Tafsir Al Wasit
Waseet
الأنبياء
Al-Anbya
112 versets
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ
[L'échéance] du règlement de leur compte approche pour les hommes, alors que dans leur insouciance ils s'en détournent
Tafsir Al Wasit — Waseet
قوله - سبحانه - : ( اقترب ) من القرب الذى هو ضد البعد .والمعنى : قرب الزمن الذى يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا ، والحال أن الكافرين منهم فى غفلة تامة عن هذا الحساب ، وفى إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح .قال الإمام ابن كثير : هذا تنبيه من الله - عز وجل - على اقتراب الساعة ودنوها ، وأن الناس فى غفلة عنها ، أى لا يعملون لها ، ولا يستعدون من أجلها .قال - تعالى - : ( أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ . . . ) وقال : ( اقتربت الساعة وانشق القمر وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا ، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، قريب الوقوع ، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا فى عرف الناس ، إلا أنه عند الله - تعالى - قليل ، كما قال - سبحانه - : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) وقال - تعالى - : ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ) وقال - تعالى - : ( اقترب لِلنَّاسِ . . . ) بلفظ العموم ، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون ، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا .قال صاحب الكشاف : وصفهم بالغفلة مع الإعراض ، على معنى : أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون فى عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم ، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء . وإذا قرعت لهم العصا ، ونبهوا عن سنة الغفلة ، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا .وفى التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب ، زيادة فى الترهيب والتخويف ، وفىالحض على الاستعداد لهذاليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا حسابا دقيقا ، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا ، وإ ، ما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله .
مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ
Aucun rappel [de révélation] récente ne leur vient de leur Seigneur, sans qu'ils ne l'entendent en s'amusant
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - سبحانه - : ( مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) بيان لمواقف هؤلاء الغافلين اللاهين ممن يذكرهم بأهوال ذلك اليوم .والمراد بالذكر : ما ينزل من آيات القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - .والمراد بالمحدث : الحديث العهد بالنزول على النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو صفة لذكر .أى : أن هؤلاء الغافلين المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب ، لا يصل إلى أسماعهم شىء من القرآن الكريم ، الذى أنزله الله - تعالى - على قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم - آية فآية ، أو سورة بعد سورة فى أوقات متقاربة ، إلا استمعوا إلى هذا القرآن المحدث تنزيله على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يلعبون ، دون أن يحرك منهم عاطفة نحو الإيمان به ، فهم لانطماس بصيرتهم ، وقسوة قلوبهم ، وجحود نفوسهم للحق ، لا يتعظون ولا يعتبرون .وقوله : ( مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ . . . ) يشعر بأن ما نزل من قرآن قد وصل إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم فى الحصول عليه ، بل أتاهم وهم فى أماكنهم بدون سعى إليه .وقوله ( ذِكْرٍ ) فاعل و ( مِّن ) مزيدة للتأكيد .وقوله ( مِّن رَّبِّهِمْ ) متعلق بمحذوف صفة لذكر ، و ( مِّن ) لابتداء الغاية أى : ما يأتيهم من ذكر كائن من ربهم وخالقهم ورازقهم ، فى حال من الأحوال ، إلا استمعوه وهم هازلون مستهترون .
لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ
leurs cœurs distraits; et les injustes tiennent des conversations secrètes et disent: «Ce n'est là qu'un être humain semblable à vous? Allez-vous donc vous adonner à la magie alors que vous voyez clair?»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله : ( لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) حال أخرى من أحوالهم الغريبة التى تدل على نهاية طغيانهم وفجورهم ، لأنهم بجانب استماعهم إلى ما ينزل من القرآن بلعب وغفلة ، تستقبله قلوبهم - التى هى محل التدبر والتفكر - بلهو واستخفاف .ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان مكرهم وخبثهم فقال : ( وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ) والنجوى : المسارة بالحديث ، وإخفاؤه عن الناس .أى : بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار ، اختلى بعضهم ببعض ، وبالغوا فى إخفاء ما يضمرونه من سوء نحو النبى - صلى الله عليه وسلم - ونحو ما جاء به من عند الله - تعالى - ، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب ، مبالغة منهم فى المرك السيىء الذى حاق بهم .وقوله - سبحانه - : ( هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ) بيان لما قالوه فى تناجيهم من سوء .والاستفهام للنفى والإنكار .أى : أنهم قالوا فى تناجيهم : ما هذا الذى يدعى النبوة ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا بشر مثلكم ، ولا يمكن أن يكون رسولا ، وما جاءنا به إنما هو السحر بعينه ، فكيف تذهبون إليه ، وتقبلون منه ما يدعيه ، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره .وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توهمهم أن الرسول لا يكون من البشر ، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق ، إنما هو من قبيل السحر .قال الآلوسى : وأرادوا بقولهم : " ما هذا إلا بشر مثلكم " أى : من جنسكم ، وما أتى به سحر ، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر . قالوا ذلك بناء على ما ارتكز فى اعتقادهم الزائع أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر . وعنوا بالسحر . هنا القرآن الكريم ، ففى ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه ، قاتلهم الله - تعالى - : أنَّى يؤفكون . وإنما أسروا ذلك ، لأنه كان على طريق توثيق العهد ، وترتيب مبادئ الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد فى هدم أمر النبوة .وإطفاء نور الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون .هذا ، ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا ، قد حكاها القرآن فى كثير من آياته ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى . . . ) ثم
قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ
Il a répondu: «Mon Seigneur sait tout ce qui se dit au ciel et sur la terre; et Il est l'Audient, l'Omniscient»
Tafsir Al Wasit — Waseet
حكى - سبحانه - بعد ذلك ما لقنه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من الرد عليهم ، فقال : ( قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول فِي السمآء والأرض وَهُوَ السميع العليم ) .أى : قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى الرد على ما تناجوا به سرا : ربى الذى أرسلنى لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . يعلم ما تقولونه سواء كان سرا أم جهرا ، وسواء أكان القائل موجودا فى السماء أم فى الأرض ، وهو وحده السميع لجميع ما يسمع ، العليم بكل شىء فى هذا الكون .وما دام المر كذلك فأنا سأمضى فى طريقى مبلغا رسالته - سبحانه - ، أما أنتم فسترون سوء عاقبتكم إذا ما سرتم فى طريق الكفر والعناد .وفى قراءة سبعية بلفظ ( قل ) على الأمر للنبى - صلى الله عليه وسلم - .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم .
بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ
Mais ils dirent: «Voilà plutôt un amas de rêves! Ou bien Il l'a inventé. Ou, c'est plutôt un poète. Qu'il nous apporte donc un signe [identique] à celui dont furent chargés les premiers envoyés»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله - تعالى - : ( بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ) إضراب من جهته - تعالى - ، وانتقال من حكاية قولهم السابق ( هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ . . . ) إلى حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها فى شأنه - صلى الله عليه وسلم - وفى شأن ما جاء به .أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بما قالوه قبل ذلك فى شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أنه بشر وما وجاء به سحر ، بل أضافوا إلى ذلك أن القرآن أضغاث أحلام . أى : أخلاط كأخلاط الأحلام ، وأنه أباطيل لا حقيقة لها .والأضغاث : جمع ضغث . واصله ما جمع من أنواع شتى من النبات ثم حزم فى حزمة واحدة .والأحلام : جمع حلم - بضم الحاء وسكون اللام - وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن .وقد استعير هذا التركيب لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال نومه ( بَلِ افتراه ) أى : اختلق هذا القرآن من عند نفسه .( بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ) أى : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاعر - فى زعمهم - وما أتى به هو نوع من الشعر التخييلى الذى لا حقيقة له .ثم أضافوا إلى هذا التخبط واضطراب قولهم : ( فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون ) .ومرادهم بالآية هنا : آية كونية ، والجملة جواب لشرط محذوف يفصح عنه السياق ، والتقدير : إن لم يكن كما قلنا فى شأنه من أنه شارع بل كان رسولا حقا فليأتنا بخارق يدل على صدقه كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء عيسى للأموات .. . . فإن المرسلين السابقين فعلوا ذلك .وكأنهم - لانطماس بصائرهم وشدة جهالاتهم - لا يعتبرون القرآن الذى هو آية الآيات - لا يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه - صلى الله عليه وسلم - .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد صورت تخبط هؤلاء المشركين تصويراً حكيما ، شأنهم فى ذلك شأن الحائر المضطرب الذى لا يستطيع الثبات على قرار ، بل هو لتمحله وتعلله ينتقل من دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلانا .وقد نفى القرآن عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل هذه الدعاوى الباطلة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين ) وقوله - سبحانه - ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين ).