Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنبياء
Al-Anbya
112 versets
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ
Et (Nous avons soumis) à Salomon le vent impétueux qui, par son ordre, se dirigea vers la terre que Nous avions bénie. Et Nous sommes à même de tout savoir
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) .وقوله : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح ) معطوف على معمول " سخرنا " فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ ) و " عاصفة " حال من الريح .أى : وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى : شديدة الهبوب ، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير .يقال : عصفت الريح تعصف إذا اشتدت ، فهى عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن .وقوله - تعالى - : ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) أى : جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التى باركنا فيها وهى أرض الشام . وقيل : يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام .ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة ، وفى آية أخرى بأنها رخاء قال - تعالى - : ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ) لأنها تارة تكون عاصفة ، وتارة تكون لينة رخاء . على حسب ما تقتضيه حكمته - سبحانه - .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت : وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى ، فما التوفيق بينهما؟قلت : كانت فى نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به فى مدة يسيرة ، على ما قال : " غدوها شهر ورواحها شهر " فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء فى نفسها وعاصفة فى عملها ، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد " .وقال - سبحانه - هنا : ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) أى تجرى بأمره إلى تلك الأرض فى حال إيابه ورجوعه إليها ، حيث مقر مملكته ومسكنه . فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها فى حال عودته إلى مملكته .أما الآية الأخرى التى تقول : ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ) أى : حيث أراد لها أن تجرى ، فالمقصود منها الإخبار عن جربها بإذنه فى غير حال عودته إلى مملكته ، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين ، إذ الجهة فيهما منفكة .وقوله - تعالى - : ( وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) أى : وكنا بكل شىء يجرى فى هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا .فإنه علم محدود بما نشاؤه ونقدره .فالجملة الكريمة بيان لإحاطة علم الله - تعالى - بكل شىء ، والتنبيه بأن ما أعطاه الله - تعالى - لسليمان ، إنما كان بإرادته - سبحانه - وعلمه .
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ
et parmi les diables il en était qui plongeaient pour lui et faisaient d'autres travaux encore, et Nous les surveillions Nous-mêmes
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - سبحانه - : ( وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك ) بيان لمنة أخرى من المنن الكثيرة التى امتن بها - سبحانه - على عبده ونبيه سليمان .ويغوصون من الغوص وهو النزول تحت الماء ، ومنه الغواص الذى ينزل تحت الماء لاستخراج الجواهر وغيرها .وقوله : ( مَن يَغُوصُونَ لَهُ ) فى محل نصب عطفا على معمول ( سَخَّرْنَا ) ، السابق .أى : وسخرنا - أيضا - لسليمان من يغوص له ، أى : لأجله ، من الشياطين ، فينزلون تحت مياه البحار ليستخرجوا له منها الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان .وفى التعبير بقوله : ( لَهُ ) إشعار بأن غوصهم لم يكن لمنفعة أنفسهم أو باختيارهم ، وإنما هم كانوا يغوصون من أجل مصلحة سليمان - عليه السلام - وبأمره .وقوله : ( وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك ) أى : لم تكن مهمتهم الغوص فقط وإنما كان سليمان يسخرهم ويكلفهم بأعمال أخرى كثيرة كبناء المدائن والقصور وصنع التماثيل والمحاريب . . . كما قال - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كالجواب وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) فاسم الإشارة فى قوله ( وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك ) يعود إلى الغوص أى : ويعملون له عملا كثيرا سوى ذلك الغوص .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) أى : وكنا لهؤلاء الشياطين حافظين من أن يخرجوا عن طاعته . أو أن يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون له .وتلك نعمة كبرى لسليمان - عليه السلام - حيث جعل - سبحانه - الشياطين لا يستطيعون أن يزيغوا عن أمره .هذا وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآيات قصصا متعددة منها قصة بساط الريح الذى قيل إن سليمان كان يجلس عليه هو وجنده ، فيطير بهم إلى الشام فى وقت قصير ، ومنها صفة حمل الريح له وصفة جنوده من الجن والإنس والطير .وقد رأينا عدم ذكر ذلك هنا ، لأنه لم يرد ما يؤيده من الآثار الصحيحة .
