Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Baqarah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

البقرة

Al-Baqarah

286 versets

Versets 261265 sur 286Page 53 / 58
261S02V261

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

Ceux qui dépensent leurs biens dans le sentier d'Allah ressemblent à un grain d'où naissent sept épis, à cent grains l'épi. Car Allah multiplie la récompense à qui Il veut et la grâce d'Allah est immense, et Il est Omniscient

Tafsir Al WasitWaseet

ثم حض الله - تعالى - عباده على الإِنفاق في سبيله ، ووعدهم على ذلك بجزيل الثواب ، فقال - تعالى - :( مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ . . . )ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا في صدقة عبد الرحمن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ، وذلك " أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حث الناس حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك ، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال : يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أفرضتها لربي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر الرسول صلى الله عليه وسلم قال عبد الرحمن بن سمرة - راوى الحديث - فرأيته صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها ويقبلها ويقول : " ماضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لثعمان " ويقول : " يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه " .ونزول هاتين الآيتين في شأن صدقة هذين الصحابين الجليلين لا يمنع من شمولهما لكل من نهج نهجهما ، وبذل من ماله في سبيل الله .و " المثل " ، الشبه والنظير . ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثة مضربة لمورده الذي ورد فيه أولا . ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية .و " المحبة " كما يقول القرطبي - اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته ، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب .وسنبلة - بوزن فنعلة - من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل ، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالاسبال . وقيل : معنه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه . والجمع سنابل .والمعنى : مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، أي : في طاعته ، كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة ، أصابها الغيث ، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوى جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإِنباتها سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة .فأنت ترى أن الخالق - عز وجل - قد شبه حال الصدقة التي ببذلها المؤمن في سبيل الله فيكافئة الله - تعالى - عليها بالثواب العظيم ، بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب ، في كل سنبة ، وفي كل سنبة مائة حبة . وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على الإِنفاق في وجه الخير ، ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل الله .قال ابن كثير : " وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة . فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله - تعالى - لأصحابها كما ينمى الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة " .وقال - سبحانه - : ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ ) فأسند الإِنبات إلى الحبة ، مع أن المنبت في الحقيقة هو الله ، وذلك لأنهاه سبب لوجود تلك السنابل المليئة بالحبات ، ولأنها هي الأصل لما تولد عنها .ثم قال - تعالى - : ( والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ ) أي والله - تعالى - يضاعف الثواب والجزاء أضعافاً كثيرة لمن يشاء من عباده ، فيعطي بعضهم سبعمائة ضعف ، ويعطي بعضهم أكثر من ذلك ، لأن الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق ، فمتى خرجت منه بنية خالصة ، وقلب سليم ، ونفس صافية ، ومن مال حلال ، ووضعت في موضعها المناسب ، متى كانت كذلك كان الجزاء عليها أوفر ، والمضاعفة لها تزيد على سبعمائة ضعف . إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود ، وثوابه ليس له حساب معدود .ولذا ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) أي والله - تعالى - عطاؤه واسع ، وجوده عميم ، وفضله كبير ، وهو - تعالى - عليم بنيات عباده وبأقوالهم وبأفعالهم وبسائر شئونهم ، فيجازي كل إنسان على حسب نيته وعمله .

262S02V262

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ

Ceux qui dépensent leurs biens dans le sentier d'Allah sans faire suivre leurs largesses ni d'un rappel ni d'un tort, auront leur récompense auprès de leur Seigneur. Nulle crainte pour eux, et ils ne seront point affligés

