Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
المائدة
Al-Ma'idah
120 versets
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ
O les croyants! Remplissez fidèlement vos engagements. Vous est permise la bête du cheptel, sauf ce qui sera énoncé [comme étant interdit]. Ne vous permettez point la chasse alors que vous êtes en état d'ihrâm. Allah en vérité, décide ce qu'Il veut
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
سورة المائدة. قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية شيبان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت إني لآخذه بزمام العضباء ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة وروى ابن مردوية من حديث صباح بن سهل عن عاصم الأحول قال: حدثني أم عمرو عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنزلت عليه سورة المائدة فانطلق عنق الراحلة من ثقلها. وقال أحمد أيضا: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله بن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على وآله وسلم سوره المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل منها تفرد به أحمد وقد روى قتيبة عن عبد الله بن وهب عن حيي عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت " إذا جاء نصر الله والفتح " وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الحاكم أيضا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا يحيى بن نصر قال قرئ على عبد الله بن وهب أخبرنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم فقالت أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح وزاد وسألتها عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت القرآن. ورواه النسائي من حديث ابن مهدي. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا مسعر حدثني معن وعوف أو أحدهما أن رجل أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلي فقال إذا سمعت الله يقول " يا أيها الذين آمنوا " فارعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري قال: إذا قال الله " يا أيها الذين آمنوا " افعلوا فالنبي- صلى الله عليه وسلم- منهم وحدثنا أحمد بن سنان حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو في التوراة يا أيها المساكين. فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي حدثنا معاوية يعني ابن هشام عن عيسى بن راشد عن علي بن بذيمة عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية " يا أيها الذين آمنوا " إلا أن عليا سيدها وشريفها وأميرها وما من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا عليا بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة وفي إسناده نظر. وقال البخاري عيسى بن راشد هذا مجهول وخبره منكر قلت وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل قوله فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلاعليا إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي ونزل قوله " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم " الآية. وفي كون هذا عتابا نظر فإنه قد قيل إن الأمر كان ندبا لا إيجابا ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل فلم يصدر من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضا فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: هذا بيان من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات منها حتى بلغ " إن الله سريع الحساب " وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا يونس بن بكر حدثنا محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: هذا كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا أمره فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " عهد من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قوله تعالى " أوفوا بالعقود " قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " يعني العهود يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله ولا تغدروا ولا تنكثوا ثم شدد في ذلك فقال تعالى " والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل " إلى قوله " سوء الدار " وقال الضحاك: " أوفوا بالعقود " قال: ما أحل الله وحرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم- والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وقال زيد بن أسلم:" أوفوا بالعقود " قال هي ستة: عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين وقال محمد ابن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية وشركة المفاوضة وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية " أوفوا بالعقود " قال فهذه تدل على لزوم العقد وثوبته فيقتضي نفى خيار المجلس وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور: والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وفي لفظ آخر للبخاري" إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع وليس هذا منافيا للزوم العقد بل هو من مقتضياته شرعًا فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. وقوله تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام " هى: الإبل والبقر والغنم قاله: أبو الحسن وقتادة وغير واحد قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت و قد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجاهد عن أبي الودَّاك جبير بن نوفل عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال:" كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" وقال الترمذي: حديث حسن قال أبو داود حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عتاب بن بشير حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:" ذكاة الجنين ذكاة أمه" تفرد به أبو داود وقوله " إلا ما يتلى عليكم " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض ولهذا قال "إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب" يعني منها فإنه حرام لا يمكن إستدراكه وتلاحقه ولهذا قال تعالى "أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم" أى إلا ما سيتلى عليكم من تحريمه بعضها في بعض الأحوال وقوله تعالى" غير محلي الصيد وأنتم حرم " قال بعضهم هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم وما يعم الوحش كالظباء والبقر والحمر فاستثنى من الإنسي ما تقدم واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام وقيل المراد أحلننا لكم الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام لقوله " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم " أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد وهكذا هنا أى كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه ولهذا قال تعالى "إن الله يحكم ما يريد".
