Tafsir Al Wasit
Waseet
هود
Hud
123 versets
وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
Et je ne vous dis pas que je détiens les trésors d'Allah, je ne connais pas l'Inconnaissable, et je ne dis pas que je suis un Ange; et je ne dis pas non plus aux gens, que vos yeux méprisent, qu'Allah ne leur accordera aucune faveur; Allah connaît mieux ce qu'il y a dans leurs âmes. [Si je le leur disais], je serais du nombre des injustes
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم وجه إليهم نداء ثالثا لعلهم يفيئون إلى رشدهم فقالك ( وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )أى : افترضوا يا قوم أنى طردت هؤلاء المؤمنين الفقراء من مجلسى ، فمن ذا الذى يحمينى ويجبرنى من عذاب الله ، لأنه - سبحانه - ميزانه فى تقييم الناس ليس كميزانكم ، إن أكرم الناس عنده هو أتقاكم وليس أغناهم ، وهؤلاء المؤمنون هم أكرم عنده - سبحانه - منكم ، فكيف أطردهم؟والاستفهام فى قوله : ( أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) لتوبيخهم وزجرهم . والجملة معطوفة على مقدر .أى : أتصرون على جهلكم؛ فلا تتذكرون أن لهم ربا ينصرهم إن طردتهم؟ إنكم إن بقيتم على هذا الإِصرار سيكون أمركم فرطا ، وستتعرضون للعذاب الأليم الذى يهلككم .
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ
Ils dirent: «O Noé, tu as disputé avec nous et multiplié les discussions. Apporte-nous donc ce dont tu nous menaces, si tu es du nombre des véridiques»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره ، ويرد على شبهاتهم بما يزهقها . . .وعندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم بأسلوب مقارعة الحجة بالحجة ، لجأوا - على عادة طبقتهم - إلى أسلوب التحدى وقد أخذتهم العزة بالإِثم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم :( قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا . . . )أى : قال قوم نوح - عليه السلام - له بعد أن غلبهم بحجته ، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم : ( يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا . . . )أى : خاصمتنا ونازعتنا فأكثرت فى ذلك حتى لم تترك لنا منفذا للرد عليك ، والجدال : هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة . وأصله - كما يقول الآلوسى - من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ، ومنه الجديل - أى الحبل المفتول - وجدلت البناء : أحكمته ، والأجدال : الصقر المحكم البنية ، والمجدل - كمنبر القصر المحكم البناء . . .وسميت المنازعة فى الرأى جدالا ، لأن كل واحد من المتجادلين كأنما ، يفتل الآخر عن رأيه - أى بصرفه عنه - . . .وقيل : الأصل فى الجدال الصراع ، وإسقاط الإِنسان صاحبه على الجدالة - بفتح الجيم - أى : الأرض الصلبة .ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة الحجة سفاهة فى القول فقالوا : ( فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) .أى : لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها ، فأتنا بالعذاب الذى تتوعدنا به ، إن كنت من الصادقين فى دعواك النبوة ، وفى وعيدك لنا بعقاب الله ، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا ، وكارهون لما تدعونا إليه .وهذا شأن الجاهل المعاند ، إنه بشهر السيف إذا أعجزته الحجة ، ويعلن التحدى إذا يئس عن مواجهة الحق . . .
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ
Il dit: «C'est Allah seul qui vous l'apportera - s'Il veut - et vous ne saurez y échapper
Tafsir Al Wasit — Waseet
ولكن نوحا - عليه السلام - لم يخرجه هذا التحدى عن سمته الكريم ، ولم يعقده عناد قومه عن مداومة النصح لهم ، وإرشادهم إلى الحقيقة التى ضلوا عنها ، فقد رد عليهم بقوله ( إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) .أى : إنما يأتيكم بهذا العذاب الذى تستعجلونه الله - تعالى - وحده ، إن شاء ذلك ، لأنه هو الذى يملكه ( وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أى : وما أنتم بمستطيعين الهروب من عذابه متى اقتضت مشيئته - سبحانه - إنزاله لكم ، لأنه - تعالى - لا يعجزه شئ .
وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ
Et mon conseil ne vous profiterait pas, au cas où je voulais vous conseiller, et qu'Allah veuille vous égarer. Il est votre Seigneur, et c'est vers Lui que vous serez ramenés»
Tafsir Al Wasit — Waseet
ثم أضاف إلى هذا الاعتراف بقدرة الله - تعالى - اعترافا آخر بشمول إرادته فقال : ( وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ ) .والنصح معناه : تحرى الصلاح والخير للمنصوح مع إخلاص النية من شوائب الرياء .يقال : نصحته ونصحت له . . . أى : أرشدته إلى ما فيه صلاحه .ويقال : رجل ناصح الجيب إذا كان نقى القلب طاهر السريرة . والناصح الخالص من كل شئ .أى : إنى قد دعوتكم إلى طاعة الله ليلا ونهارا ، ولم أقصر معكم فى النصيحة ومع ذلك فإن نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا ، ما دامت قلوبكم فى عمى عنه ، وأسماعكم فى صمم منه ، ونفوسكم على غير استعداد له .وجواب الشرط فى قوله ( إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ ) محذوف لدلالة ما قبله عليه .وقوله : ( إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) : زيادة تأكيد منه - عليه السلام - لعموم قدرة الله وإرادته .أى : إن كان الله - تعالى - يريد أن يضلكم عن طريق الحق ، ويصرفكم عن الدخول فيه ، بسبب إصراركم على الجحود والعناد ، فعل ذلك ، لأنه هو ربكم ومالك أمركم ، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة ، ليجازيكم الجزاء الذى تستحقونه .وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله ، أحكم السبل ، واستعمل أبلغ الأساليب ، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا .
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ
Ou bien ils disent: il l'a inventé? Dis: «Si je l'ai inventé, que mon crime retombe sur moi! Et je suis innocent de vos criminelles accusations»
Tafsir Al Wasit — Waseet
وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه ، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا بقارئها إلى الحديث عن مشركى مكة ، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله ، ووقفوا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - موقفا يشبه موقف قوم نوح منه - عليه السلام - فترد عليهم بقوله - تعالى - :أَمْ ( يَقُولُونَ افتراه قُلْ . . . ) .وأم هنا منقطعة بمعنى بل التى للإضراب ، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر .والافتراء : الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله .والإِجرام : اكتساب الجرم وهو الشئ القبيح الذي يستحق فاعله العقاب .يقال : أجرم فلان وجرم واجترم ، بمعنى اقتراف الذنب الموجب للعقوبة وللمفسرين فى معنى هذه الآية اتجاهان :الاتجاه الأول يرى أصحابه : أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع قومه ، وأنها فى شأن مشركى مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله .وعليه يكون المعنى . لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل ، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك ، بل يقولون إنك قد افتريت هذا القرآن ، قل لهم : إن كنت قد افتريته - على سبيل الفرض - فعلى وحدى تقع عقوبة إجرامى وافترائى الكذب ، وأنا برئ من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب .أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة ، وإنما هى من قصة نوح عليه السلام - وعليه يكون المعنى : بل أيقول قوم نوح إن نوحا - عليه السلام - قد افترى واختلق ما جاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله - تعالى - قل لهم إن كنت قد افتريته فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى ، وأنا برئ مما تقترفونه من منكرات ، وما تكتبسونه من ذنوب .ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح ، لأن التعبير عن أفكارهم بيقولون ، وعن الرد عليهم بقل ، الدالين على الحال والاستقبال ، يقوى أن الآية الكريمة فى شأن مشركى مكة .وقد اقتصر الإِمام ابن جرير على الاتجاه الأول ، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه الثانى مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ما ملخصه : يقول - تعالى - ذكره : " أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن وهذا الخبر عن نوح ، قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمى فى افترائى ما اقتربت على ربى دونكم . . وأنا برئ مما تذنبون وتأثمون فى حقى وحق ربكم . . . "وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له ، ومن تطاولهم عليه ، ومن تحديهم لدعوته ، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم ، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك؟