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - تعالى - : ( الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ) استئناف جيء به لبيان كيفية الإِنفاق الذي يحبه الله ، ويجازي عليه المنفقين بالجزاء العظيم .وقوله : ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ) تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة .والمن معناه : أن يتطاول المحسن بإحسانه على من أحسن إليه ، ويتفاخر عليه بسبب ما أعطاه من عطايا . كأن يقول على سبيل التفاخر والتعبير : لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : والمن في اللغة على وجوه : فقد يأتي بمعنى الإِنعام . يقال : قد من الله على فلان . إذا أنعم عليه بنعمه . وقد يأتي بمعنى النقص من الحق والبخس له . قال - تعالى - : ( وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ) أي غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى الموت منونا لأنه يقطع الأعمار ، ومن هذا الباب المنة والمذمة لأنها تنقص النعمة وتكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة .والمراد بالمن في الآية المذموم الذي هو بمعنى " إظهار الاصطناع إليهم " .وقال صاحب الكشاف : المن : أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاله ، وكانوا يقولون : إذا صنعتم صنيعة فانسوها . ولبعضهم .وإن أمروا أسدى إلى صينعة ... وذكرينها إنه للئيموفي نوابغ الكلم : صنوان : من منح سائله ومنَّ ، ومن منع نائله وضن " والمراد بالأذى في الآية : أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه ، أو يفعل مه فعلا يسئ به إليه ، وهو أعم من المن ، إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه .وجاء العطف بثم في الجملة الكريمة ، لإظهار التفاوت الشديد في ارتبة بين الإِنفاق الذي يحبه الله ، وبين الإِنفاق الذي يصاحبه المن والأذى ، وللإِشعار بأن المن والأذى بغيضان عند الإِنفاق وبعده ، فعلى المنفق أن يستمر في أدبه وإخلاصه وقت الإِنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه ، إذ المنّ والأذى مبطلان للثواب في أي وقت يحصلان فيه .قال الشيخ ابن المنير مبيناً أن ( ثُمَّ ) هنا تفيد استمرار الفعل بجانب إفادتها للتفاوت في الرتبة : وعندي فيها - أي في ثم - وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها . وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه . فهي على هذا لم تخجر عن الإِشعار ببعد الزمن ، ولكن معناها الاصلىي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ، ومعناها المستعار إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه . وعليه حمل قوله - : ( إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ) أي : داوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الامد . . وكذلك قوله هنا ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ) أي يدومون على تناسي الإِحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى . .وكرر - سبحانه - النفي في قوله : ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ) لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما ، أي يجب ألا يقع منهم أي من نوع من أنواع المن ولا أي نوع من أنواع الأذى . حتى لقد قال بعض الصالحين : " لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه بنفقة تبتغي بها وجه الله ، فلا تسلم عليه " .ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال : ( لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) أي : لهم جزاؤهم العظيم مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم ، عند مربيهم ومالك أمرهم ، ولا خوف عليهم مما سيجدونه في مستقبلهم ، ولا هم يحزنون على ماضيهم ، وذلك لأن الله - تعالى - قد أحاطهم برعايته في دنياهم وأخراهم وعوضهم عما فارقوه خير عوض وأكرمه .

263S02V263

۞قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ

Une parole agréable et un pardon valent mieux qu'une aumône suivie d'un tort. Allah n'a besoin de rien, et Il est Indulgent

Tafsir Al WasitWaseet

ثم كرر - سبحانه - التحذير من المن والأذى ، مناديا المؤمنين بأن يجتنبوا في صدقاتهم هاتين الرذيلتين ، مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير من إعطائه مع إيذائه ، استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعاني وغيرها بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول :( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن . . . )المعنى : ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ) بأن تقول للسائل كلاما جميلا طيبا تجبر به خاطره ، ويحفظ له كرامته " ومغفرة " لما وقع منه من إلحاف في السؤال ، وستر لحاله وصفح عنه ، ( خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ) أي خير من صدقة يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه .لأن الكلمة الطيبة للسائل ، والعفو عنه فيما صدر منه ، كل ذلك يؤدي إلى رفع الدرجات عند الله ، وإلى تهذيب النفوس ، وتأليف القلوب وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال . أما الصدقة التي يتبعها الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدي إلى ذهاب ثوابها ، وإلى زيادة الآلام عند السائلين ولا سيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم ، وعلى صيانة ماء وجوههم ، فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا في نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى ، لأن ألم الحرمان يخففه الصبر الذي وراءه الفرج ، أما آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس الكريمة بالجراح التي من العسير التئامها وشفاؤها .قال القرطبي : روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكلمة الطيبة صدقة ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " فعلى المسئول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب ، ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع . وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره .وقوله : ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ) مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها . وقوله : ( وَمَغْفِرَةٌ ) عطف عليه وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة إذ التقدير ومغفرة للسائل أو من الله وقوله : ( خَيْرٌ ) خبر عنهما وقوله ( يَتْبَعُهَآ أَذًى ) في محل جر صفة لصدقة .ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله : ( والله غَنِيٌّ حَلِيم ) أي والله - تعالى - غني عن إنفاق المنفقين وصدقات المتصدقين . وإنما أمرهم بهما لمصلحة تعود عليهم . أو غنى عن الصدقة المصحوبة بالأذى ففلا يقبلها . ( حَلِيم ) فلا يعجل بالعقوبة على مستحقها ، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل .والجملة الكريمة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب .

264S02V264

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ

O les croyants! N'annulez pas vos aumônes par un rappel ou un tort, comme celui qui dépense son bien par ostentation devant les gens sans croire en Allah et au Jour dernier. Il ressemble à un rocher recouvert de terre: qu'une averse l'atteigne, elle le laisse dénué. De pareils hommes ne tirent aucun profit de leurs actes. Et Allah ne guide pas les gens mécréants

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى ) نداء منه - سبحانه - للمؤمنين يكرر فيه نهيهم عن المن والأذى ، لأنهما يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله - تعالى - وإلى عدم الشكر من الناس ولذا جاء في الحديث الشريف : " إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويحق الأجر " .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - لا تبطلوا صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها ، وتمحقوا ثمارها ، بسبب المن والأذى ، فيكون مثلكم في هذا الإِبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم من آثام ، كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل أن يرى الناس منه ذلك ولا يبغي به رضاء الله ولا ثواب الآخرة ، لأنه كفر بالله ، وكفر بحساب الآخرة .وفي هذا التشبيه تنفير شديد من المن والأذى لأنه - سبحانه - شبه حال المتصدق المتصف بهما في إبطال علمه بسببها بحال هذا المنافق المرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر .وقوله : ( كالذي ) الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي : لا تبطلوها إبطالا كابطال الذي ينفق ماله رئاء الناس . . . أو في محل نصب على الحال من فاعل ( تُبْطِلُواْ ) أي لا تبطلوا مشابهين الذي ينفق ماله رئاء الناس .وقوله : ( رِئَآءَ ) منصوب على أنه مفعول لأجله أي : كالذي ينفق ماله من أجل رئاء الناس .وأما المثال الثاني فقال - سبحانه - : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ) .( صَفْوَانٍ ) اسم جنس جمعي واحد صفوانه كشجر وشجرة وهو الحجر الكبير الأملس ، مأخوذ من الصفاء وهو خلوص الشء مما يشوبه . يقال : يوم صفوان أي صافي الشمس . وقيل هو مفرد كحجر . و ( الوابل ) المطر الشديد . يقال : وبلت السماء تبل وبلا ووبولا . اشتد مطرها ( الصلد ) هو الشيء الأجرد النقي من التراب الذي كان عليه . ومنه رأس أصلد إذا كان لا ينبت شعراً ، والأصلد الأجرد الذي لا ينبت شيئاً مأخوذ من صلد يصلد صلدا فهو صلد .والمعنى : يأيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا الله ، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحباً للهور مثل حجر أملس لا ينبت شيئاً ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب ، فانكشف حقيقته وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإِنبات أي شيء عليه .فالتشبيه في الجملة الكريمة بين الذي ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس الذي عليه قد رقيقه من التراب ستر حاله ، ثم ينزل المطر فيزيل التراب وتنكشف حقيقته ويراه الرائي عارياً من أي شيء يستره . وكذلك المنافق المرائي في إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف أمره لأن ثوب الرياء يشف دائماً عما تحته ، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه .ومن المفسرين من يرى أن التشبيه في الجملة الكريمة بين المنفق الذي يبطل صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس ، وأن الضمير في قوله : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ) يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى . فيكون المعنى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والّى فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذي عليه تراب كان يرجى أن يكون منبتاً للزرع فنزل المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه ، فالمن والأذى يبطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع ، كما يزيل المطر التراب الذي يؤمل منه الإِنبات من فوق الحجر الأملس .