Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Al-Baqarah
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

البقرة

Al-Baqarah

286 versets

Versets 5155 sur 286Page 11 / 58
51S02V51

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ

Et [rappelez-vous] lorsque Nous donnâmes rendez-vous à Moïse pendant quarante nuits!... Puis en son absence vous avez pris le Veau pour idole alors que vous étiez injustes (à l'égard de vous-mêmes en adorant autre qu'Allah)

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره ، فقال تعالى :( وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . . . )المواعدة : مفاعلة من الجانبين ، وهي هنا على غير بابها ، لأن المراد بها هنا أمر الله - تعالى - لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداً لإعطائه التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ( وعدنا ) . وقيل : المفاعلة على بابها ، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة ، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين .وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله ، وأغرق عدوهم أمام أعينهم ، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه ، فوعده - سبحانه - أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته ، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقي التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسداً له خوار فعبدوه من دون الله ، وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه ، فرجع إليهم غاضباً حزيناً ، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم ، فلما فعلوا ذلك عفا الله عنهم لكي يشكروه ، ويلتزموا الصراط المستقيم .ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد ، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتها عبدتم العجل في غيبته ، فلم نعاجلكم بالعقوبة ، بل قبلنا توبتكم ، وعفونا عنكم ، لتكونوا من الشاكرين لله تعالى .وهذا التذكير يحمل في طياته التعجيب من حالهم ، لأنهم قابلوا نعم الله بأقبح أنواع الكفر والجهالة ، حيث عبدوا في غيبة نبيهم ما هو مثال في الغباوة والبلادة وهو العجل .وفي اختيار حرف العطف ( ثم ) المفيد للتراخي الرتبى في جملة ( اتخذتم العجل ) إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل ، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور في القبح والمعصية وحذف المفعول الثاني لاتخذتم وهو " إلهاً أو معبوداً لشناعة ذكره ولعلهم بأنهم اتخذوه إلهاً " .وقوله تعالى : ( مِن بَعْدِهِ ) معناه : من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم . وفي ذلك زيادة تشنيع عليهم ، حيث وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء ، لأنهم كان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله في غيبة نبيهم لا سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم ، ما يطمئن النفوس ، ويقوي الإِيمان ويغرس في القلوب الطاعة لله تعالى .وجملة ( وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) حالية مقيدة لاتخذتم ، ليكون اتخاذهم العجل معبوداً ، مقروناً بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته ، وللإِشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا .

52S02V52

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ

Mais en dépit de cela Nous vous pardonnâmes, afin que vous reconnaissiez (Nos bienfaits à votre égard)

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله تعالى : ( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) معناه ثم تركنا معاجلتكم بالعقوبة ، ومحونا ذنوبكم ، لتوبتكم من بعد أتخاذكم العجل معبوداً من دون الله ، رجاء أن تشكروا خالقكم على عفوه عنكم وتستعملوا نعمه فيما خلقت له وتتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم .وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان ، ما يدل على غباء بني إسرائيل وقصر نظرهم . لأنهم اتخذوا العجل إلهاً بعد أن شاهدوا البراهين على صدق نبيهم ، كما تضمنتا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من اليهود المعاصرين للدعوة الإسلامية ، فكأنه سبحانه يقول : إن ما قام به بنو إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعل ما يشبهه آباؤهم الأقدمون مع نبيهم موسى - عليه السلام - فلقد اتخذوا في غيبته عجلاً جسداً له خوار دون أن يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ، اتخذوه وكانوا ظالمين .خامساً - نعمة إيتاء موسى التوراة لهدايتهم .

53S02V53

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ

Et [rappelez-vous] lorsque Nous avons donné à Moïse le Livre et le Discernement afin que vous soyez guidés

