Tafsirs/Tafsir Al Wasit/An-Naml
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

النمل

An-Naml

93 versets

Versets 4145 sur 93Page 9 / 19
41S27V41

قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ

Et il dit [encore]: «Rendez-lui son trône méconnaissable, nous verrons alors si elle sera guidée ou si elle est du nombre de ceux qui ne sont pas guidés»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ختم - سبحانه - هذه القصة البديعة ، ببيان ما فعله سليمان بالعرش ، وبما قاله لملكة سبأ بعد أن قدمت إليه ، وبما انتهى إليه أمرها ، فقال - تعالى - : ( قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا . . . ) .قوله : ( نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ) من التنكير الذى هو ضد التعريف ، وهو جعل الشىء على هيئة تخالف هيئته السابقة حتى لا يعرف .أى : قال سليمان لجنوده ، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس : غيروا لهذه الملكة عرشها ، كأن تجعلوا مؤخرته فى مقدمته ، وأعلاه أسفله .وافعلوا ذلك لكى ( نَنظُرْ ) ونعرف ( أتهتدي ) إليه بعد هذا التغيير ، أو إلى الجواب اللائق بالمقام عندما تسأل ( أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ ) إلى معرفة الشىء بعد تغيير معالمه المميزة له . أو إلى الجواب الصحيح عندما تسأل عنه .فالمقصود بتغيير هيئة عرشها : اختبار ذكائها وفطنتها ، وحسن تصرفها ، عند مفاجأتها بإطلاعها على عرشها الذى خلفته وراءها فى بلادها . وإيقافها على مظاهر قدرة الله - تعالى - وعلى ما وهبه لسليمان - عليه السلام - من معجزات .

42S27V42

فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ

Quand elle fut venue on lui dit: «Est-ce que ton trône est ainsi?» Elle dit: «C'est comme s'il l'était». - [Salomon dit]: «Le savoir nous a été donné avant elle; et nous étions déjà soumis»

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - تعالى - : ( فَلَمَّا جَآءَتْ . . . ) شروع فى بيان ما قالته عندما عرض عليها سليمان عرشها .أى : فلما وصلت بلقيس إلى سليمان - عليه السلام - عرض عليها عرشها بعد تغيير معالمه . ثم قيل لها من جهته - عليه السلام - : ( أَهَكَذَا عَرْشُكِ ) أى : أمثل هذا العرش الذى ترينه الآن ، عرشك الذى خلفته وراءك فى بلادك .فالهمزة للاستفهام والهاء للتنبيه - والكاف حرف جر ، وذا اسم إشارة مجرور بها ، والجار والمجرور خبر مقدم ، وعرشك مبتدأ مؤخر .ولم يقل لها : أهذا عرشك ، لئلا يكون إرشادا لها إلى الجواب ، فيفوت المقصود من اختبار ذكائها وحسن تصرفها .ولا شك أن هذا القول يدعوها للدهشة والمفاجأة بما لم يكن فى حسبانها ، وإلا فأين هى من عرشها الذى تركته خلفها على مسافة بعيدة ، بينها وبيم مملكة سليمان عشرات الآلاف من الأميال .ولكن الملكة الأريبة العاقلة ، هداها تفكيرها إلى جواب ذكى ، فقالت - كما حكى القرآن عنها - : ( كَأَنَّهُ هُوَ ) أى : هذا العرش - الذى غيرت هيئته - كأنه عرشى الذى تركته فى بلادى ، فهى لم تثبت أنه هو ، ولم تنف أنه غيره ، وإنما تركت الأمر مبنيا على الظن والتشبيه ، لكى يناسب الجواب السؤال .وقوله - سبحانه - : ( وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام بقليس ، وكأنها عندما استشعرت مما شاهدته اختبار عقلها قالت : وأتينا العلم من قبلها ، أى : من قبل تلك الحالة التى شاهدناها ، بصحة نبوة سليمان وكنا مسلمين ، طائعن لأمره .ومنهم من يرى أنه من سليمان ، وتكون الجملة معطوفة على كلام مقدر وجىء بها من قبيل التحدث بنعمة الله - تعالى - .والمعنى : قال سليمان : لقد أصابت بلقيس فى الجواب ، وعرفت الحق ، ولكننا نحن الذين أويتنا العلم من قبلها - أى من قبل حضور ملكة سبأ - وكنا مسلمين لله - تعالى - وجوهنا .ويبدو لنا أن كون هذه الجملة ، حكاها القرآن على أنها من تتمة كلامها أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من سياق الكلام .قال الآلوسى : ما ملخصه : قوله : ( وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) من تتم كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين . كأنها استشعرت مما شاهدته اختبارها ، وإظهار معجزة لها ، ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول ، سارعت إلى الجواب بما أنبأ عن كمال عقلها ، ولما كان إظهار المعجزة دون ذلك فى الظهور ، ذكرت ما يتعلق به آخرا وهو قولها : ( وَأُوتِينَا العلم ) وفيه دلالة على كمال عقلها - أيضا - .والمعنى : وأوتينا العلم بكمال قدرة الله ، وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة ، بما شاهدناه من أمر الهدهد . وما سمعناه من رسلنا إليك ، وكنا مؤمنين من ذلك الوقت ، فلا حاجة إلى إظهار هذه المعجزة .

43S27V43

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ

Or, ce qu'elle adorait en dehors d'Allah l'empêchait (d'être croyante) car elle faisait partie d'un peuple mécréant

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - سبحانه - ( وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله . . ) بيان للأسباب التى منعتها من الدخول فى الإسلام قبل ذلك . و ( مَا ) موصولة على أنها فاعل " صد " .أى : وصدها ومنعها الذى كانت تعبده من دون الله - تعالى - وهو الشمس - عن عبادة الله - تعالى - وحده ، وعن المسارعة إلى الدخول فى الإسلام .ويصح أن تكون ( مَا ) مصدرية ، والمصدر هو الفاعل . أى . وصدها عبادة الشمس ، عن المسارعة إلى الدخول فى الإسلام .وجملة ( إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ ) تعليل لسببية عبادتها لغير الله - تعالى- .أى : إن هذه المرأة كانت من قوم كافرين بالله - تعالى - ، جاحدين لنعمه ، عابدين لغيره ، منذ آزمان متطاولة ، فلم يكن فى مقدورها إظهار إسلامها بسرعة وهى بينهم .فالجملة الكريمة كأنها اعتذار لها عن سبب تأخرها فى الدخول فى الإسلام .

44S27V44

قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ

On lui dit: «Entre dans le palais». Puis, quand elle le vit, elle le prit pour de l'eau profonde et elle se découvrit les jambes. Alors, [Salomon] lui dit: «Ceci est un palais pavé de cristal». - Elle dit: «Seigneur, je me suis fait du tort à moi-même: Je me soumets avec Salomon à Allah, Seigneur de l'univers»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان ما فاجأها به سليمان ، لتزداد يقينا بوحدانية الله - تعالى - ، وبعظم النعم التى أعطاها - سبحانه - له فقال : ( قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ) .والصرح : القصر ويطلق على كل بناء مرتفع . ومنه قوله - تعالى - : ( وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب ) ويطلق - أيضا - على صحن الدار وساحته . يقال : هذه صرحة الدار . أى : ساحتها وعرصتها .وكان سليمان - عليه السلام - قد بنى هذا الصرح ، وجعل بلاطه من زجاج نقى صاف كالبلور . بحيث يرى الناظر ما يجرى تحته من ماء .أى : قال سليمان لملكة سبأ بعد أن سألها : أهكذا عرشك ، وبعد أن أجابته بما سبق بيانه . قال لها : ادخلى هذا القصر ، فلما رأت هذا الصرح وما عليه من جمال وفخامة ، حسبته لجة ، أى : ظنته ماء غزيرا كالبحر .( وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ) لئلا تبتل بالماء أذيال ثيابها .وهنا قال سليمان مزيلا لما اعتراها من دهشة : ( إِنَّهُ ) أى : ما حسبته لجة ( صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ ) أى : قصر مملس من زجاج لا يحجب ما وراءه .فقوله ( مُّمَرَّدٌ ) بمعنى مملس ، مأخوذ من قولهم : شجرة مرداء إذا كانت عارية من الورق ، وغلام أمرد ، إذا لم يكن فى وجهه شعر والتمريد فى البناء ، معناه : التمليس والتسوية والنعومة .والقوارير : جمع قارورة ، وهى إناء من زجاج ، وتطلق القارورة على المرأة ، لأن الولد يقر فى رحمها ، أو تشبيها لها بآنية الزجاج من حيث ضعفها ، ومنه الحديث الشريف : " رفقا بالقوارير " والمراد بالقوارير هنا . المعنى الأول .ثم حكى - سبحانه - ما قالته بلقيس بعد أن رأت جانبا من عداب صنع الله فقال : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) أى : بسبب عبادى لغيرك قبل هذا الوقت . . . ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ) طائعة مختارة ، وإسلامى إنما هو ( لِلَّهِ رَبِّ العالمين ) وليس لأحد سواه .وبعد ، فهذا تفسير محرر لتلك القصة ، وقد أعرضنا عن كثير من الإسرائيليات التى حشا بها بعض المفسرين تفاسيرهم ، عند حديثهم عن الآيات التى وردت فى هذه القصة ، ومن ذلك ما يتعلق بسليمان - عليه السلام - وبجنوده من الطير . وبمحاورة النملة له ، وبالهدية التى أرسلتها ملكة سبأ إليه ، وبما قالته الشياطين لسليمان عن هذه المرأة . . الخ وقد اشتملت هذه القصة على عبر وعظات وأحكام وآداب ، من أهمها ما يأتى :1 - أن الله - تعالى - قد أعطى - بفضله وإحسانه - داود وسليمان - عليهما السلام - نعما عظيمة ، على رأسها نعمة النبوة ، والملك ، والعلم النافع .وأنهما قد قابلا هذه النعم بالشكر لله - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له .ونرى ذلك فى قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين ) وفى قوله - تعالى - : ( رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ) وفى قوله - سبحانه - : ( هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلوني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) 2 - أن سليمان - عليه السلام - قد أقام دولته على الإيمان بالله - تعالى - وعلى العلم النافع ، وعلى القوة العادلة .أما الإيمان بالله - تعالى - وإخلاص العبادة له - سحبانه - ، فهو كائن له - عليه السلام - بمقتضى نبوته التى اختاره الله لها ، وبمقتضى دعوته إلى وحدانية الله - عز وجل - فقد حكى القرآن عنه أنه قال فى رسالته إلى ملكة سبأ : ( إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ )وأما العلم النافع ، فيكفى أن القصة الكريمة قد افتتحت بقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً . . ) واشتملت على قوله - سبحانه - : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير . . ) وعلى قوله - عز و جل - : ( قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) وأما القوة ، فنراها فى قوله - تعالى - : ( وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ ) وفى قوله - سبحانه ( ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) 3 - أن سليمان عليه السلام كانت رسالته الأولى نشر الإيمان بالله - تعالى - فى الأرض ، وتطهيرها من كل معبود سواه .والدليل على ذلك أن الهدهد عندما أخبره بحال الملكة التى كانت هى وقومها يعبدون الشمس من دون الله . . .