Tafsir Al Wasit
Waseet
الرعد
Ar-Ra'd
43 versets
وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ
S'il y avait un Coran à mettre les montagnes en marche, à fendre la terre ou à faire parler les morts (ce serait celui-ci). C'est plutôt à Allah le commandement tout entier. Les croyants ne savent-ils pas que, si Allah voulait, Il aurait dirigé tous les hommes vers le droit chemin. Cependant, ceux qui ne croient pas ne manqueront pas, pour prix de ce qu'ils font, d'être frappés par un cataclysme, ou [qu'un cataclysme] s'abattra près de leurs demeures jusqu'à ce que vienne la promesse d'Allah. Car Allah, ne manque pas à Sa promesse
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أشار - سبحانه - إلى عظمة هذا القرآن الذى أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى . . . ) .والمراد بالقرآن هنا : معناه اللغوى ، أى الكلام المقروء .وجواب لو محذوف لدلالة المقام عليه .والمعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية ، ( سُيِّرَتْ بِهِ الجبال ) أى : تحركت من أماكنها ، ( أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض ) أى شققت وصارت قطعا ، ( أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى ) بأن يعودوا إلى الحياة بعد قراءته عليهم .ولو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن ، لكونه الغاية القصوى فى الهداية والتذكير ، والنهاية العظمى فى الترغيب والترهيب .وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن القرآن الكريم ، وإبطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - آية كونية سواه .ويصح أن يكون المعنى : ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية نزل عليك يا محمد فسيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، لما آمن هؤلاء المعاندون .قال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله . . . ) وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان غلوهم فى العناد والطغيان ، وتماديهم فى الكفر والضلال ، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده إلى عدم ظهور الدلائل الدالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وإنما سببه الحسد والعناد والمكابرة .ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق التى طلبوها منه - صلى الله عليه وسلم - ما ذكره الإِمام ابن كثير من أن المشركين قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - : يا محمد ، لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها ، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح ، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .وقوله - سبحانه - ( بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً ) إضراب عن مطالبهم المتعنتة إلى بيان أن الأمور كلها بيد الله ، وأن قدرته - سبحانه - لا يعجزها شئ .أى : إن الله - تعالى - لا يعجزه أن يأتى بالمقترحات التى اقترحوها ، ولكن إرادته - سبحانه - لم تتعلق بما اقترحوه ، لعلمه - سبحانه - بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات .وقوله - سبحانه - : ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً ) تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين للحق ، إلا أن شاء الله لهم الهداية ، والاستفهام للإِنكار ، وأصل اليأسك قطع الطمع فى الشئ والقنوط من حصوله .وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان :أحدهما يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع الطمع فى الشئ ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس على معناه الحقيقى وهو قطع فى الشئ ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش ، ويعلموا أن الله - تعالى - لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا ، ولكنه لم يشأ ذلك ، ليتميزا الخبيث من الطيب .وعلى هذا الاتجاه سار الإِمام ابن كثير فقد قال - رحمه الله - : وقوله - تعالى ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا ) أى : من إيمان جميع الخلق ويعلموا أن يتبينوا ( أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً ) فإنه ليس هناك حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع فى النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذى لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله .وثبت فى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من نبى إلا وقد أوتى ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره السيوطى فى تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، اطلب لهم - أى للمشركين ، ما اقترحوه عسى أن يؤمنوا .أما الاتجاه فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم ، وعليه يكون المعنى : أفلم يعلم المؤمنون أنه - سبحانه - لو شاء هداية الناس جميعا لآمنوا .