Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
غافر
Ghafir
85 versets
حمٓ
H'â, Mîm
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
سورة غافر: قد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال الحواميم وإنما يقال آل حم قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه آل حم ديباج القرآن وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن لكل شيء لبابا ولباب القرآن آل حم أو قال الحواميم. وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس روى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب فضائل القرآن. وقال حميد بن زنجويه حدثنا عبيدالله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله رضي الله عنه قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن أورده البغوي. وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم وقال ابن مسعود رضي الله عنه إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهن. وقال أبو عبيد ثنا الأشجعي حدثنا مسعر- هو ابن كدام - عمن حدثه أن رجلا رأى أبا الدرداء رضي الله عنه يبني مسجدا فقال له ما هذا؟ فقال أبنيه من أجل آل حم وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء رضي الله عنه هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات "إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون - وفي رواية - لا تنصرون" وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أحمد بن الحكم بن ظبيان بن خلف المازني ومحمد بن الليث الهمداني قالا حدثنا موسى بن مسعود حدثنا عبدالرحمن بن أبي بكر المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء" ثم قال لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. بسم الله الرحمن الرحيم قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان. ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص. فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قيل إن "حم" اسم من أسماء الله عز وجل وأنشدوا في ذلك بيتا يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلاحم قبل التقدم وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون" وهذا إسناد صحيح واختار أبو عبيد أن يروي فقولوا حم لا ينصروا أى إن قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاء لقوله فقولوا.
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ
La révélation du Livre vient d'Allah, le Puissant, l'Omniscient
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه.
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ
Le Pardonneur des péchés, l'Accueillant au repentir, le Dur en punition, le Détenteur des faveurs. Point de divinité à part Lui et vers Lui est la destination
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه وقوله جل وعلا "شديد العقاب" أي لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى وهذه كقوله "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف. وقوله تعالى "ذي الطول" قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني السعة والغنى. وهكذا قال مجاهد وقتادة وقال يزيد بن الأصم: ذي الطول يعني الخير الكثير وقال عكرمة "ذي الطول" ذي المن وقال قتادة ذي النعم والفواضل والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" الآية. وقوله جلت عظمته "لا إله إلا هو" أي لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره ولا رب سواه "إليه المصير" أي المرجع والمآب فيجازي كل عامل بعمله "وهو سريع الحساب" وقال أبو بكر بن عياش سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر رضي الله عنه "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب" وقال اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم واللفظ له وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن مروان الرقي ثنا عمر يعني ابن أيوب أنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففقده عمر فقال ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب قال فدعا عمر كاتبه فقال اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرؤه ويردده ويقول غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر خبره قال هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شبة ثنا حماد بن واقد ثنا أبو عمر الصفار ثنا ثابت البناني قال كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة فدخلت حائطا أصلي ركعتين فافتتحت حم المؤمن حتى بلغت لا إله إلا هو إليه المصير فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي وإذا قلت وقابل التوب فقل يا قابل التوب اقبل توبتي وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني قال فالتفت فلم أر أحدا فخرجت إلى الباب فقلت مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا ما رأينا أحدا فكانوا يرون أنه إلياس ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه وليس فيه ذكر إلياس والله سبحانه وتعالى أعلم.
مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ
Seuls ceux qui ont mécru discutent les versets d'Allah. Que leurs activités dans le pays ne te trompent pas
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان "إلا الذين كفروا" أي الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه "فلا يغررك تقلبهم فى البلاد" أي في أموالها ونعيمها وزهرتها كما قال جل وعلا "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد" وقال عز وجل "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ".
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ
Avant eux, le peuple de Noé a traité (Son Messager) de menteur, et les coalisés après eux (ont fait de même), et chaque communauté a conçu le dessein de s'emparer de Son Messager. Et ils ont discuté de faux arguments pour rejeter la vérité. Alors Je les ai saisis. Et quelle punition fut la Mienne
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة من سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل فقال "كذبت قبلهم قوم نوح" وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان "والأحزاب من بعدهم" أي من كل أمة "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه" أي حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله "وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق" أي ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي. وفد قال أبو القاسم الطبراني ثنا علي بن عبدالعزيز ثنا عارم أبو النعمان ثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أعان باطلا ليدحض به حقا فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم" وقوله جلت عظمته "فأخذتهم" أي أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام "فكيف كان عقاب" أي فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم قد كان شديدا موجعا مؤلما قال قتادة كان شديدا والله.