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ذكرهم - سبحانه - بتعمة خامسة فيها صلاح أمورهم ، وانتظام شئونهم ألا وهي إعطاء نبيهم موسى - عليه السلام - التوارة ، فقال تعالى :( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب . . . ) .معنى الآية الكريمة : اذكروا بابني إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى - عليه السلام - التوراة ، وفيها الشرائع والأحكام ، لكي تهتدوا بها إلى طريق القلاح والرشاد في الدنيا ، وإلى الفوز بالسعادة في الآخرة .فالمراد بالكتاب التوراة التي أوتيها موسى - عليه السلام - فأل للعهد .والفرقان - بضم الفاء - مأخوذ من الفرق وهو الفصل ، استعير لتمييز الحق من الباطل؛ وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوي المنزل من عند الله كما في قوله تعالى : ( تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ ) كما يطلق على المعجزة كما في قوله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان ) أي المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً .والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير .قال ابن جرير ما ملخصه : ( وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذي ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى في هذا الموضع ، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة لها ، فيكون تأويل الآية حينئذ .وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح ، وفرقنا بها بين الحق والباطل . فيكون الكتاب نعتاً للتوراة ، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ثم عطف عليه بالفرقان ، إذ كان من نعتها ) .وقوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة؛ لأن إتيان موسى الكتاب والفرقان ، المقصود منه هدايتهم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .ولكن ماذا كان موقف بني إسرائيل من التوراة التي أنزلها الله لهدايتهم وسعادتهم؟ كان موقفهم منها - كما هي عادتهم - موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم الأثيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك ، وشبههم في تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها ، بالحمار الذي يحمل كتب العلم ولكنه لا يدري ما فيها .فقال تعالى في سورة الجمعة : ( مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) حملوا التوراة : أي علموها وكلفوا العمل بها ، ثم لم يحملوها : أي : لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما اشتملت عليه . والأسفار : جمع سفر وهو الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ .ومعنى الآية الكريمة : مثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة وكلفوا العمل بأحكامها ولكنهم لم يعملوا بها ، مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه لا يدري ما فيها ، ولا يناله من حملها إلا التعب ، بئس مثلا مثل هؤلاء اليهود الذين كذبوا بآيات الله التي تشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وتذر صفاته التي لا تنطبق إلا عليه ، وقد جرت سنة الله - تعالى - في خلقه ألا يهدي إلى طريق الحق أمثال هؤلاء القوم الظالمين ، لأنهم استحيوا العمى على الهدى ، وباعوا دينهم بدنياهم .قال صاحب الكشاف : " شبه الله - تعالى - اليهود ي أنهم حملة التوراة وقراؤها ، وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا منتفعين بآياتها وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ، ولم يؤمنوا به - شبههم بالحمار يحمل أسفاراً ، أي : كتباً من كتب العلم ، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل ، فهذا مثله وبئس المثل " .وقال الإِمام ابن القيم : " شبه الله - تعالى - من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ، ثم خالف ذلك ، ولم يحمله إلا على ظهر قلب ، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ، ولا تحكيم لنصوصه ، شبهه - بحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها ، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا ، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره ، فهذا المثل ، وإن كان قد ضرب لليهود ، فهو متناول من حيث المعنى ، لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ، ولم برعه حق رعايته " .ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة ، وجعلها نوراً وهدى لهم ، ولكنهم تركوها ، ولم يعملوا بما فيها ، واستحبوا العمى على الهدى ، ( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) سادساً : ( نعمة إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم ) :

54S02V54

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Et [rappelez-vous] lorsque Moïse dit à son peuple: «O mon peuple, certes vous vous êtes fait du tort à vous-mêmes en prenant le Veau pour idole. Revenez donc à votre Créateur; puis, tuez donc les coupables vous-mêmes: ce serait mieux pour vous, auprès de votre Créateur!»... C'est ainsi qu'Il agréa votre repentir; car c'est Lui, certes, le Repentant et le Miséricordieux