وهذا الاتجاه صدر به الآلوسى تفسيره فقال ما ملخصه :ومعنى قوله - سبحانه - : ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا ) أفلم يعلموا ، وهى كما قال القاسم بن معن لغة هوازن ، وقال الكلبى هى لغة حى من النخع ، وأنشدوا على ذلك قول سيحم بن وئيل الرباحى :أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى ... ألم ييأسوا أنى ابن فارس زهدموقول رباح بن عدى :ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائياوالظاهر أن استعمال اليأس فى ذلك حقيقه .وقيل مجاز لأنه متضمن للعلم فإن الآيس عن الشئ عالم بأنه لا يكون . .والفاء للعطف على مقدر . أى : أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله - تعالى - فلم يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا . .ثم حذر - سبحانه - الكافرين من التمادى فى كفرهم ، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ) .والقارعة : من القرع ، وهو ضرب الئ بشئ آخر بقوة وجمعها قوارع .والمراد بها : الرزية والمصيبة والكارثة .أى : ولا يزال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من الكفر والضلال " قارعة " أى مصيبة تفجؤهم وتزعجهم أو تحل تلك المصيبة فى مكان قريب من دارهم ، فيتطاير شرها إليهم ، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين عليهم ، إن الله - تعالى - لا يخلف الميعاد ، أى : موعوده لرسله ولعباده المؤمنين .وأبهم - سبحانه - ما يصيب الكافرين من قوارع ، لتهويله وبيان شدته .والتعبير بقوله : ( ولا يزال ) يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان موجودا قبل نزول هذه الآية ، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها ، لأن الفعل ( لا يزال ) يدل علىا لإخبار باستمرار شئ واقع .ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها فى خلال سنى الجدب التى حلت بقريش والتى أشار إليها القرآن بقوله : ( فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ . يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ . . . ) وعبر - سبحانه - عما أصابهم من بلاء بالقارعة ، للمبالغة فى شدته وقوته ، حتى إنه ليقرع قلوبهم فجأة فيبتهتهم ويزعجهم ، ولذلك سميت القيامة بالقارعة ، لأنها تقرع القلوب بأهوالها .وقال - سبحانه - : ( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ) لبيان أنهم بين أمرين أحلاهما مُرّ لأن القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له ، وإما أن تنزل قريبا منهم فتفزعهم ، وتقلق أمنهم ، وهم مستمرون على ذلك حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .ولقد قضى الله - تعالى - أمره ، بهزيمتهم فى بدر وفى غيرهم ، وأتم نصره على المؤمنين بفتح مكة . وبدخول الناس فى دين الله أفواجا .
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ
On s'est certes moqué des messagers avant toi. Alors, J'ai donné un répit aux mécréants. Ensuite, Je les ai saisis. Et quel fut Mon châtiment
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفى إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى بطلان الشرك ، وفى بيان ما أعده للكافرين من عقاب ، وما أعده للمتقين من ثواب فقال تعالى :( وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ . . . ) .قوله - سبحانه - ( وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ . . . . ) تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه . ومطالبتهم له بالمطالب السخيفة التى لا صلة لها بدعوته ، كطلبهم منه تسيير الجبال وتقطيع الأرض ، وتكليم الموتى .والاستهزاء : المبالغة فى السخرية والتهكم من المستهزأ به . والإِملاء : الإمهال والترك لمدة من الزمان .والتنكير فى قوله ( برسل ) للتكثير ، فقد استهزأ قوم نوح به ، وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه .واستهزأ قوم شعيب به وقالوا له : ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) واستهزأ قوم هود به وقالوا له : ( إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ . . . ) واستهزأ فرعون بموسى فقال : ( أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ) والمعنى : ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك -أيها الرسول الكريم - ( فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ) أى : فأمهلتهم وتركتهم مدة من الزمان فى أمن ودعة .( ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ) أخذ عزيز مقتدر ( فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) فانظر كيف كان عقابى إياهم ، لقد كان عقابا رادعا دمرهم تدميرا .فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المصير ) قال ابن كثير : وفى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وإن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم ( وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) " .