والذي نراه أن عودة الضمير في قوله : ( فَمَثَلُهُ ) على الذي ينفق ماله رثاء الناس أظهر لأنه أقرب مذكور ، ولأن التشبيه في قوله : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ) قد جاء بلفظ المفرد وهو المناسب للذي ينفق ماله رئاء الناس لأنه مفرد مثله ، بخلاف قوله : ( لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى ) فإن الضمير فيه بلفظ الجمع ، فمن الأولى أن يعود الضمير في قوله : ( فَمَثَلُهُ ) إلى المرائي لتوافقهما في الأفراد .ثم قال - تعالى - : ( لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ) أي أن الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى ، والذين يتصدقون رياء ومفاخرة لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن أذى محق بركتها ، وأذهب ثمرتها ، وأزال ثوابها .أو المعنى : أو أولئك المنانين والمرائين ليس عندهم قدرة على شيء من المال الذي أنعم به عليهم ، فعليهم أن يشكروه على هذه النعمة ، وأن ينفقوه بدون من أو أذى أو مراءاة ، حتى يظفروا بحسن المثوبة منه - سبحانه - .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ) أي لا يهديهم إلى ما ينفعهم لأنهم آثروا الكفر على الإِيمان .والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، وفيها إشارة إلى أن الإِنفاق المصحوب بالمن والأذى والرياء ليس من صفات المؤمنين وإنما هو من صفات الكافرين ، فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذه الصفات التي لا يليق بهم .والذي ينظر في هذه الآيات الكريمة يرى أن الله - تعالى - قد حذر المنفقين من المن والأذى في ثلاث آيات متواليات ، كما حذرهم من الرياء ، وساق أكثر من تشبيه لتقبيح الصدقات التي لا تكون خالصة لوجه الله فلماذا كل هذا التشديد في النهي؟والجواب عن ذلك : أن المن والأذى في الإِنفاق كثيراً ما يحصلان بسبب استعلاء كاذب ، أو رغبة في إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف : وكلا الأمرين لا يليق بالنفس المؤمنة المخلصة ، ولا يتلاقى مطلقا مع الحكم التي من أجلها شرعت الصدقات بل إنه ليتنافر معها تننافراً تاماً لأن الصدقات شرعها الله لتهذيب النفوس وتطهير القلوب ولتربط بين الأغنياء والفقراء برباط المحبة والمودة والإخاء ، فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض ما شرعت له ، لأنها تثير في نفس المعطى بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات الذميمة ، وتثير في نفس الآخذ شعوراً بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه وبذلك تنقطع الروابط ، ويتمزق المجتمع ، ويتحول المحبة إلى عداوة .ولقد تحدث الإِمام الرازي عن الآثار السيئة للمن والأذى فقال ما ملخصه :وإنما كان المن مذموماً لوجوه :الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار الإِنعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه .والثاني : أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريق ذلك .الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله - تعالى - عليه - وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منه على الغير .الرابع : أن المعطي في الحقيقة هو الله ، ومتى اعتقد العبد ذلك استنار قلبه ، أما إذا اعتقد غير ذلك فإنه يكون في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول ، وعن الآثار إلى المؤثر . . . وأما الأذى فيتناول كل ذلك وغيره مما يسيئ إلى الفقير بأن يقول له : فرج الله عني منك ، وأنت أبدا تأتي بما يؤلم . إلخ .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عدداً من الأحاديث الشريفة التي نهت عن المن والأذى ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا عاق لوالديه ، ولا منّان " .

265S02V265

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ

Et ceux qui dépensent leurs biens cherchant l'agrément d'Allah, et bien rassurés (de Sa récompense), ils ressemblent à un jardin sur une colline. Qu'une averse l'atteigne, il double ses fruits; à défaut d'une averse qui l'atteint, c'est la rosée. Et Allah voit parfaitement ce que vous faites

