Tafsir Al Wasit
Waseet
الحجر
Al-Hijr
99 versets
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ
Et pas un Messager ne leur est venu sans qu'ils s'en soient moqués
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تعزية وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من سفهاء قومه ، فأخبره بأن ما أصابه منهم يشبه ما فعله المكذبون السابقون مع رسلهم ، فقال - تعالى - ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأولين وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ) .قال الجمل : " لما أساءوا فى الأدب ، وخاطبوه صلى الله عليه وسلم خطاب السفاهة ، حيث قالوا له : ( إنك لمجنون ) ، سلاّه الله فقال له : إن عادة الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا ، وكانوا يصبرون على أذى الجهال . ويستمرون على الدعوة والإِنذار ، فاقتد أنت بهم فى ذلك . . . " .والشيع جمع شيعة وهى الطائفة من الناس المتفقة على طريقة ومذهب واحد ، من شاعه إذا تبعه ، وأصله - كما يقول القرطبى - مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار .والمعنى : ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسلاً كثيرين ، فى طوائف الأمم الأولين ، فدعا الرسل أقوامهم إلى ما دعوت إليه أنت قومك من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ، فما كان من أولئك المدعوين السابقين إلا إن قابلت كل فرقة منهم رسولها بالسخرية والاستهزاء ، كما قابلك سفهاء قومك .وذلك لأن المكذبين فى كل زمان ومكان يتشابهون فى الطباع الذميمة ، وفى الأخلاق القبيحة : كمال قال - تعالى - ( كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) والجار والمجرور ( من قبلك ) متعلق بأرسلنا ، أو بمحذوف وقع نعتا لمفعوله المحذوف . أى : ولقد أرسلنا رسلاً كائنة من قبلك .وإضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند بعض النحاة ، أو من حذف الموصوف عند البعض الآخر ، أى شيع الأمم الأولين .وعبر بقوله - سبحانه - ( إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) للإِشعار بأن الاستهزاء بالرسل كان طبيعة فيهم - كما يومئ إليه لفظ كان ، وأنه متكرر منهم - كما يفيده التعبير بالفعل المضارع -
كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ
C'est ainsi que Nous faisons pénétrer (la mécréance) dans les cœurs des coupables
Tafsir Al Wasit — Waseet
والكاف فى قوله ( كذلك نسلكه . . ) للتشبيه ، واسم الإِشارة ( ذلك ) يعود إلى السلك المأخوذ من نسلكه .والسلك مصدر سلك - من باب نصر - وهو إدخال الشئ فى الشئ ، كإدخال الخيط فى المخيط .والضمير المنصوب فى ( نسلكه ) يعود إلى القرآن الكريم الذى سبق الحديث عنه .والمراد بالمجرمين فى قوله ( فِي قُلُوبِ المجرمين ) مشركو قريش ومن لف لفهم .والمعنى : كما سلكنا كتب الرسل السابقين فى قلوب أولئك المستهزئين نسلك القرآن فى قلوب هؤلاء المجرمين من قومك يا محمد ، بأن نجعلهم يسمعونه ويفهمونه ويدركون خصائصه دون أن يستقر فى قلوبهم استقرار تصديق وإذعان لاستيلاء الجحود والعناد والحسد عليهم .وقوله ( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) بيان للسلك المشبه به ، أو حال من المجرمين .أى : أدخلنا القرآن فى قلوبهم ففهموه ، ولكنهم لا يؤمنون به عناداً وجحوداً .وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى ( نسلكه ) وفى ( به ) يعودان إلى القرآن الكريم ، الذى سبق الحديث عنه فى قوله - تعالى - ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .ومن المفسرين الذين ذكروا هذا الوجه ولم يذكروا سواه صاحب الكشاف ، فقد قال : " والضمير فى قوله ( نسلكه ) ، للذكر : أى : مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر ( فِي قُلُوبِ المجرمين ) على معنى أن يلقيه فى قلوبهم مكذباً مستهزئاً به غير مقبول ، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها : فقلت : كذلك أنزلها باللئام : تعنى مثل هذا الإِنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية .ومحل قوله ( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) النصب على الحال ، أى : غير مؤمن به . أو هو بيان لقوله ( كذلك نسلكه . . ) .وقد زكى هذا الوجه صاحب الانتصاف فقال : والمراد - والله أعلم - إقامة الحجة على المكذبين ، بأن الله - تعالى - سلك القرآن فى قلوبهم ، وأدخله فى سويدائها ، كما سلك ذلك فى قلوب المؤمنين المصدقين ، فكذب به هؤلاء ، وصدق به هؤلاء ، كل على علم وفهم ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ . . . ) ولئلا يكون للكفار حجة بأنهم ما فهموا وجوه الإِعجاز كما فهمها من آمن . . . " .