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليلة ، وهي إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم وإخبارهم بقبول توبتهم ، فقال تعالى :( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . )المعنى : واذكروا يا بني إسرائيل - لتنتفعوا وتعتبروا - وقت أن قال موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجي ربه بعيداً عنهم : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله - تعالى - فإذا أردتم التكفير عن خطاياكم . فتوبوا إلى ربكم توبة صادقة نصوحاً ، واقتلوا أنفسكم لتنالوا عفو ربكم ، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإِقامة على المعصية ، ففعلتم ذلك فقبل الله توبتكم؛ لأنه هو الذي يقبل التوبة عن عباده على كثرة ما يصدر عنهم من ذنوب؛ لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ويستقيم على صراطه الواضح .وفي نداء موسى - عليه السلام - لهم بقوله : " يا قوم " تلطف في الخطاب ليجذب قلوبهم إلى سماعه ، وليحملهم على تلقي أوامره بحسن الطاعة ، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم منه ، والشأن فيمن كان كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم ، وإنما يريد لهم الخير .والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب ، فهو أخص من الخالق ، ولذا قال تعالى : ( هُوَ الله الخالق البارىء المصور ) وفي هذا التعبير الحكيم ، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذي أحسن كل شيء خلقه ، وفيه أيضاً تقريع لهم على غباوتهم ، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض ، وعبدوا عجلا ضرب به المثل في الغباوة فقالوا " أبلد من ثور " فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لقد اتخذتم هذا العجل إلهاً لتشابهكم معه في البلادة وضيق الأفق .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ( مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ ) ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ، فكان فيه تقريع بما ان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف وحكمته على الأشكال المختلفة ، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في البعاوة والبلادة ، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم ، حين لم يشكروا النعمة في ذلك ، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شيء منها " اه .وقوله تعالى : ( فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ) أمر من موسى - عليه السلام - لهم بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة ، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ربه ، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحي لأنه تشريع من الله - تعالى - .والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه ، فيكون المعنى : ليقتل بعضكم بعضاً ، كما في قوله تعالى : ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً )أي فليسلم بعضكم على بعض .وقيل : المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقياً حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير الله ، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك ، وأن الله - تعالى - رفع عنهم القتل وعفا عمن بقي منهم على قيد الحياة كرما منه وفضلا ، وهذا هو معنى التوبة في قوله تعالى ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) ، ومعنى العفو في قوله تعالى : في الآية السابقة ( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيراً من الآثار التي تحدثت عن كيفية حصول هذا القتل ، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عياس ، أنه قال : " قال تعالى لموسى : إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كانوا خفى على موسى وهارون ، ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها . وفعلوا ما أمروا به ، فغفر الله للقاتل والمقتول " .وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهري أنه قال : " لما أمر بنو إسرائيل بقتل أنفسهم برزوا ومعهم موسى ، فتضاربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه ، حتى إذا فتروا أتاه بعضهم ، فقال له : يا نبي الله ادع الله لنا ، وأخذوا بعضديه يشدون يديه . فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله - جل ثناؤه - إلى موسى ( لاَ تَحْزَنْ ) أما من قتل فحى عندي يرزق ، وأما من بقي ، فقد قبلت توبته ، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل " .وجملة ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ) تعليله ، جيء بها لتحريضهم على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام - واسم الإِشارة ( ذَلِكُمْ ) يعود إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم .وجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) جواب لشرط محذوف للإِيجار ، أي فامتثلتم ما أمرتم به ، فقيل الباري توبتكم ، وهي خطاب من الله - تعالى - لبني إسرائيل على لسان موسى ، فيه تذكير بنعمته ، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم .وعطفت هذه الجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) جواب لشرط محذوف للإِيجار ، أي فامتثلتم ما أمرتم به ، فقيل الباري توبتكم ، وهي خطاب من الله - تعالى - لبني إسرائيل على لسان موسى ، فيه تذكير بنعمته ، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم .وعطفت هذه الجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) بالفاء ، لإِشعارهم بأنه - سبحانه - لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعاً بالقتل ، بل تداركهم بلطفه ورحمته ، فقبل توبتهم ، ورفع عقوبة القتل عمن بقي منهم .وقوله تعالى : ( إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم ) إخبار وثناء على الله - تعالى - بما هو أهثله من عفو ورحمة .وأكدها - سبحانه - بتنزيلهم منزلة من يشك في قبول توبته ، لعظم جريمتهم وضخامة خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد في طريق الشيطان .وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بني إسرائيل فإن الله - تعالى - لطف بهم ، ورحمهم ، وقبل توبتهم ، وعفا عن قتلهم أنفسهم ، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم في توبتهم ، كما تضمنت - أيضاً - تذكير بني إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بنعم الله عليهم ، لأنه لولا عفوه - سبحانه - عن آبائهم لما وجدوا هم ، وفيها - كذلك - إشارة إلى سماحة الشريعة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول في الإِسلام لأنه إذا كان آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإِسلام تقول لهم : لقد جاءكم النبي الذي رفع عنكم إصركم والأغلال التي كانت على أسلافكم ، فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون .سابعاً : نعمة بعثهم من بعد موتهم :

55S02V55

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ

Et [rappelez-vous] lorsque vous dites: «O Moïse, nous ne te croirons qu'après avoir vu Allah clairement»!... Alors la foudre vous saisit tandis que vous regardiez