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ
Est-ce que Celui qui observe ce que chaque âme acquiert [est semblable aux associés?...] Et pourtant ils donnent des associés à Allah. Dis [leur:] «Nommez-les. Ou essayez-vous de Lui apprendre ce qu'Il ne connaît pas sur la terre? Ou avez-vous été simplement séduits par de faux noms?» En fait, on a embelli aux mécréants leur stratagème et on les a empêchés de prendre le droit chemin. Et quiconque Allah laisse égarer, n'a plus personne pour le guider
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أقام - سبحانه - الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له - تعالى - فقال : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ . . . ) .والمراد بالقيام هنا : الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق والاستفهام للإِنكار ، والخبر محذوف والتقدير : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ ) أى : رقيب ومهيمن ( على كُلِّ نَفْسٍ ) كائنة ما كانت ، عالم بما تعمله من خير أو شر فمجازيها به كن ليس كذلك؟وحذف الخبر هنا وهو قولنا - كمن ليس كذلك - لدلالة السياق عليه ، كما فى قوله - تعالى - : ( أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ) أى : كمن قسا قلبه .وحسن حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ هو ( من ) ولأن قوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ) حالية ، والتقدير :أفمن هذه صفاته ، وهو الله - تعالى - كمن ليس كذلك ، والحال أن هؤلاء الأغبياء قد جعلوا له شركاء فى العبادة وغيرها .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، زيادة توبيخهم ، وتسفيه أفكارهم وعقولهم .وقوله - سبحانه - ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) تبكيت لهم إثر تبكيت .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - سموهم شركاء إن شئتم ، فإن هذه التسمية لا وجود لها فى الحقيقة والواقع ، ولا تخرجهم عن كونهم لا يملكون لأنفسهم - فضلا عن غيرهم - نفعا ولا ضرا ، لأن الله - تعالى - واحد لا شريك له .وهذه التسمية إنما هى من عند أنفسكم ما أنزل الله بها من سلطن ، كما قال تعالى : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) فالأمر فى قوله ( سموهم ) مستعمل فى الإِباحة المصحوبة بالتهديد ، للإِشارة إلى عدم الاكتراث بهم وبآلهتهم التى سموها شركاء وسموهم بهذا الاسم : قل لهم على سبيل الإِنكار والتوبيخ : أتخبرون الله بشركاء لا وجود لهم فى الأرض ، لأنهم لو كان لهم وجود لعلمهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .أم أنكم سميتموهم شركاء بظاهر من القول أى : بظن من القول لا حقيقة له فى الواقع ونفس الأمر .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ) أى : بل أتخبرون الله - تعالى - ( بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض ) أى بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم - سبحانه - والمراد : نفيها بنفى لازمها على طريق الكناية ، لأنه - سبحانه - إذا كان لا يعلمها - وهو الذى لا يعرزب عن علمه شئ - فهى لا حقيقة لها أصلا .وتخصيص الأرض بالذكر ، لأن المشركين زعموا أنه - سبحانه - له شركاء فيها .وقوله ( أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول ) أى : بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق فى نفس الأمر ، كتسمية الزنجى كافوراً .وروى عن الضحاك وقتادة ، أن الظاهر من القول : الباطل منه ، كما فى قول القائل :أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يابن ربطة ظاهرأى : باطل زائد . . . .وقوله - سبحانه - : ( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السبيل وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) إضراب عن حجاجهم ، وإهمال لشأنهم و " زين " من التزيين وهو تصيير الشئ زينا أى : حسنا .والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة ، والمراد به هنا : كفرهم ومسالكهم الخبيثة ضد الإِسلام والمسلمين .والمعنى : دع عنك أيها الرسول الكريم - مجادلتهم ، لأنه لا فائدة من ورائها ، فإن هؤلاء الكافرين قد زين لهم الشيطان ورؤساؤهم فى الفكر مكرهم وكيدهم للإِسلام وأتباعه ، وصدوهم عن السبيل الحق ، وعن الصراط المستقيم ، ومن يضلله الله - تعالى - بأن يخلق فيه الضلال لسوء استعداده ، فما له من هاد يهديه ويرشده إلى ما فيه نجاته .