Tafsir Al WasitWaseet

وبعد أن بين القرآن سوء عاقبة الذين يراءون في صدقتهم ، ويفسدون ثمارها بالمن والأذى ، أتبع ذلك ببيان حسن عاقبة الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا الله ، فقال - تعالى :( وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ . . . )التثبيت : تحقيق الشيء وترسيخه ،والجنة - كما يقول الراغب - كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض . وأصل الجن ستر الشيء على الحاسة ، يقال : جنة الليل وأجنه أي ستره . وسميت الجنة بذلك لأنها تظلل ما تحتها وتستره . ( الربوة ) - بضم الراء - وفتحها - المكان المرتفع من الأرض . وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع ومنه الربا للزيادة المأخوذة على أصل الشيء .والمعنى : ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبا لرضي الله - تعالى - ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي : وتوطينا لأنفسهم أي : وتوطينا لأنفسهم على حفظ هذه الطاعة وعلى ترك ما يفسدها كمثل جنة بموضع مرتفع من الأرض نزل بها مطر كثير فأخرجت ثمرها ( ضعفين ) أي ضعفا بعد ضعف فتكون التثنية للتكثير ، أو فأعطت صابحها أو الناس مثلى ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من المطر الغزير . أو فأخرجت ثمرها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان .والمقصود تشبيه نفقة هؤلاء المؤمنين المخلصين في زكائها ونمائها عند الله بتلك الحديقة اليانعة المرتفعة التي تنزل عليها المطر الغزير فأتت أكلها مضاعفاً وأخرجت للناس من كل زوج بهيج .وقوله : ( ابتغآء ) مفعول لأجله أي يبذلون نفقتهم من أجل رضا الله - عز وجل - أو حال من فاعل ينفقون . أي ينفقون أموالهم طالبين رضا الله .وقوله : ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) معطوف على سابقه ، وقد ذكر صاحب الكشاف أوجها في معنى هذه الجملة الكريمة فقال : قوله : ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح على سائر العبادات الشاقة وعلى الإِيمان ، لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكليفها ، ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها وبالعكس ، فكان إنفاق المال تثبيتا لها على الإِيمان واليقين . و ( مِّنْ ) على هذا الوجه للتبعيض ، مثلها في قولهم : هز من عطفه وحرك من نشاطه . ويجوز أن يراد من قوله - تعالى - : ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي : وتصديقا للإِسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق السملم ماله في سبيل الله ، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه . و ( مِّنْ ) على هذا الوجه لابتداء الغاية ، كقوله - تعالى - ( حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإِيمان مخلصة فيه ، وتعضد هذا المعنى قراءة مجاهد : وتثبيتا من أنفسهم : فإن قلت : فما معنى التبعيض؟ قلت : معناه أن من يذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كله كما في قوله - تعالى - : ( وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ )وخصص الجنة بأنها بربوة لأن الأشجار في المكان المرتفع من الأرض تكون عادة أحسن منظرا ، وأزكى ثمرا ، للطاقة هوائها ، فكان من فوائده هذا القيد إعطاء وجه الشبه - وهو تضعيف المنفعة وجمالها قوة ووضوحاً ، كما أن من فوائده تحسين المشبه به تحسينا يعود أثره إلى المشبه عند السامع .ثم قال - تعالى - : ( فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ) .والطل : هو المطر القليل وجمعه طلال ، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي فطل قليل يصبها يكفيها .والمراد أن هذه الجنة لطيبها وكرم منبتها تزكو وتثرم كثر المطر النازل عليها أو قل فكذلك نفقة المؤمنين المخلصين تزكو عند الله وتطيب كثرة أو قلت ، لأن إخلاصهم فيها جعلها عند الله - تعالى - مضاعفة نامية .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير ) .أي أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده لا تخفى عليه خافية ، وسيجازي المخلصين بما يرضيهم كما سيجازي المنانين والمرائين بما يستحقون . ففي الجملة الكريمة ترغيب وترهيب ووعيد .وبذلك نرى القرآن الكريم قد ساق في هذه الآية وسابقتها حالتين متقابلتين : حالة الذي يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء ، وكيف تكون عاقبته ونهايته . وحالة الذي ينفق ماله طلباً لرضا الله وتعويداً لنفسه على فعل الطيبات وكيف يكون جزاؤه عند العليم الخبير ولقد صور القرآن هاتين الحالتين تصويراً مؤثراً بديعاً ، من شأنه أن يهدي العقلاء إلى فعل الخيرات ، وإخلاص النيات ، واجتناب السيئات .