ويرى بعض المفسرين - كالإِمام ابن جرير - أن الضمير فى نسلكه يعود إلى الكفر الذى سلكه الله فى قلوب المكذبين السابقين ، أما الضمير فى ( به ) فيعود إلى القرآن الكريم ، فقد قال : قوله - تعالى - ( كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . . . )يعنى : كما سلكنا الكفر فى قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل ، كذلك نفعل ذلك فى قلوب مشركى قومك الذين أجرموا بسبب الكفر بالله .( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) يقول : لا يصدقون بالذكر الذى أنزل إليك .ومع أن هذا التفسير الذى ارتضاه شيخ المفسرين ابن جرير له وجاهته ، إلا أننا نميل إلى التفسير الأول الذى ارتضاه صاحب الكشاف ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية ، ومن المفسرين الذين رجحوا ذلك الفخر الرازى ، فقد قال - رحمه الله - خلال كلام طويل ما ملخصه : " التأويل الصحيح أن الضمير فى قوله - تعالى - ( كذلك نسلكه ) عائد إلى الذكر ، الذى هو القرآن ، فإنه - تعالى - قال قبل هذه الآية ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ) وقال بعده ( كذلك نسلكه ) أى : هكذا نسلك القرآن فى قلوب المجرمين .والمراد من هذا السلك ، هو أنه - تعالى - يسمعهم هذا القرآن ، ويخلق فى قلوبهم حفظه والعلم بمعانيه . إلا أنهم مع هذه الأحوال لا يؤمنون به عناداً وجهلاً . .
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ
Ils ne croiront pas en lui [le Messager ou le Coran] bien que se soit accompli le sort traditionnel des anciens
Tafsir Al Wasit — Waseet
ويدل على صحة هذا التأويل ، أن الضمير فى قوله ( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) عائد على القرآن بالإِجماع ، فوجب أن يكون الضمير فى ( نسلكه ) عائداً إليه - أيضاً - لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شئ واحد . . . .وقوله - سبحانه - ( وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ) تهديد لهؤلاء المكذبين من كفار مكة ومن سار على شاكلتهم ، وتكملة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .أى : وقد مضت سنة الله التى لا تتخلف وطريقته المألوفة بأن ينزل عذابه بالمجرمين ، كما أنزله بالأمم الماضية ، بسبب تكذيبها لرسلها ، واستهزائها بهم فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابك من سفهاء قومك فسننصرك عليهم .وأضاف - سبحانه - السنة إلى الأولين ، باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هى سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا ، والإِضافة لأدنى ملابسة .
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ
Et même si Nous ouvrions pour eux une porte du ciel, et qu'ils pussent y monter
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة برسم صورة عجيبة لعناد هؤلاء المكذبين ولجحودهم للحق بعدما تبين فقال : ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ) .وقوله - سبحانه - ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء . . ) معطوف على قوله ( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . . ) لإِبطال معاذيرهم ، ولبيان أن سبب عدم إيمانهم هو الجحود والعناد ، وليس نقصان الدليل والبرهان على صحة ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .قال الإِمام الرازى . وقوله - تعالى - ( فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ) يقال : ظل فلان نهاره يفعل كذا ، إذا فعله بالنهار ، ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل بالنهار ، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل ، والمصدر الظلول .ويعرجون : من العروج ، وهو الذهاب فى صعود ، وفعله من باب دخل ، يقال عرج فلان إلى الجبل يعرج إذا صعد ، ومنه المعراج والمعارج أى المصاعد .
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ
ils diraient: «Vraiment nos yeux sont voilés. Mais plutôt, nous sommes des gens ensorcelés»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وقوله ( سكرت ) من السَّكْر - بفتح السين المشددة وسكون الكاف - بمعنى السد والحبس والمنع ، يقال سكرت الباب أسْكرُه سَكْراً ، إذا سددته ، والتشديد فى ( سكرت ) للمبالغة ، وهو قراءة الجمهور . وقرأ ابن كثير ( سكرت ) ، بكسر الكاف بدون تشديد .وقوله ( مسحورون ) اسم مفعول من السحر ، بمعنى الخداع والتخييل والصرف عن الشئ إلى غيره .والمعنى : أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الغلو فى الكفر والعناد ، أننا لو فتحنا لهم بابا من أبواب السماء ، ومكناهم من الصعود إليه ، فظلوا فى ذلك الباب يصعدون ، ويطلعون على ملكوت السموات وما فيها من الملائكة والعجائب لقالوا بعد هذا التمكين والاطلاع - لفرط عنادهم وجحودهم - إنما أبصارنا منعت من الإِبصار ، وما نراه ما هو إلا لون من الخداع والتخييل والصرف عن إدراك الحقائق بسبب سحر محمد صلى الله عليه وسلم لنا وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور المفسرين ، يكون الضمير فى قوله ( فظلوا ) يعود إلى هؤلاء المشركين المعاندين .