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة جليلة ، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم المتعنتة ، وهذه النعمة تتجلى في بعثهم من بعد موتهم ، فقال تعالى :( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى . . . )جهرة : في الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف ، إلا أن الأول في المسموعات والثاني في المبصرات .والصاعقة : - كما قال ابن جرير - " كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل . صوتاً كان ذلك أو ناراً أو زلزلة أو رجفة ، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقاً وهو حي غير ميت ، قوله - تعالى - : ( وَخَرَّ موسى صَعِقاً ) يعني مغشياً عليه ، فقد علم أن مسوى لم يكن حين غشى عليه وصعق ميتاً ، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال : ( سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ . . . ) وأصل البعث في اللغة : إثارة الشيء من محله ، وتحريكه بعد سكون ومنه : بعث فلان الناقة : إذا أثارها من مبركها للسير ، ويستعمل بمعنى الإِيقاظ ، كما ورد في قصة أهل الكهف ( فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً . ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ . . . ) أي : أيقظناهم .ويستعمل - أيضاً - بمعنى الإِحياء . وهو المراد في الآية التي معنا ، بدليل قوله تعالى : ( مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) .ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم ، وتعنتم في الطلب ، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة : لن نؤمن لك ، ولن نقر بما جئتنا به ، حتى نرى الله عياناً وعلانية ، فيأمرنا بالإِيمان بك ، وبما جئت به ، فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم - بسبب جهلكم وتطاولكم - وأنتم تشاهدونها بعيونكم ، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من بعد أن أخذتكم الصاعقة ، لكي تشكروا الله على نعمة التي من جملتها إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم .قال الإِمام ابن جرير : ذكرهم الله - تعالى - بذلك اختلاف آبائهم . وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم ، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس ، وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم ، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهاً غير الله ، ومرة يعبدون العجل من دون الله ، ومرة يقولون : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) . وأخرى يقولون له إّذا دعوا إلى القتال : ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ومرة يقال لهم : ( وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) فيقولون حنطة في شعيرة ، ويدخلون الباب من قبل أستاهم ، مع غير ذلك من أفعالهم القبيحة التي يكثر إحصاؤها ، فأعلم الله - تعالى - الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم ، الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى ، وتمردهم على نبيه موسى - عليه السلام - تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم ، وسبوغ آلائه عليهم .والقائلون لموسى - عليه السلام - : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه ، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأي .من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : ( فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ) أنه قال : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه . وقالوا : اطلب لنا ربك لنسمع كلامه . قال : سمعوا كلاماً ، فقالوا : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) قال : فسمعوا صوتاً فصعقوا يقول : ماتوا ، فذلك قوله : ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) فبعثوا من بعد موتهم ، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم ، فبعثوا لبقية آجالهم .وقال ابن كثير : الذين قالوا لموسى : ( أَرِنَا الله جَهْرَةً ) المراد بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه .وقيل : إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بني إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين ، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير هذه الآية . " قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل . فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم ، فقال لهم موسى : ( إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به ، ونهيكم الذي نهاكم عنه ، فقالوا : ومن يأخذ بقلوك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) ؛ قال : فجاءت غضبة من الله - تعالى - ، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة . فصعقتهم فماتوا جميعاً . قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، وقرأ قوله تعالى : ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) . فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله ، فقالوا لا ، فقال : أي شيء أصابكم؟ فقالوا : أصابنا أننا متنا ثم أحيينا . قال : خذوا كتاب الله ، قالوا لا ، فبعث الله ملائكة فنتفت الجبل فوقهم ) .قال الإِمام ابن كثير : ( وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعدما أحيوا ثم قال : وقد حكى الماوردي في ذلك قولين :أحدهما : أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق .والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف .وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ، لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاماً من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون؛ وهذا واضح ، والله أعلم ) .وقال ابن جرير : " ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة ، فنسلم لهم ، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال : إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له ( ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) كما أخبر عنهم أنهم قالوه . . . "وفي ندائهم لنبيهم باسمه " يا موسى " سوء أدب منهم معه ، لأنه كان من الواجب عليهم ، أن يقولوا له : يا رسول الله أو يا نبي الله ، من الصفات التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير ، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجرداً في كثير من المواطن .ومن أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقولون له : يا رسول الله ، استجابة لأمر الله - تعالى - في قوله : ( لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) وقولهم : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) دليل على تمردهم وعصيانهم ، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم ، وما شاهدوا من معجزات ، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عياناً ، فإن لم يروه داخلهم الشك في صدق نبيهم .وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية ( جهرة ) لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية ، أو العلم القلبي ، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية ، لغلظ قلوبهم ، وجفاء طباعهم .وقوله تعالى : ( فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ) إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة ، لأن الفاء تفيد التعقيب .وجملة ( وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ) تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونهنا وفي مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم ، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم ، وإن أصابتهم بهذه العقوبة كان في حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم في أن ينالوا ما ليس من حقهم .والآية الكريمة تفيد أن بني إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة في الدنيا ، وأنهم علقوا إيمانهم عليها ، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق . موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم ، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك ، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله - تعالى - ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة .