Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الأنفال
Al-Anfal
75 versets
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
Et rappelez-vous quand vous étiez peu nombreux, opprimés sur terre, craignant de vous faire enlever par des gens. Il vous donna asile, vous renforça de Son secours et vous attribua de bonnes choses afin que vous soyez reconnaissants
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم حيث كانوا قليلين فكثرهم ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات واستشكرهم فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطهدين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله من مشرك ومجوسي ورومي كلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها وقيض لهم أهلها آووا ونصروا يوم بدر وغيره وواسوا بأموالهم وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله في قوله تعالى "واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض" قال كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا وأشقاه عيشا وأوجه بطونا وأعراه جلودا وأبينه ضلالا من عاش منهم عاش شقيا ومن مات منهم ردى في النار يؤكلون ولا يأكلون والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد ووسع به في الرزق وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر وأهل الشكر في مزيد من الله.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ
O vous qui croyez! Ne trahissez pas Allah et le Messager. Ne trahissez pas sciemment la confiance qu'on a placée en vous
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال عبدالرزاق بن أبي قتادة والزهري أنزلت في أبي لبابة بن عبدالمنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد حتى أنزل الله توبته على رسوله فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه وأرادوا أن يحلوه من السارية فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فحله فقال يا رسول الله: إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة فقال "يجزيك الثلث أن تصدق به". وقال ابن جرير حدثني الحارث حدثنا عبدالعزيز حدثنا يونس بن الحارث الطائفي حدثنا محمد بن عبدالله بن عون الثقفي عن المغيرة بن شعبة قال نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول" الآية. وقال ابن جرير أيضا حدثنا القاسم بن بشر بن معروف حدثنا شبابة بن سوار حدثنا محمد بن المحرم قال لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال حدثني جابر بن عبدالله أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا" فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله عز وجل "لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم" الآية هذا حديث غريب جدا وفي سنده وسياقه نظر. وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عام الفتح فأطلع الله رسوله على ذلك فبعث في أثر الكتاب فاسترجعه واستحضر حاطبا فأقر بما صنع وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله: ألا أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال "دعه فإنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" قلت والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وتخونوا أماناتكم" الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني الفريضة يقول "لا تخونوا" لا تنقضوها وقال في رواية "لا تخونوا الله والرسول" يقول بترك سنته وارتكاب معصيته. وقال محمد بن إسحق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في هذه الآية أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثم تخالفوه في السر إلى غيره فإن ذلك هلاك لأماناتكم وخيانة لأنفسكم. وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضا كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين وقال عبدالرحمن بن زيد نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ
Et sachez que vos biens et vos enfants ne sont qu'une épreuve et qu'auprès d'Allah il y a une énorme récompense
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة" أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى "إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم" وقال "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون" وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم" الآية وقوله "وأن الله عنده أجر عظيم" أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد فإنه قد يوجد منهم عدو وأكثرهم لا يغني عنك شيئا والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر يقول الله تعالى "يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء" وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه". بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين".
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ
O vous qui croyez! Si vous craignez Allah, Il vous accordera la faculté de discerner (entre le bien et le mal), vous effacera vos méfaits et vous pardonnera. Et Allah est le Détenteur de l'énorme grâce
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد "فرقانا" مخرجا زاد مجاهد في الدنيا والآخرة وفي رواية عن ابن عباس "فرقانا" نجاة وفي رواية عنه نصرا وقال محمد بن إسحق "فرقانا" أي فصلا بين الحق والباطل وهذا التفسير من ابن إسحق أعم مما تقدم وهو يستلزم ذلك كله فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها وغفرها سترها عن الناس وسببا لنيل ثواب الله الجزيل كقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم".
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ
(Et rappelle-toi) le moment où les mécréants complotaient contre toi pour t'emprisonner ou t'assassiner ou te bannir. Ils complotèrent. mais Allah a fait échouer leur complot, et Allah est le meilleur en stratagèmes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة "ليثبتوك" ليقيدوك وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك وقال السدي الإثبات هو الحبس والوثاق وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء وهو مجمع الأقوال وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال عطاء سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب:هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي" قال: نِعْم الرب ربك استوص به خيرا قال "أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي" وقال أبو جعفر ابن جرير حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي أخبرنا عبدالحميد بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يأتمر بك قومك؟ قال "يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجرني" فقال من أخبرك بهذا؟ قال "ربي" قال نعم الرب ربك فاستوص به خيرا قال "أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي" قال فنزلت "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" الآية. وذكر أبي طالب في هذا غريب جدا بل منكر لأن هذه الآية مدنية ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الإئتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم باعبائه والدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل فلما رأوه قالوا له من أنت؟ قال شيخ من أهل نجد سمعت أنكم أجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي: قالوا أجل ادخل فدخل معهم فقال انظروا في شأن هذا الرجل والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره فقال قائل منهم أحبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم قال فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال والله ما هذا لكم برأي والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم. قالوا صدق الشيخ فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا صدق والله فانظروا رأيا غير هذا قال: فقال أبو جهل لعنه الله: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد لا أرى غيره قالوا وما هو؟ قال تأخذون من كل قبيلة غلاما شابا وسطا نهدا ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما ثم يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه قال: فقال الشيخ النجدي هذا والله الرأي القول ما قال الفتى لا أرى غيره قال فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة وأذن الله له عند ذلك بالخروج وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء "أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون" فكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة للذي اجتمعوا عليه من الرأي وعن السدي نحو هذا السياق وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى "وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلا" وكذا روى العوفي عن ابن عباس وروى عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك وقال يونس بن بكير عن ابن إسحق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويستجي ببرد له أخضر ففعل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم وهم على بابه وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذرها على رءوسهم وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ "يس والقرآن الحكيم" - إلى قوله -" فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روي عن عكرمة ما يؤكد هذا وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبدالله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال "ما يبكيك يا بنية؟ " قالت يا أبت ومالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك فقال "يا بنية ائتني بوضوء" فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا ها هو ذا فطأطئوا رءوسهم وسقطت رقابهم بين أيديهم فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها وقال "شاهت الوجوه". فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرا ثم قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولا أعرف له علة. وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر أخبرني عثمان الجريري عن مقسم مولى ابن عباس أخبره ابن عباس في قوله "وإذ يمكر بك" الآية قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبِتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوا عليا رد الله تعالى مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا؟ قال لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال وقال محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في قوله "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" أي فمكرتُ بهم بكيدي المتين حتى خلصتُك منهم.