۞وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ
Et Job, quand il implora son Seigneur: «Le mal m'a touché. Mais Toi, tu es le plus miséricordieux des miséricordieux»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ساق - سبحانه - جانباً من قصة أيوب - عليه السلام - وهى قصة تمثل الابتلاء بالضر فى اشد صوره . قال - تعالى - : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى . . . ) .قال ابن كثير : " يذكر الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام - ما كان قد أصابه من البلاء فى ماله وولده وجسده ، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شىء كثير ، وأولاد كثيرون ، ومنازل مرضية . فابتلى فى ذلك كله ، وذهب عن آخره ، ثم ابتلى فى جسده . . ولم يبقى من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته . . . وقد كان نبى الله أيوب غاية فى الصبر ، وبه يضرب المثل فى ذلك .وقال الآلوسى : وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق . وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت بعثته قبل موسى وهارون . وقيل : بعد شعيب ، وقيل : بعد سليمان . . " .والضر - بالفتح - يطلق على كل ضرر - وبالضم - خاص بما يصيب الإنسان فى نفسه من مرض وأذى وما يشبههما .والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - عبدنا أيوب - عليه السلام - وقت أن نادى ربه ، وتضرع إليه بقوله : يا رب أنى أصابنى ما أصابنى من الضر والتعب ، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها .فأنت ترى أن أيوب - عليه السلام - لم يزد فى تضرعه عن وصف حاله ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضر ) ووصف خالقه - تعالى - بأعظم صفات الرحمة دون أن يقترح شيئا أو يطلب شيئا ، وهذا من الأدب السامى الذى سلكه الأنبياء مع خالقهم - عز وجل - .قال صاحب الكشاف : " ألفط - أيوب - فى السؤال ، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، وذكر ربه بغاية الرحمة ، ولم يصرح بالمطلوب . ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت : يا أمير المؤمنين ، مشت جرذان - أى فئران - بيتى على العصى!! فقال لها : ألطفت من السؤال ، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا . . . " .وبعد أن دعا أيوب ربه - تعالى - بهذه الثقة ، وبهذا الأدب والإخلاص ، كانت الإجابة المتمثلة
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ
Nous l'exauçâmes, enlevâmes le mal qu'il avait, lui rendîmes les siens et autant qu'eux avec eux, par miséricorde de Notre part et en tant que rappel aux adorateurs
Tafsir Al Wasit — Waseet
فى قوله - تعالى - : ( فاستجبنا لَهُ ) أى دعاءه وتضرعه ( فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ) أى : فأنزلنا ما نزل به من بلاء فى جسده ، وجعلناه سليما معافى . بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل ، فنبعت له عين فاغتسل منها ، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله - تعالى - .قال - سبحانه - : ( واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . . ) وقال - تعالى - : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) أى : لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا ، بل استجبنا له دعاءه ، بفضلنا وكرمنا ، فأزلنا عنه المرض الذى نزل به ، ولم نكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من أولاده ، ورزقناه مثلهم معهم .قال الآلوسى ما ملخصه : " قوله : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال : سالت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) فقال : " رد الله - تعالى - امرأته إليه ، وزاد فى شبابها ، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا " .فالمعنى على هذا : آتيناه فى الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر .وعن قتادة : إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا فى بلائه ، وأوتى مثلهم فى الدنيا . . .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله - تعالى - : ( رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى لِلْعَابِدِينَ ) أى : أجبنا له دعاءه ، وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان الخيرات ، من أجل رحمتنا به ، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكر لغيره من العابدين حتى يقتدوا به فى صبره على البلاء ، وفى المداومة على شكرنا فى السراء والضراء .وخص - سبحانه - العابدين بالذكرى ، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحانا . ففى الحديث الشريف : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " .وفى حديث آخر : " يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه " .وقد كان أيوب آية فى الصبر ، وبه يضرب المثل فى ذلك .هذا ، وقصة أيوب - عليه السلام - ستأتى بصورة أكثر تفصيلا فى سورة " ص " ، وقد تركنا هنا أقوالا عن كيفية مرضه ، وعم مدة هذا المرض . . . نظرا لضعفها ، ومنافاتها لعصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الأمراض المنفرة .
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ
Et Ismaël, Idris, et Dûl-Kifl! qui étaient tous endurants
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أشارت السورة إشارات مجملة إلى قصة كل من إسماعيل وإدريس وذىالكفل ، قال - تعالى - : ( وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ . . . ) .وإسماعيل : هو الابن الأكبر لإبراهيم - عليهما السلام - وهو الذبيح الذى افتداه الله - تعالى - بذبح عظيم .وإدريس : هو واحد من أنبياء الله - تعالى - ، قالوا : وهو جد نوح - عليه السلام - وأنه ولد فى حياة آدم ، وبعث بعد موته .أما ذو الكفل : فقد قال الآلوسى فى شأنه ما ملخصه : ظاهر نظم ذى الكفل فى سلك الأنبياء أنه منهم ، وهذا ما ذهب إليه الأكثر . واختلف فى اسمه : فقيل : بشر وهو ابن أيوب ، بعثه الله - تعالى - بعد أبيه ، وكان مقيما بالشام .وقيل : هو إلياس بن ياسين وينتهى نسبه إلى هارون - عليه السلام - .وقيل : هو زكريا والد يحيى - عليهما السلام - وسمى بذلك لكفالته مريم .وقيل : لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا . . . " .ثم مدح - سبحانه - هؤلاء الأنبياء فقال : ( كُلٌّ مِّنَ الصابرين ) أى : كل واحد منهم من عبادنا الصابرين الذين تحملوا فى سبيلنا الكثير من المصاعب والآلام .