هذا ، وقد اشتملت هذه الآية على ألوان من الحجج الساطعة التى تثبت وجوب إخلاص العبادة لله ، وتبطل الشركة والشركاء أشار إليها بعض المفسرين فقال :قال الطيبى : فى هذه الآية الكريمة احتجاج بليغ مبنى على فنون من علم البيان :أولها : ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) كمن ليس كذلك ، احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لهما .ثانيها : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ) من وضع المظهر موضع المضمر ، للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد فى أسمائه .ثالثها : ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) أى عينوا أسماءهم فقولوا فلان وفلان ، فهو إنكار لوجودها على وجه برهانى . .رابعها : ( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ ) احتجاج من باب نفى الشئ أعنى العلم بنفى لازمه وهو المعلوم وهو كناية .خامسها : ( أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول ) احتجاج من باب الاستدراج لبعثهم على الفكر .أى : أتقولون بأفواهكم من غير روية ، وأنتم ألباء ، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه .سادسها : التدرج فى كل من الإضرابات على ألطف وجه ، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها ، كان الاحتجاج المذكور مناديا على نفسه بالإِعجاز وأنه ليس كلام البشر " .
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ
Un châtiment les atteindra dans la vie présente. Le châtiment de l'au-delà sera cependant plus écrasant et ils n'auront nul protecteur contre Allah
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم بين - سبحانه - سوء مصير هؤلاء الكافرين فقال : ( لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا ) أى : لهم عذاب شديد فى الحياة الدنيا ، ينزله الله - تعالى - بهم تارة عن طريق القوارع والمصائب التى يرسلها عليهم ، وتارة عن طريق الهزائم التى يوقعها بهم المؤمنون ، هذا فى الدنيا ( وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ ) من عذاب الدنيا لشدته ودوامه ( وَمَا لَهُم مِّنَ الله ) - تعالى - ومن عذاب الآخرة ( مِن وَاقٍ ) أى : من حائل يحول بينهم وبين عذابه - سبحانه - .
۞مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ
Tel est le paradis qui a été promis aux pieux: sous lequel coulent les ruisseaux; ses fruits sont perpétuels, ainsi que son ombrage. Voilà la fin de ceux qui pratiquent la piété, tandis que la fin des mécréants sera le Feu
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أعقب ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا . . . ) .والمراد بالمثل هنا : الصفة العجيبة ، أى : صفة الجنة التى وعد الله إياها من اتقاه وصان نفسه عن كل مالا يرضيه ، أنها تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار ، وأنها أكلها دائم ، أى : ما يؤكل فيها لا انقطاع لأنواعه " وظلها " كذلك دائم .قال بعضهم : وجملة ( تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) خبر عن " مثل " باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه ، فهى من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين ، كما يقال : صفة زيد أسمر . وجملة " أكلها دائم " خبر ثان .واسم الإِشارة فى قوله : ( تِلْكَ عقبى الذين اتقوا ) يعود على الجنة التى أعدها الله - تعالى - للمتقين .أى : تلك الجنة المنعوتة بما ذكر هى مآل المتقين الذين استقاموا على الطريق الحق ، وهى منتهى أمرهم .أما مآل الكافرين ومنتهى أمرهم فهى النار ، وبئس القرار .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث فى صفة الجنة فقال : وفى الصحيحين من حديث ابن عباس فى صلاة الكسوف ، وفيه : " قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا من مقامك هذا ، ثم رأيناك تكعكعت - أى توقفت وأحجمت؟ فقال : " إنى رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " " .وروى الطبرانى عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى " .وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت من التوجيهات ما فيه التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، وما فيه أوضح الدلائل والبراهين وأبلغها عن وحدانية الله - تعالى - ووجوب إفراده بالعبادة ، وما فيه البشارة للمؤمنين ، والتهديد للكافرين .