Tafsirs/Tafsir Al Wasit/An-Nahl
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

النحل

An-Nahl

128 versets

Versets 6670 sur 128Page 14 / 26
66S16V66

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ

Il y a certes un enseignement pour vous dans les bestiaux: Nous vous abreuvons de ce qui est dans leurs ventres, - [un produit] extrait du [mélange] des excréments [intestinaux] et du sang - un lait pur, délicieux pour les buveurs

Tafsir Al WasitWaseet

ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته ، وعظيم قدرته وعجيب صنعه ، وسعة رحمته ، حيث خلق للناس الأنعام ، وسقاهم من ألبانها ، فقال - تعالى - : ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً . . . ) .والأنعام : تطلق على الإِبل والبقر والغنم من الحيوان ، ويدخل فى الغنم المعز .والعبرة : مصدر بمعنى العبور ، أى : التجاوز من محل إلى آخر ، والمراد بها هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى اليقظة .أى : وإن لكم - أيها الناس - فى خلق الأنعام ، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ومداومة الشكر له على نعمه . فالتنكير فى قوله ( لعبرة ) للتفخيم والتهويل .وقوله - تعالى - : ( نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ) استئناف بيانى ، كأنه قيل : وما وجه العبرة فى الأنعام؟ فكان الجواب : نسقيكم مما فى بطونه .قال الآلوسى : " والضمير فى ( بطونه ) يعود للأنعام ، وهو اسم جمع ، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار معناه . . . " .وقوله - سبحانه - : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ) بيان لموطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ورحمته .والفرث : الطعام المتبقى فى أمعاء الحيوان بعد هضمه . وأصل الفرث : التفتيت . يقال فرثت كبده . أى : فتتتها .قال الجمل ما ملخصه : " والفرث : الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام فى الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا . وقوله ( لبنا ) مفعول ثان لنسقيكم ، والأول هو الكاف " .والخالص : النقى الصافى الخالى من الشوائب والأكدار . يقال خلص الشئ من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه .والسائغ : اللذيذ الطعم ، السهل المدخل إلى الحلق . يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا ، من باب قال - إذا سهل مدخله فى الحلق .أى : نسقيكم من بين الفرث والدم الذى اشتملت عليه بطون الأنعام ، ( لبنا ) نافعا لأبدانكم ( خالصا ) من رائحة الفرث ، ومن لون الدم ، مع أنه موجود بينهما ( سائغا للشاربين ) بحيث يمر فى الحلوق بسهولة ويسر ، ويشعر شاربه بلذة وارتياح .وقدم - سبحانه - قوله : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) على قوله ( لبنا ) ، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة ، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) أى : يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله - تعالى - ، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله . . . فسبحان الله ما أعظم قدرته ، وألطف حكمته ، لمن تفكر وتأمل . وسئل " شقيق " عن الإِخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم .ثم قال - رحمه الله - : فإن قلت : أى فرق بين " من " الأولى والثانية؟ .قلت : الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما فى بطونها . . . والثانية لابتداء الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإِسقاء الذى منه يبتدأ . . .وإنما قدم قوله : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتقديم .وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية : " ومن تدبر فى بدائع صنع الله - تعالى - فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها ، والأسباب المولدة لها ، وتسخير القوى المتصرفة فيها . . . اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته ، وحكمته ، وتناهى رأفته ورحمته :حكم حارت البرية فيها ... وحقيق بأنها تحتاروالحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته ، وعجيب صنعته ، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم فى بطون الأنعام ، لبنا خالصا سائغا للشاربين .وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله . . كلاما يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين .هذا ، وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله - تعالى - على خلقه .قال القرطبى ما ملخصه : " روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب ، ثم قال : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل ، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ليس شئ يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن " " .ثم قال الإِمام القرطبى : قال علماؤنا : فكيف لا يكون كذلك ، وهو أول ما يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان ، فهو قوت به قوام الأجسام ، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ، ففى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن . فقال لى جبريل : اخترت الفطرة . . . " .

67S16V67

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ

Des fruits des palmiers et des vignes, vous retirez une boisson enivrante et un aliment excellent. Il y a vraiment là un signe pour des gens qui raisonnent