ما كان من سليمان - عليه السلام - إلا أن حمله كتابا قويا بليغا يأمرهم فيه بترك التكبر والغرور ، وبإسلام وجوهمم لله وحده : ( أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) 4 - أن سليمان - عليه السلام - كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال رعيته ، حيث يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة ، ويعرف الحاضر من أفرادها والغائب ، حتى ولو كان الغائب طيرا صغيرا ، من بين آلاف الخلائق الذين هم تحت قيادته .ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان - عليه السلام - من يقظة ودراية بأفراد رعيته أبدع تصوير فقال : ( وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين ) قال الإمام القرطبى : رحمه الله - : فى هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته ، والمحافظة عليهم ، فانظر إلى الهدهد مع صغره ، كيف لم يَخْفَ على سليمان حاله ، فكيف بعظام الملك . .ثم يقول - رحمه الله - على سبيل التفجع والشكوى عن حال الولاة فى عهده : فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان ، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان . . . ورحم الله القائل :وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها5 - أن سليمان - عليه السلام - كان بجانب تعهده لشئون رعيته ، يمثل الحاكم الحازم العادل ، الذى يحاسب المهمل ، ويتوعد المقصر ، ويعاقب من يستحق العقاب ، وفى الوقت نفسه يقبل عذر المعتذر متى اعتذر عذرا مشروعا ومقنعا .انظر إليه وهو يقول - كما حكى القرآن عنه - عندما تفقد الهدهد فلم يجده : ( لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) إن الجيوش الجرارة التى تحت قيادة سليمان - عليه السلام - لا تؤثر فيها غياب هدهد منها . . . ولكن سليمان القائد الحازم ، كأنه يريد أن يعلم جنوده ، أن لكل جندى رسالته التى يجب عليه أن يؤديها على الوجه الأكمل سواء أكان هذا الجندى صغيرا أم كبيرا ، وأ ، من فرط فى الأمور الصغيرة ، لا يستبعد منه أن يفرط فى الأمور الكبيرة .6 - أن الجندى الصغير فى الأمة التى يظلها العدل والحرية والأمان . . . لا يمنعه صغره من أن يرد على الحاكم الكبير ، بشجاعة وقوة . . .انظر إلى الهدهد - مع صغره - يحكى عن القرآن ، أنه رد على نبى الله سليمان الذى آتاه الله ملكا لا ينبغى لأحد من بعده بقوله : ( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) ونجد سليمان - عليه السلام - لا يؤاخذه على هذا القول ، بل يضع قوله موضع التحقيق والاختبار فيقول له : ( قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين ) وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة ، لا يهان فيها الصغير ، ولا يظلم فيها الكبير .7 - أن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن تتألف الأمم من حاكمين ومحكومين ، وأن كل فريق له حقوق وعليه واجبات ، وأن الأمم لا تصلح بدون حاكم يحكمها ويرعى شئونها ، ويحق الحق ويبطل الباطل .قال القرطبى : عند تفسيره لقوله - تعالى - : ( وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ ) فى الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وَزَعةً - أى ولاة ، أو قضاة - يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض . . .قال ابن عون : سمعت الحسن يقول وهو فى مجلس قضائه : والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة .ومن الأقوال الحكيمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضى الله عنه - " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " .8 - أن الحاكم العاقل هو الذى يستشير من هو أهل للاستشارة فى الأمور التى تهم الأمة . فها هى ذى ملكة سبأ عندما جاءها كتاب سليمان - عليه السلام - جمعت وجوه قومها ، وقالت لهم - كما حكى القرآن عنها : ( ياأيها الملأ أَفْتُونِي في أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ . . ) قال القرطبى : وفى هذه الآية دليل على صحة المشاورة . . . وقد قال - الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ) وقد مدح الله الفضلاء بقوله : ( وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ) والمشاورة من الأمر القديم وخاصة فى الحرب ، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس من دون الله قالت : ( ياأيها الملأ أَفْتُونِي في أَمْرِي . . ) لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم . وربما كان فى استبدادها برأيها وهن فى طاعتها ، وكان فى مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من شوكتهم ، وشدة مدافعتهم ، ألا ترى إلى قولهم فى جوابهم : ( نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمر إِلَيْكِ فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ . . ) 9 - أن الهداية إذا لمس المهدى إليه من ورائها ، عدم الإخلاص فى إهدائها . وأن المقصد منها صرفه عن حق يقيمه ، أو عن باطل يزيله .. . فإن الواجب عليه أن يرد هذه الهدية لصاحبها . وأن يمتنع عن قبولها . . .ألا ترى إلى سليمان - عليه السلام - قد رد الهدية الثمينة التى أهدتها بلقيس إليه ، حين أحس أن من وراء هذه الهدية شيئا . يتنافى مع تبليغ وتنفيذ رسالة الله - تعالى - التى أمره بتبليغها وتنفيذها ، ألا وهى : الأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - والنهى عن الإشراك به ، وبلقيس إنما كانت تقصد بهديتها ، اختبار سليمان ، أنبى هو أم ملك ، كما سبق أن أشرنا .لذا وجدنا القرآن يحكى عن سليمان - عليه السلم - أنه رد هذه الهدية مع من جاءوا بها ، وقال : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) 10 - أن ملكة سبأ دل تصرفها على أنها كانت ملكة عاقبة رشيدة ، حكيمة ، فقد استشارت خاصتها فى كتاب سليمان - عليه السلام - ، ولوحت لهم بقوته وبما سيترتب على حره ، وآثرت أن تقدم له هدية على سبيل الامتحان ، واستحبت المسالمة على المحاربة . . . وكان عندها الاستعداد لقبول الحق والدخول فيه ، وما أخرها عن المسارعة إليه إلا لكونها كانت من قوم كافرين .وعندما التقت بسليمان ، وانكشفت لها الحقائق سارعت إلى الدخول فى الدين الحق ، وقالت : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين ) .هذه بعض العبر والعظات التى تؤخذ من هذه القصة . . .

45S27V45

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ

Nous envoyâmes effectivement vers les Thamûd leur frère Sâlih. [qui leur dit]: «Adorez Allah». Et voilà qu'ils se divisèrent en deux groupes qui se disputèrent

Tafsir Al WasitWaseet

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ . . . ) .قوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً . . ) معطوف على قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ) وللام فى قوله ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ . . ) جواب لقسم محذوف ، و ( ثَمُودَ ) اسم للقبيلة التى منها صالح - عليه السلام - ، سميت باسم جدها ثمود . وقيل : سميت بذلك لقلة مائها ، لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وهو مكان بين الحجاز والشام ، ومازلت مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم . وقد مر النبى صلى الله عليه وسلم بديارهم ، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك ، سنة تسع بعد الهجرة .وصالح - عليه السلام - هو نبيهم ، وكان واحدا منهم ، وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية ، أما قبيلة عاد فتسمى عادا الأولى ، ونبيهم هود - عليه السلام - قالوا : وكان بين القبيلتين زهاء مائة عام .والمعنى : وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود ، أخاهم صالحا - عليه السلام - ، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه : ( أَنِ اعبدوا الله ) - تعالى - وحده ، ولا تشركوا معه آلهة أخرى .و " إذا " فى قوله - تعالى - : ( فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ) هى الفجائية و ( يَخْتَصِمُونَ ) من المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة .أى : أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه ، فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى قسمين : قسم آمن به - وهم الأقلون - ، وقسم كفر به - وهم الأكثرون .وهذه الخصومة بين الفريقين ، قد أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى - : ( قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ).