Tafsirs/Tafsir Al Wasit/Yunus
Arabe

Tafsir Al Wasit

Waseet

يونس

Yunus

109 versets

Versets 15 sur 109Page 1 / 22
1S10V01

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ

Alif, Lâm, Râ. Voici les versets du Livre plein de sagesse

Tafsir Al WasitWaseet

سورة يونس من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجي .وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين ، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة .فالسور التى افتتحت بحرف واحد ثلاثة ، وهى سورة : ص ، ق ، ن .والسور التى افتتحت بحرفين تسعين ، وهي : طه ، طس ، يس ، وحم فى ست سور ، هي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .والسور التى بتدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهى : ألم فى ست سور هى : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، والر فى خمس سور هى : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر ، وطسم فى سورتين هما : الشعراء ، القصص .وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الأعراف ، الرعد ، وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما : مريم ، والشورى .فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة .وهذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين :الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان والثوري ، وغيرهم من العلماء . فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور .ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وعن علي - رضي الله عنه - قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي " وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوئل السور .أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " .ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .2 - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدالة على انقضاء سورة . وابتداء أخرى .3 - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته فمثلا " ألم " أصلها أنا الله أعلم .4 - وقيل : إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلوا من مقال . والتي أوصلها السيوطي فى كتابه " الإِتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها . فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإِنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجاري كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما ، وهدايات قد تكون سببا فى إيمانهم . ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأي : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أغلب المواضع .ومن ذلك قوله - تعالى - : فى أول سورة البقرة ( الم . ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) وقوله سبحانه فى أول سورة هود : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) وقوله - سبحانه - فى أول سورة إبراهيم : ( الار كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ) وهكذا نرى أن كثيرا من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة ، قد أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمني عن القرآن الكريم ، وأن هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات وحدانية الله ، وإثبات صحة الرسالة المحمدية ، وإثبات أن هذا القرآن الذى هو معجزة الرسول الخالدة - منزل من عند الله - تعالى - .هذه خلاصة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية . ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " الإِتقان " للسيوطي ، وإلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وإلى تفسير الآلوسى .ثم قال - تعالى - ( تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم ) .( تِلْكَ ) اسم إِشارة والمشار إليه الآيات . والمراد بهما آيات القرآن الكريم . ويندرج فيها ىيات السورة التى معنا .والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب : ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والمراد به القرآن الكريم على الصحيح .قال الآلوسى : " وأما حمل الكتاب على الكتب التى خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما ، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو فى غاية البعد " .والحكيم - بزنة فعيل - مأخذو من الفعل حكم بمعنى منع . تقول حكمت الفرس أي وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والنفور .والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى شاتماله على الحكمة - فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ وَمَا اختلف فِيهِ ) ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم والإِحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض .والمعنى : تلك الآيات السامية ، والمنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية .وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله : - تعالى - : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .

2S10V02

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ

Est-il étonnant pour les gens, que Nous ayons révélé à un homme d'entre eux: «Avertis les gens, et annonce la bonne nouvelle aux croyants qu'ils ont auprès de leur Seigneur une présence méritée [pour leur loyauté antérieure]? Les mécréants dirent alors: «Celui-ci est certainement un magicien évident»

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من دعوته فقال : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) . .روى الضحاك عن ابن عباس قال : لما بعث الله - تعالى - رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فأنزل الله - تعالى - : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً . . . الآية ) .والهمزة فى قوله " أكان " لإنكار تعجبهم ، ولتعجب السامعين منه لوقوعه فى غير موضعه .وقوله ( لِلنَّاسِ ) جار ومجرور حالا من قوله ( عَجَباً ) والمراد بهم مشركوا مكة ومن لف لفهم فى إنكار ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - .وقوله : ( عَجَباً ) خبر كان ، والعجب والتعجيب - استعظام أمر خفي سببه .وقوله : ( أَنْ أَوْحَيْنَآ ) فى تأويل مصدر أي : إيحاؤنا ، وهو اسم كان . والوحي : الإِعلام فى خفاء ، والمقصود به ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وغيره .وقوله : ( إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ) أي إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه .وقوله : ( أَنْ أَنذِرِ الناس ) الإِنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع التحفظ من المخوف منه ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - :والمراد بالناس هنا : جميع الذين يمكنه - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغهم دعوته .وقوله : ( وَبَشِّرِ الذين آمنوا ) البشارة : إخبار معه ما يسر فهو أخص من الخبر ، سمي بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التى هى ظاهر الجلد .وقوله : ( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) أي أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم .وأصل القدم العضو المخصوص . وأطلقت على السبق ، لكونها سببه وآلته ، فسمى المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطي باليد .وأصل الصدق أن يكون فى الأقوال ، ويستعمل أحيانا فى الأفعال فيقال : فلان صدق فى القتال ، إذا وفاه حقه ، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل .وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم : مسجد الجامع ، والأصل قدم صدق . أي محققة مقررة . وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق . ثم جعل الصدق كأنه صاحبها .ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب ، وفي ذلك تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم . إنما هو بسبب صدقهم فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم .قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى معنى قوله : ( قَدَمَ صِدْقٍ ) فقال بعضهم معناه : أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح . .وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق فى اللوح المحفوظ من السعادة .وقال آخرون : معنى ذلك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - شفيع لهم .ثم قال : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معناه : أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب ، وذلك أنه محكي عن العرب قولهم : هؤلاء أهل القدم فى الإِسلام . أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا ، فكان لهم فيه تقديم .ويقال : لفلان عندي قدم صدق وقدم سوء ، وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو شر ، ومنه قول حسان بن ثابت - رضي الله عنه - :لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا فى طاعة الله تابعومعنى الآية الكريمة : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم ، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق ، أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - صلى الله عليه وسلم - حتى لكأن النبوة فى زعمهم تتنافى مع البشرية .إن الذى يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه ، لأن الله - تعالى - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر ، لأن كل جنس يأنس لجنسه ، وينفر من غيره ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فما معننى اللام فى قوله ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا؟قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها . ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم ، وليس فى " عند الناس " هذا المعنى .والذي تعجبوا منه أو يوحي إلى بشر . وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم ، فقد كانوا يقولون : العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وأن يذكر لهم البعث . وينذر بالنار ويبشر بالجنة . وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم .وقال الله - تعالى - : ( قُل لَوْ كَانَ فى الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً ) وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب - أيضاً - لأن الله - تعالى - إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما ختير له من النبوة . والغنى والتقدم فى الدنيا ليس من تلك الأسباب فى شيء قال - تعالى - : ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ) والبعث للجزاء على الخير والشر . هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبا إنما العجب والمنكر فى العقول ، تعطيل الجزاء .وقدم - سبحانه - خبر كان وهو ( عَجَباً ) على اسمها وهو ( أَنْ أَوْحَيْنَآ ) . لأن المقصود بالإِنكار فى الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن يكون الرسول بشراً .وقدم - سبحانه - الإِنذار على التبشير ، لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة مالا ينبغي مقدم فى الرتبة على فعل ما ينبغي .ولم ذكر المنذر به ، لتهويله وتعميمه حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على الدين الحق ، الذى يؤدي اتباعه إلى النجاة من العذاب .وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقون له ، بخلاف الإِنذار فإنه يشمل المؤمن والكافر . ولذا قال - سبحانه - ( أَنْ أَنذِرِ الناس ) أي جميع الناس .وذكر - سبحانه - فى جانب التبشير المبشر به - وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة عند ربهم - لكي تقوى رغبتهم فى طاعته . ومحبتهم لعبادته ، وبذلك ينالون ما بشرهم به .ثم وضح - سبحانه - ما قاله الكافرون عند مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعوته فقال : ( قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) .أي : قال الكافرون المتعجبون من أن يكون - صلى الله عليه وسلم - رسولا إليهم ، إن هذا الإِنسان الذى يدعى النبوة لساحر بيِّن السحر واضحه - حيث إنه استطاع بقوة تأثيره فى النفوس أن يفرق بين الابن وأبيه ، والأخ وأخيه .وعلى هذا القراءة التى وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإِشارة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - .وقرأ الباقون : ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) أي : إن هذا القرآن لسحر واضح ، لأنه خارق للعادة فى جذبه النفوس إلى الإِيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - .قال أبو حيان ما ملخصه : " ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد ، لم يحتج إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة ، وخلطتهم له ، - وأنه لا علم له بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهي مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التى أعجزتهم . .وقولهم هذا؛ هو دين الكفرة مع أنبيائهم . فقد قال فرعون وقومه فى موسى - عليه السلام - ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) وقال قوم عيسى فيه عندما جاءهم بالبينات ( هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) ودعوى السحر إنما هو على سبيل العناد والجحد .وقال الآلوسى " وفي قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر . نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا فى العناد ، كما هو شنشنة المكابر اللجوج ، وشنشنة المفحم المحجوج " .وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر ، فكأنه قيل : فماذا قالوا بعد هذا التعجب؟ فكان الجواب : ( قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) .ويرى الإِمام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف ، فقال قال : - رحمه الله - : " وفي الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وتأويل الكلام : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا لهم أن هلم قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله إن هذا الذى جاءنا به محمد - صلى الله عليه وسلم - لسحر مبين " .وقد اشتملت جملة ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) على جملة من المؤكدات ، للإِشارة إلى رسوخهم فى الكفر ، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا ، وصدق الله إذ يقول : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ) ثم

3S10V03

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Votre Seigneur est, Allah qui créa les cieux et la terre en six jours, puis S'est établi «Istawâ» sur le Trône, administrant toute chose. Il n'y a d'intercesseur qu'avec Sa permission. Tel est Allah votre Seigneur. Adorez-Le donc. Ne réfléchissez-vous pas

Tafsir Al WasitWaseet

ساق - سبحانه - من مظاهر قدرته ، ما يبطل تعجبهم فقال - تعالى - :( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات . . . )قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة ثم إنه - تعالى - أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد ألبتة فى أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم . . كان هذا الجواب إنما يتم بإثبات أمرين :أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا ، نافذ الحكم بالأمر والنهي .والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما .فلا جرم أنه - سبحانه - ذكر فى هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين .أما الأول : وهو إثبات الألوهية فبقوله - تعالى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض . . . ) .وأما الثاني : فهو إثبات المعاد والحشر والنشر بقوله : ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً . . . ) .فثبت أن هذا الترتيب فى غاية الحسن . ونهاية الكمال .والمعنى : إن ربكم ومالك أمركم - الذى عجبتم من أن يرسل إليكم رسولا منكم هو الذى الذي خلق السموات والأرض فى مقدار ستة أيام أى أوقات .فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت .وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن تلك الأيام من أيام الآخرة التى يوم منها كألف سنة مما تعدون .قال الآلوسى : " وقيل هى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام ، لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة فى مثل تلك المدة اليسيرة ، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه " .وقال بعض العلماء : " ولا ندخل فى تحديد هذه الأيام الستة ، فهي لم تذكر هنا لنتجه إلى تحديد مداها ونوعها ، وإنما ذكرت لبيان حكمة التدبير والتقدير فى الخلق حسب مقتضيات الغاية من هذا الخلق ، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية .وعلى أية حال فالأيام الستة غيب من غيب الله ، الذى لا مصرد لإدراكه إلا هذا المصدر ، فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه ، والمقصود بذكرها هو الإِشارة إلى حكمة التقدير والتدبير والنظام الذى يسير مع الكون من بدئه إلى منتهاه " .وقال سعيد بن جبير : كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض فى لمحة ولحظة .ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام ، لكي يعلم عباده التثبت والتأني فى الأمور .وقوله : ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) معطوف على ما قبله ، لتأكيد مزيد قدرته وعظمته - سبحانه - .والاستواء من معانيه اللغوية الاستقرار ، ومنه قوله - تعالى - ( واستوت عَلَى الجودي ) أي : استقرت ، ومن معانيه - أيضاً - الاستيلاء والقهر والسلطان ، ومنه قول الشاعر :قد استوى بشر على العراق أي : استولى عليه .وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا محمولا " .وقد ذكر العرش فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية . وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات .أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عمالا يليق به فيجب الإِيمان بها كام وردت وتفويض العلم بحقيقتها إلى الله - تعالى - .فعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت فى تفسر قوله - تعالى ( الرحمن عَلَى العرش استوى ) الكيف غير معقول ، والاستواء مجهول ، والإِقرار به من الإِيمان ، والجحود به كفر .وقال الإِمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإِيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإِيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .وقال الإِمام الرازي : " إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه " .وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرف هذه الصفة وأمثالها عن الظاهر لاستحالة حملها على ما يفيده ظاهر اللفظ ، لأنه - سبحانه - مخالف للحوادث ، ووجوب حملها على ما يليق به - سبحانه - .وعليه فإن الاستواء هنا : كناية عن القهر والعظمة والغلبة والسلطان وقوله : ( يُدَبِّرُ الأمر ) استنئاف مسوق لتقرير عظمته - سبحانه - ولبيان حكمة استوائه على العرش .والتدبير معناه : النظر فى أدبار الأموار وعواقبها لتقع على الوجه المحمود .والمراد به هنا : ما يتعلق بأمور المخلوقات كلها من إنس وجن وغير ذلك من مخلوقاته التى لا تعد ولا تحصى .أى أنه سبحانه يدبر أمر مخلوقاته تدبيرا حكيما ، حسبما تقتضيه إرادته وعبر بالمضارع فى قوله : ( يدبر ) للإِشارة إلى تجدد التدبير واستمراره ، إذ أنه - سبحانه - لا يهمل شئون خلقه .وقوله : ( مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) استئناف آخر مسوق لبيان تفرده فى تدبيره وأحكامه .والشفيع مأخوذ من الشفيع وهو ضم الشيء إلى مثله ، وأكثر ما يستعمل فى انضمام من هو أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه لإِعانته على ما يريده .والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال . أي : ما من شفيع يستطيع أن يشفع لغيره فى جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه - سبحانه - .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) وقوله - سبحانه - : ( وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فى السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى ) واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - ( ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه ) يعود إلى ذات الله - تعالى - الموصوفة بتلك الصفات الجليلة .أى : ذلك الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف فى شئون خلقه وفق مشيئته ، هو الله ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحدا فى ذلك .ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بالتذكر فقال : ( أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) أي : أتعلمون أن الله - تعالى - هو خالقكم وهو القادر على كل شيء ، ومع ذلك تستبعدون أن يكون الرسول نبيكم - صلى الله عليه وسلم - : وإيثار ( تَذَكَّرُونَ ) على تفكرون للإِيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذى لا يفتقر إلى عمق فى التفكير والبحث والتأمل . إذ أن مظاهر قدرة الله وعظمته نراها واضحة جلية فى الأنفس والآفاق .وبذلك نرى الآية الكريمة قد ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله - تعالى - وبالغ حكمته ، ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة .

4S10V04

إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ

C'est vers Lui que vous retournerez tous, c'est là, la promesse d'Allah en toute vérité! C'est Lui qui fait la création une première fois puis la refait (en la ressuscitant) afin de rétribuer en toute équité ceux qui ont cru et fait de bonnes œuvres. Quant à ceux qui n'ont pas cru, ils auront un breuvage d'eau bouillante et un châtiment douloureux à cause de leur mécréance

Tafsir Al WasitWaseet

ثم بين - سبحانه - أن مرجع العباد جميعا إليه ، وأنه سجازي كل إنسان بما يستحق .فقال - تعالى - ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً ) .أى : إلى الله - تعالى - وحده مرجعكم جميعا بعد الموت ليحاسبكم على أعمالكم ، وقد وعد الله بذلك وعدا صدقا ، ولن يخلف الله وعده .قال أبو حيان : وانتصب ( وَعْدَ الله ) و ( حَقّاً ) على أنهما مصدران مؤكدان لمضمون الجملة ، والتقدير وعد الله وعداً ، فلما حذف الناصب أضاف المصدر إلى الفاعل ، وذلك كقوله " صبغة الله " و " صنع الله " والتقدير فى ( حقا ) : حق " ذلك حقا " .وقوله : ( إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ) كالتعليل لما أفاده قوله - سبحانه - ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ) فإن غاية البدء والإِعادة هو الجزاء المناسب على الأعمال الدنيوية .أى : إن شأنه - سبحانه - أن يبدأ الخلق عند تكوينه ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى بعد موته وفنائه .ثم بين - سبحانه - الحكمة من الإِعادة بعد الموت الموت فقال : ( لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) .والقسط - كما يقول الراغب - النصب بالعدل . يقال : قسط الرجل إذا جار وظلم .ومنه قوله - تعالى - ( وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) ويقال أقسط فلان إذا عدل ، ومنه قوله - تعالى - ( وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) والحميم : الماء الذى بلغ أقصى درجات الحرارة ، قال - تعالى - ( وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ) أي : فعل ما فعل سبحانهن من بدء الخلق وإعادتهم ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بعدله الجزاء الطيب الذى أعده لهم ، وأما الذين كفروا فيجزيهم - أيضاً - بعدله ما يستحقونه من شراب حميم يقطع أمعاءهم ، ومن عذاب مؤلم لابدانهم ، وذلك بسبب كفرهم واستحبابهم العمى على الهدى .وقوله : ( بالقسط ) حال من فاعل ( ليجزي ) ليجزيهم ملتبسا بالقسط .ويصح أن يكون المعنى : فعل ما فعل ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن بسبب عدلهم وتمسكهم بتكاليف دينهم ، وأما الذين كفروا فلهم شراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم .قال الجمل ما ملخصه : وقال - سبحانه - ( والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ . . . ) بتغيير فى الأسلوب للمبالغة فى استحقاقهم للعقاب . وللتنبيه على أن المقصود بالذات من الإِبداء والإِعادة هو الإِثابة . والعذاب وقع بالعرض . وأنه - تعالى - يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم .

5S10V05

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ

C'est Lui qui a fait du soleil une clarté et de la lune une lumière, et Il en a déterminé les phases afin que vous sachiez le nombre des années et le calcul (du temps). Allah n'a créé cela qu'en toute vérité. Il expose les signes pour les gens doués de savoir

Tafsir Al WasitWaseet

وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السموات والأرض ، أتبع ذلك بذكر مظاهر أخرى لقدرته ، تتمثل فى خلق الشمس والقمر والليل والنهار فقال - تعالى - :( هُوَ الذي جَعَلَ الشمس . . . ) .ففى هاتين الآيتين - كما يقول الآلوسى - تنبيه على الاستدلال على وجوده - تعالى - ووجدته وعلمه وقدرته وحكمته . بآثار صنيعه فى النير بعد التنبيه على الاستدلال بما مر وبيان لبعض أفراد التدبير الذى أشير إليه إشارة إجمالية ، وإرشاد إلى أنه - سبحانه - حين دبر أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبير البديع . فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب أولى وأحرى .وقوله ( جعل ) يجوز أن يكون بمعنى أنشأ وأبدع ، فيكون لفظ ( ضياء ) حال من المفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى صير فيكون اللفظ المذكور مفعولا ثانيا .وقوله ( ضياء ) جمع ضوء كسوط وسياط ، وحياض ، وقيل هو مصدر ضاء يضوء ضياء كقام يقوم قياما ، وصام يصوم صياما ، وعلى كلا الوجهين فالكلام على حذف مضاف .والمعنى : الله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم الشمس ذات ضياء ، وجعل لكم القمر ذا نور ، لكي تنتفعوا بهما فى مختلف شئونكم .قال الجمل : " وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى وأكمل من النور ، وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما إذا تساويا لم يعرف الليل من النهار ، فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر " .هذا دليل ، ومما يدل على التفرقة بين الشمس والقمر فى نورهما قوله - تعالى - : ( وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ) وقوله - سبحانه - : ( تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فى السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ) وقوله : ( وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ) معطوف على ما قبله .والتقدير : جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة فى الزمان أو المكان أو غيرهما قال - تعالى - : ( والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ) المنازل : جمع منزل ، وهى أماكن النزول ، وهى - كما يقول بعضهم - ثمانية وعشرون منزلا ، وتنقسم إلى اثني عشر برجا وهى : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت ، لكل برج منها منزلان وثلث منزل ، وينزل القمر فى كل ليلة منزلا منها إلى انقضاء ثمانية وعشرين .ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما ، ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما .والضمير فى قوله : ( قدرناه ) يعود إلى القمر ، كما فى قوله - تعالى - : ( والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم ) أي : والله - تعالى - هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا ، وقدر للقمر منازل ينزل فيها فى كل ليلة على هيئة خاصة ، وطريقة بديعة تدل على قدرة الله وحكمته .قالوا : وكانت عودة الضمير إلى القمر وحده ، لسرعة سيره بالنسبة إلى الشمس : ولأن منازله معلومة محسوسة ، ولأنه العمدة فى تواريخ العرب ، ولأن أحكام الشرع منوطة به فى الأغلب .وجوز بعضهم أن يكون الضمير للشمس والقمر معا ، أى : وقدر لهما منازل ، أو قدر لسيرهما منازل لا يجاوزانها فى السير ، ولا يتعدى أحدهما على الآخر كما قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وإنما وحد الضمير للإيجاز كما فى قوله - تعالى - : ( والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ) وقوله : ( وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ) بيان للحكمة من الخلق والتقدير .أي : جعل - سبحانه - الشمس ضياء ، والقمر نورا ، وقدره منازل ، لتعلموا عدد السنين التى يفيدكم علمها فى مصالحكم الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام لضبط عباداتكم ومعاملاتكم .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله - تعالى - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء ، وجعل شعاع القمر نورا ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع فى النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى . فبالشمس تعرف الأيام ، ويسير القمر تعرف الشهور والأعوام .واسم الإِشارة فى قوله ( مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق ) يعود إلى المذكور من جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره منازل .أي : ما خلق الله ذلك الذى ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق ، ومقترنا بالحكمة البالغة التى تقتضيها مصالحكم .وقوله : ( يُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) استئناف مسوق لبيان المنتفعين بهذه الدلائل الدالة على قدرة الله ووحدانيته ورحمته بعباده .أى : يفصل - سبحانه - ويوضح البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق ، فيستجيبون له ، ويكثرون من طاعة الله وشكره على ما خلق وأنعم .

1 / 22Suivant