Tafsir Al Wasit
Waseet
المؤمنون
Al-Mu'minun
118 versets
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ
qui hériteront le Paradis pour y demeurer éternellement
Tafsir Al Wasit — Waseet
وعبر - سبحانه - عن حلولهم فى الجنة بقولهم ( يَرِثُونَ ) للإشعار بأن هذا النعيم الذى نزلوا به ، قد استحقوه بسبب أعمالهم الصالحة ، كما يملك الوارث ما ورثه عن غيره ، ومن المعروف أن ما يملكه الإنسان عن طريق الميراث يعتبر أقوى أسباب الملك .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) وقوله - سبحانه - : ( ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) وحذف مفعول اسم الفاعل الذى هو ( الوارثون ) لدلالة قوله : ( الذين يَرِثُونَ الفردوس ) عليه .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت المؤمنين الصادقين مدحاً عظيماً ووعدتهم بالفوز بأعلى الجنات وأفضلها ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ
Nous avons certes créé l'homme d'un extrait d'argile
Tafsir Al Wasit — Waseet
وبعد الحديث عن صفات المؤمنين المفلحين ، انتقلت السورة إلى الحديث عن أطوار خلق الإنسان ، وأطوار نموه ، ونهاية حياته ، وبعثه للحساب يوم القيامة ، - فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا . . . ) .المراد بالإنسان هنا : آدم - عليه السلام - .والسلالة : اسم لما سُلَّ من الشىء واستُخرج منه . تقول : سللت الشعرة من العجين ، إذا استخرجتها منه . يقال : الولد سلالة أبيه . أى كأنه انسل من ظهر أبيه .والمعنى : ولقد خلقنا أباكم آدم من جزء مستخرج من الطين .والتعبير بسلالة يشعر بالقلة ، إذ لفظ الفعالة يدل على ذلك ، كقلامة الظفر ، ونحاتة الحجر ، وهى ما يتساقط عند النحت .و " من " فى الموضعين : ابتدائية إلا أن الأولى متعلقة " بخلقنا " والثانية متعلقة بسلالة بمعنى مسلولة من الطين .
ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ
puis Nous en fîmes une goutte de sperme dans un reposoir solide
Tafsir Al Wasit — Waseet
والضمير المنصوب فى قوله ( ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ) يعود على النوع الإنسانى المتناسل من آدم - عليه السلام - .وأصل النطفة : الماء الصافى . أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة ، وجمعها نُطف ونِطَاف . يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر ماؤها بقلة .والمراد بها هناك المنى الذى يخرج من الرجل ، ويصب فى رحم المرأة .والمعنى : لقد خلقنا أباكم آدم بقدرتنا من سلالة من طين ، ثم خلقنا ذريته بقدرتنا - أيضاً - من منى يخرج من الرجل فيصب فى قرار مكين ، أى : فى مستقر ثابت ثبوتاً مكيناً ، وهو رحم المرأة .قال القرطبى : " قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ) : الإنسان هو آدم - عليه السلام - لأنه استل من الطين . ويجىء الضمير فى قوله ( ثُمَّ جَعَلْنَاهُ ) عائداً على ابن آدم ، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر ، فإن المعنى لا يصلح إلا له . . . " .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ . . . ) وقوله - سبحانه - : ( أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ).
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ
Ensuite, Nous avons fait du sperme une adhérence; et de l'adhérence Nous avons créé un embryon; puis, de cet embryon Nous avons créé des os et Nous avons revêtu les os de chair. Ensuite, Nous l'avons transformé en une tout autre création. Gloire à Allah le Meilleur des créateurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - أطواراً أخرى لخلق الإنسان تدل على كمال قدرته - - تعالى - فقال : ( ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً ) أى : ثم صيرنا النطفة البيضاء ، علقة حمراء إذ العلقة عبارة عن الدم الجامد .( فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً ) أى : جعلنا بقدرتنا هذه العلقة قطعة من اللحم ، تشبه فى صغرها قطعة اللحم التى يمضغها الإنسان فى فمه .( فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً ) أى : حولنا هذه المضغة من اللحم التى لم تظهر معالمها بعد ، إلى عظم صغير دقيق ، على حب ما اقتضته حكمتنا فى خلقنا .( فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ) أى : فكسونا هذه المضغة التى تحولت بقدرتنا إلى عظام دقيقة باللحم ، بحيث صار هذا اللحم ساتراً للعظام ومحيطاً بها .قال بعض العلماء : " وهنا يقف الإنسان مدهوشاً ، أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة فى تكوين الجنين ، لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيراً ، بعد تقدم علم الأجنة التشريحى " .وذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم وقد ثبت أن خلايا العظام هى التى تكون أولاً من الجنين ، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا الهيكل العظمى للجنين . وهى التى يسجلها النص القرآنى فى قوله - تعالى - ( فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ) فسبحانه العليم الخبير .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) بيان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان .أى : ثم صيرنا هذا الإنسان بشراً سويًّا ، بعد أن كان نطفة ، فعلقة ، فمضغة ، فعظاماً ، فلحماً يكسو هذه العظام ، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله - تعالى - وعلى أنه حق ، إذ قدرته - سبحانه - لا يعجزها شىء .قال صاحب الكشاف : " قوله - تعالى - : ( ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) ، أى : خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها ، حيث جعله حيواناً بعد أن كان جماداً ، وناطقاً وكان أبكم ، وسميعاً وكان أصم وبصيراً وكان أكمه ، وأودع باطنه وظاهره - بل كل عضو من أعضائه بل كل جزء من أجزائه - عجائب فطرته ، وغرائب حكمته ، لا تدرك بوصف الواصف ، ولا تبلغ بشرح الشارح . . . " .( فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ) أى : فكثر خيره - سبحانه - ودام إحسانه وتقدس شأنه ، فهو - عز وجل - أحسن الخالقين على الإطلاق ، فقد أتقن كل شىء خلقه ، وأحكم كل شىء صنعه .ولفظ " تبارك " فعل ماض لا ينصرف ، والأكثر إسناده إلى غير مؤنث .وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير ، أو بمعنى الثبات والدوام وكل شىء دام وثبت فقد برك .
ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ
Et puis, après cela vous mourrez
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن يكونوا خلقاً آخر فقال : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ ) .أى : ثم إنكم بعد ذلك الذى ذكره - سبحانه - لكم من أطوار خلقكم تصيرون أطفالاً ، فصبياناً فغلماناً ، فشباناً ، فكهولاً ، فشيوخاً . . . ثم مصيركم بعد ذلك كله ، أو خلال ذلك كله ، إلى الموت المحتوم الذى لا مفر لكم منه ، ولا مهرب لكم عنه .