Tafsir Al WasitWaseet

ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التى لا تحصى ، وهى نعمة ثمرات النخيل والأعناب ، فقال - تعالى - : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . . ) .قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب . . ) خبر مقدم ، ومن تبعيضية ، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر ، وقوله ( تتخذون ) نعت لهذا المبتدأ المحذوف ، أى : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا .ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف ، والتقدير : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أى : من عصيرهما ، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، وقوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) بيان وكشف عن كيفية الإِسقاء .والضمير فى قوله ( منه ) يعود على المضاف المحذوف الذى هو العصير ، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر .والسكر - بفتح السين والكاف - اسم من أسماء الخمر ، يقال : سكر فلان - بوزن فرح - يسكر سكرا ، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر - بفتح السين وكسر الكاف - .وأما الرزق الحسن ، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله - تعالى - من ثمارها .وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف .قال الآلوسى ما ملخصه : والسكر : الخمر . قال الأخطل : .بئس الصُّحاة وبئس الشَّرب شَربُهم ... إذا جرى فيهم المزَّاءُ والسَّكَروالمزاء : نوع من الأشربة . والسكر ما يسكر وهو الخمر .وفسروا الرزق الحسن . بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك .ثم قال : وتفسير " السَّكَر " بالخمر ، هو المروى عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وابى رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبى . . والنخعى . . مع خلق آخرين . . .وعلى هذا التفسير الذى قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن ، ويكون العطف للتغايرومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل ، أو للعصير غير المسكر ، أو لما لا يسكر من الأنبذة ، وقد بسط الإِمام القرطبى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - ( سكرا ) السكر ما يسكر ، هذا هو المشهور فى اللغة .

68S16V68

وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ

[Et voilà] ce que ton Seigneur révéla aux abeilles: «Prenez des demeures dans les montagnes, les arbres, et les treillages que [les hommes] font

Tafsir Al WasitWaseet

وقوله - سبحانه - : ( وأوحى ) من الوحى ، وهو هنا بمعنى الإِلهام ، وهو - كما يقول القرطبى - ما يخلقه الله - تعالى - فى القلب ابتداء من غير سبب ظاهر . ومنه قوله - تعالى - : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها ، وترك ما يضرها ، وتدبير معاشها . . .وقال صاحب الكشاف : والإِيحاء إلى النحل : إلهامها والقذف فى قلوبها على وجه هو أعلم به ، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه ، وإلا فتأنقها فى صنعتها ولطفها فى تدبير أمرها ، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله - تعالى - أودعها علما بذلك وفطنها ، كما أودع أولى العقول عقولهم . . .والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة الإِسلامية .والنحل : اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء ، ويطلق على الذكر والأنثى ، وسمى بذلك لأن الله - تعالى - نحله أى منحه العسل الذى يخرج منه .وقوله - سبحانه - : ( أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) بيان لما ألهمه الله النحل من أوامر . ولما كلفها به من أعمال .و " أن " مفسرة لأن الإِيحاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها لا محل له من الإِعراب ، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها فى محل نصب على تقدير الجار . أى : بأن اتخذى .والمعنى : وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال بيوتا تسكن فيها ، وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من السقوف وغيرها .يقال : عرش الشئ يعرشه - بكسر الراء وضمها - إذا رفعه عن الأرض ، ومنه العريش الذى صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر لمشاهدة سير المعركة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى " من " فى قوله ( أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) ؟ وهلا قيل فى الجبال وفى الشجر؟ .قلت : أريد معنى البعضية ، وأن لاتبنى بيوتها فى كل جبل ، وكل شجر ، وكل ما يعرش ، ولا فى كل مكان منها .

69S16V69

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ

Puis mangez de toute espèce de fruits, et suivez les sentiers de votre Seigneur, rendus faciles pour vous. De leur ventre, sort une liqueur, aux couleurs variées, dans laquelle il y a une guérison pour les gens. Il y a vraiment là une preuve pour des gens qui réfléchissent

Tafsir Al WasitWaseet

وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله : " ويتزين هذا المعنى الذى نبه عليه الزمخشرى فى تبعيض " من " المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل ، كأنه - تعالى - وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه ، وإن حجر عليها فى البيوت ، وأمرت باتخاذها فى بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل على الإِطلاق باستمرار مشتهاها منه ، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها فى كل موضع . ولهذا المعنى دخلت ثم فى قوله ( ثم كلى . . . ) لتفاوت الأمر بين الحجر عليها فى اتخاذ البيوت ، والإِطلاق لها فى تناول الثمرات ، كما تقول : راع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شئ شئت .فتوسط ثم لتفاوت . الحجر والإِطلاق فسبحان اللطيف الخبير " .وقوله : ( ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً . . ) بيان للون آخر من الإِلهامات التى ألهمها الله - تعالى - إياها .والسبل : جمع سبيل . والمراد بها الطرق التى تسلكها النحلة فى خروجها من بيتها وفى رجوعها إليه وأضاف - سبحانه - السبل إليه ، لأنه هو خالقها وموجدها .وذللا : جمع ذلول وهو الشئ الممهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أى : فاسلكى سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر فى سلوكها عليك ، وإن كانت صعبة بالنسبة لغيرك .قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ، ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها .وقيل إن ( ذللا ) حال من النحلة أى : ثم كلى من كل الثمرات ، فاسلكى سبل ربك ، حالة كونك منقادة لما يراد منك ، مطيعة لما سخرك الله له من أمور تدل على قدرته وحكمته - سبحانه - .وقوله - تعالى - : ( يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب الناس ، تعديدا للنعم ، وتعجيبا لكل سامع ، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وعجيب صنعه فى خلقه .أى : يخرج من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها - شراب هو العسل ، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل ، على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها ، وغير ذلك بما اقتضته حكمته - سبحانه - .والضمير فى قوله - تعالى - : ( فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) يعود على الشراب المستخرج من بطونها وهو العسل .أى : فى العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم .وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير : فيما قصصنا عليكم فى هذا القرآن الشفاء للناس .وهذا القيل وإن كان صحيحا فى ذاته ، إلا أن السياق لا يدل عليه ، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل وهو العسل ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ، ومخالفة المرجع الواضح .قال الإِمام ابن كثير : والدليل على أن المراد بقوله ( فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) هو العسل ، الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - ، " أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أخى استطلق بطنه فقال : " اسقه عسلا " ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . قال : " اذهب فاسقه عسلا " . فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صدق الله وكذب بطن أخيك . اذهب فاسقه عسلا " فذهب فسقاه عسلا فبرئ " .ثم ساق الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه البخارى عن ابن عباس قال : " الشفاء فى ثلاثة : فى شرطة محجم أو شربة عسل أوكية بنار ، وأنهى أمتى عن الكى " .وروى البخارى - أيضا - عن جابر بن عبد الله قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن كان فى شئ من أدويتكم - أو يكون فى شئ من أدويتكم - خير : ففى شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار ، توافق الداء ، وما أحب أن أكتوى " .وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذى جعله الله فى العسل عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض .فقال طائفة : هو على العموم فى كل حال ولكل أحد .وقالت طائفة : أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضى العموم فى كل علة وفى كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص فى القرآن فالقرآن مملوء منه ، ولغة العربى يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام .ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة فى سياق الإِثبات فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان . ومحققى أهل الأصول . وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض ، أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم .ثم قال : قلت : وحديث البخارى : أن أخى استطلق بطنه . . أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم " صدق الله " أى : أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا .والذى نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور فيه شفاء للناس ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، وكما أرشد إلى ذلك النبى صلى الله عليه وسلم .وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله - تعالى - وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا فى هذا المجال ، إصرار النبى صلى الله عليه وسلم على أن يقول للرجل الذى استطلق بطن أخيه أكثر من مرة ، " اذهب فاسقه عسلا " .وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ، وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد .ثم ختم - سبحانه - : الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أمر النحل؛ من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة ، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية ، ومن سلوكها الطرق التى جعلها الله مذللة فى ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج العسل من بطونها .

70S16V70

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ

Allah vous a créés! Puis Il vous fera mourir. Tel parmi vous sera reconduit jusqu'à l'âge le plus vil, de sorte qu'après avoir su, il arrive à ne plus rien savoir. Allah est, certes, Omniscient et Omnipotent

Tafsir Al WasitWaseet

قال الإِمام الرازى - رحمه الله - : " لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، ومنها ما هو مذكور فى هذه الآية : ( والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ) - وهو إشارة إلى مراتب عمر الإِنسان . والعقلاء ضبطوها فى أربع مراتب : أولها : سن النشوء والنماء ، وثانيها : سن الوقوف وهو سن الشباب ، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة - ، وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة - وهو من الأربعين إلى الستين - ورابعها : سن الانحطاط الكبير - وهو سن الشيخوخة - وهو من الستين إلى نهاية العمر - " .والمعنى : ( والله ) - تعالى - هو الذى ( خلقكم ) بقدرته ، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا ." ثم " هو وحده الذى ( يتوفاكم ) وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم .وقوله ( وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر . . ) معطوف على مقدر . أى : والله - تعالى - هو الذى خلقكم ، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .والمراد بأرذل العمر : أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم والشيخوخة ، الذى تنقص فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها .يقال : رَذُلَ الشئ يَرْذُل - بضم الذال فيهما - رذالة . . إذا ذهب جيده وبقى رديئه .وقوله : ( لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) تعليل للرد إلى أرذل العمر .أى : فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس فى هذه الحياة إلى سن الشيخوخة لكى يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته فى عدم إدراك الأمور إدراكا تاما وسليما .ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة . أى : ليصير أمره بعد العلم بالأشياء ، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا .ولقد استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من أن يصل عمره إلى هذه السن ، لأنها سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب . وقد يصير الإِنسان فيها عالة على غيره . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير ) قال الإِمام ابن كثير : روى البخارى عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : " اللهم إنى أعوذ بك من البخل ، والكسل ، والهرم ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " .وقال زهير بن أبى سلمى فى معلقته المشهورة :سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأمرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ، ومن تخطئ يعمر فيهرمثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه ، وتمام قدرته ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) أى : إن الله - تعالى - عليم بأحوال مخلوقاته ، لايخفى عليه شئ من تصرفاتهم ( قدير ) على تبديل الأمور كما تقتضى حكمته وإرادته .ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق ، لأن الله - تعالى - القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال . . قادر - أيضا - على إحيائه بعد موته .