet
ص
Sad
88 versets
صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ
Sâd. Par le Coran, au renom glorieux (dikr)
Tafsir Al Wasit — Waseet
سورة " ص " من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن بينا بشئ من التفصيل آراء العلماء فى هذه المسألة ، عند تفسيرنا لسورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف . ويونس . .وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى بعض السور القرآنية على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو فى الإِتيان بعشر سور من مثله ، أو بسورة واحدة من مثله .فعجزوا وانقلبوا خاسرين . وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .والواو فى قوله - تعالى - : ( والقرآن ذِي الذكر ) للقسم . والمقسم به القرآن الكريم . وجواب القسم محذوف ، لدلالة ما بعده عليه .والذكر ، يطلق على الشرف ونباهة الشأن ، يقال فلان مذكور ، أى : صاحب شرف ونباهة . ومنه قوله - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ) ويطلق وبراد به التذكير على أنه مصدر ، لأن القرآن مشتمل على المواعظ والأحكام وقصص الأنبياء . وغير ذلك مما يسعد الناس فى دينهم ودنياهم .وهذان الإِطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم ، فيكون المعنى : وحق القرآن الكريم ذى الشرف العظيم ، وذى التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس فى دنياهم وآخرتهم . .إنك - أيها الرسول لصادق فى كل ما تبلغه عن ربك ولم يصدر منك إطلاقا ما يخالف الحق الذى أمرناك بتبليغه للناس .قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أنهم اختلفوا فى تعيين الشئ الذى أقسم الله - تعالى - عليه فى قوله : ( والقرآن ذِي الذكر ) .فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور ، وهو قوله - تعالى - : ( إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار ) أو قوله - تعالى - : ( إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ) أو قوله - تعالى - : ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ) . .والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط .وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف ، واختلفوا فى تقديره ، فقال صاحب الكشاف : التقدير : ( والقرآن ذِي الذكر ) إنه لمعجز . وقدره ابن عطية فقال : والتقدير : والقرآن ذى الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار . .
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ
Ceux qui ont mécru sont plutôt dans l'orgueil et le schisme
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) انتقال من القسم والمقسم به ، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد .والمراد بالعزة هنا : الحمية والاستكبار عن اتباع الحق ، كما في قوله - تعالى - :( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد ) وليس المراد بها القهر والغلبة كما فى قوله - تعالى - : ( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ ) وأصل الشقاق : المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما فى شق غير الذى فيه الآخر . والمراد به هنا : مخالفة المشركين لما جاءهم به النبى صلى الله عليه وسلم .والمعنى : وحق القرآن الكريم ذى الشرف وسمو القدر . إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك ، ولست كما يقول أعداؤك فى شأنك . بل الحق أن هؤلاء الكافرين فى حمية واستكبار عن قبول الهداية التى جئتهم بها من عند ربك ، وفى مخالفةٍ ومعارضةٍ لكل مالا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة للأصنام ، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة .والتعبير بفى قوله ( فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) للإِشعار بأن ما هم علهي من عناد ومن مخالفته للحق ، قد أحاط بهم من كل جوانبهم ، كما يحيط الظرف بالمظروف .
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ
Que de générations avant eux avons-Nous fait périr, qui ont crié, hélas, quand il n'était plus temps d'échapper
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم خوفهم - سبحانه - بما أصاب الأمم من قبلهم ، وحذرهم من أن يكون مصيرهم كمصير المكذبين السابقين فقال : ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ) .و ( كم ) هنا خبرية . ومعناها : الإِخبار عن عدد كثير . وهى فى محل نصب على أنها مفعول به لأهلكنا .وصيغة الجمع فى أهلكنا للتعظيم و " من " فى قوله ( مِن قَبْلِهِم ) لابتداء الغاية ، وفى قوله : ( مِّن قَرْنٍ ) مميزة لِكَمْ . والقرن : يطلق على الزمان الذى يعيش فيه جيل من الناس ، ومدته - على الراجح - مائة سنة والمراد به هنا أهل الزمان .والمراد بالنداء فى قوله - تعالى - : ( فنادوا ) الاستغاثة والضراعة إلى الله أن يكشف عنهم العذاب .و ( لات ) هى لا المشبهة بليس - وهذا رأى سيبويه - فهى حرف نفى زيدت فبيه التاء لتأكيد هذا النفى .وأشهر أقوال النحويين فيها أنها تعمل عمل ليس ، وأنها لا تعمل إلى فى الحين خاصة ، أو فى لفظ الحين ونحوه من الأزمنة ، كالساعة والأوان ، وأنها لابد أن يحذف اسمها أو خبرها ، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب .والحين : ظرف مبهم يتخصص بالإِضافة .وقوله : ( مناص ) مصدر ميميى بمعنى الفرار والخلاص . يقال : ناص فلان من عدوه - من باب قال - فهو ينوص نوصا ومناصا ، إذا فر منه ، وهرب من لقائه .أو بمعنى النجاة والفوت . يقال : ناصه ينوصه إذا فاته ونجا منه .والمراد بقوله - تعالى - : ( أَهْلَكْنَا ) الشروع فى الإِهلاك بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك ( فَنَادَواْ ) إذ من المعروف أن من هلك بالفعل لا يستغيث ولا ينادى .والمعنى : إن هؤلاء الكافرين المستكبرين عن طاعتنا وعبادتنا ، قد علموا أننا أهلكنا كثيرا من السابقين أمثالهم ، وأن هؤلاء السابقين عندما رأوا أمارات العذاب ومقدماته ، جأروا إلينا بالدعاء أن نكشفه عنهم ، واستغاثوا جاءت فى غير وقتها ، ولقد قلنا لهم عندما استغاثوا بنا عند فوات الأوان : ( وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ) .أى : ليس الوقت الذى استغثتم بنا فيه وقت نجاة وفرار من العقاب ، بل هو وقت تنفيذ العقوبة فيكم ، بعد أن تماديتم فى كفركم ، وأعرضتم عن دعوة الحق بدون إنابة أو ندم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا . . ) وقوله - سبحانه - ( حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ . لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ).
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ
Et ils (les Mecquois) s'étonnèrent qu'un avertisseur parmi eux leur soit venu, et les infidèles disent: «C'est un magicien et un grand menteur
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم وشقاقهم فقال : ( وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) . .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : " أن جماعة من قريش اجتمعوا فى نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبى طالب ، لنكلمه فى شأن ابن أخيه . . . فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له : أنت كبيرنا وسيدنا ، فأنصفنا من ابن أخيك ، فمره فليكف عن شتم آلهتنا ، وندعه وإلهه .فقال أبو طالب للنبى صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قريش ، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك .فقال صلى الله عليه وسلم : " يا عم ، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال : وإلام تدعوهم؟ قال : أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم " .فقال أبو جهل بن القوم : ما هى وأبيك؟ لنعطينها لك وشعرة أمثالها ، فقال صلى الله عليه وسلم : " تقولون : لا إله إلا الله " .فنفر أبو جهل وقال : سلنا غير هذا .فقال صلى الله عليه وسلم : " لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ، ما سألتكم غيرها "فقاموا غضابا . وقالوا : والله لنشتمنك وإلهك الذى أرسلك بهذا " .وقوله - تعالى - ( وعجبوا . . . ) مأخوذ من العجب ، وهو تغير فى النفس من أمر لا ترتاح إليه ، وتخفى لديها أسبابه .أى : وعجب هؤلاء الكافرون من مجئ منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك . ويأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحده .( وَقَالَ ) هؤلاء ( الكافرون ) عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق .( هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) أى : قالوا : هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها ، وكذاب فيما يسنده إلى الله - تعالى - من أنه - سبحانه - أرسله إلينا .وقال - سبحانه - : ( وَقَالَ الكافرون ) بالإِظهار دون الإِضمار ، لتسجيل الكفر والجحود عليهم . وللإِيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب .
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ
Réduira-t-il les divinités à un Seul Dieu? Voilà une chose vraiment étonnante»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ، أقوالا أخرى لا تقل عن غيرها فى البطلان والفساد .فقالوا - كما حكى القرآن - : ( أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً ) .والاستفهام للإِنكار : أى : أجعل محمد صلى الله عليه وسلم الآلهة المتعددة ، إلها واحدا . وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة؟( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) أى : إن هذا الذى طلبه منا ، ودعانا إليه ، لشئ قد بلغ النهاية فى العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل .و ( عُجَابٌ ) أبلغ من عجيب . لأنك تقول فى الرجل الذى فيه طول : هذا رجل طويل ، بينما تقول فى الرجل الذى تجاوز الحد المعقول فى الطول : هذا رجل طوال .فلفظ ( عُجَابٌ ) صيغة المبالغة سماعية ، وقد حكاها - سبحانه - عنهم للإِشعار بأنهم كانوا يرون - لجهلهم وعنادهم - أن ما جاءهم به الرسول -؛ - هو شئ قد تجاوز الحد فى العجب والغرابة .واسم الإِشارة يعود إلى جعله صلى الله عليه وسلم الآلهة إلها واحدا ، لأنهم يرون - لانطماس بصائرهم - أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه ، عن آبائهم وأجدادهم من عبادة للأصنام .وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو - فى زعمهم - متجاوز الحد فى العجب .