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ
O les croyants! Ne profanez ni les rites du pèlerinage (dans les endroits sacrés) d'Allah, ni le mois sacré, ni les animaux de sacrifice, ni les guirlandes, ni ceux qui se dirigent vers la Maison sacrée cherchant de leur Seigneur grâce et agrément. Une fois désacralisés, vous êtes libres de chasser. Et ne laissez pas la haine pour un peuple qui vous a obstrué la route vers la Mosquée sacrée vous inciter à transgresser. Entraidez-vous dans l'accomplissement des bonnes œuvres et de la piété et ne vous entraidez pas dans le péché et la transgression. Et craignez Allah, car Allah est, certes, dur en punition
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله" قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدى والبدن من شعائر الله وقيل شعائر الله محارمه: أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى ولهذا قال تعالى " ولا الشهر الحرام " يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من ابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم كما قال تعالى " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وقال تعالى " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا " الآية. وفي صحيح البخاري عن أبى بكرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال في حجة الوداع:" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى " ولا الشهر الحرام " يعني لا تستحلوا القتال فيه وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري واختارهم ابن جرير أيضا وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم واحتجوا بقوله تعالى " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " والمراد أشهر التسير الأربعة قالوا فلم يستثن شهرا حراما من غيره وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة قال وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخـر له موضع أبسط من هذا وقوله تعالى " ولا الهدى ولا القلائد " يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام وليعلم أنها هدى إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ولهذا لما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعا ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين ثم أشعر هديه وقلده وأهل للحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان كما قال تعالى " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " وقال بعض السلف: إعظامها استحسانها واستسمانها قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن وقال مقاتل بن حيان قوله " ولا القلائد " فلا تستحلوه وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به. رواه ابن أبي حاتم ثم قال حدثنا محمد بن عمار حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسن عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " وحدثنا المنذر بن شاذان حدثنا زكريا بن عدى حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائده شيء؟ قال لا وقال عطاء كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون فنهى الله عن قطع شجره وكذا قال مطرف بن عبد الله. وقوله تعالى " ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغب في رسوله فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهجوه قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله " يبتغون فضلا من ربهم": يعني بذلك التجارة وهذا كما تقدم في قوله " ليس عليكـم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " وقوله " ورضوانا " قال ابن عباس يترضون الله بحبهم ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله عز وجل " ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ". وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس وإن هذا الحكم منسوخ في حقهم والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " ولهذا بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام تسع لما أمر الصديق على الحجيج عليا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله " ولا آمين البيت الحرام " يعني من توجه قبل البيت الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعدها " إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " الآية وقال تعالى " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله " وقال " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " فنفى المشركين من المسجد الحرام وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة في قوله " ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام " قال منسوخ كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر فلم يعرض له أحد فإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله " ولاالقلائد " يعني إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوهم قال ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك قال الشاعر: ألم تقتلا الحرجين إذ أعورا لكم يمران بالأيدي اللحاء المضفرا وقوله تعالى " وإذا حللتم فاصطادوا " أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد وهذا أمر بعد الحظر والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي فإن كان واجبا رده واجبا وإن كان مستحبا فمستحب أو مباحا فمباح ومن قال إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرنا كما اختاره بعض علماء الأصول والله أعلم. وقوله " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا " من القراء من قرأ أن صدوكم بفتح الألف من أن ومعناها ظاهر أي لا يحملنكم بعض من كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد وهذه الآية كما سيأتي من قوله " ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " أى لا يحملنكم بعض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه والعدل به قامت السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سهل بن عفان حدثنا عبد الله بن جعفر عن زيد بن أسلم قال كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم الناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- نصد هؤلاء كما صدك أصحابهم فأنزل الله هذه الآية والشنآن هو البغض قاله ابن عباس وغيره وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنا بالتحريك مثل قولهم جمزان ودرجان ورقلان من جمز ودرج ورقل وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول شنان ولم أعلم أحدا قرأ بها ومنه قول الشاعر: وما العيش إلا ما تحب وتشتهي وإن لام فيه ذو الشنان وفندا وقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر علي الباطل والتعاون على المآثم والمحارم قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله والعدوان مجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفى غيركم وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما ؟ قال تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره". انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه". وقال أحمد: حدثنا يزيد حدثنا سفيان بن سعيد عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن رجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم". وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجة من طريق إسحاق بن يوسف كلاهما عن الأعمش به وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي حدثنا بكر بن عبد الرحمن حدثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن فضيل بن عمرو عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:" الدال على الخير كفاعله" ثم قال لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد قلت وله شاهد في الصحيح" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن زريق الحمصي حدثنا أبي حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن ثمران بن صخر حدثه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:" من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام ".
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
Vous sont interdits la bête trouvée morte, le sang, la chair de porc, ce sur quoi on a invoqué un autre nom que celui d'Allah, la bête étouffée, la bête assommée ou morte d'une chute ou morte d'un coup de corne, et celle qu'une bête féroce a dévorée - sauf celle que vous égorgez avant qu'elle ne soit morte -. (Vous sont interdits aussi la bête) qu'on a immolée sur les pierres dressées, ainsi que de procéder au partage par tirage au sort au moyen de flèches. Car cela est perversité. Aujourd'hui, les mécréants désespèrent (de vous détourner) de votre religion: ne les craignez donc pas et craignez-Moi. Aujourd'hui, J'ai parachevé pour vous votre religion, et accompli sur vous Mon bienfait. Et J'agrée l'Islam comme religion pour vous. Si quelqu'un est contraint par la faim, sans inclination vers le péché... alors, Allah est Pardonneur et Miséricordieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي مامات من الحيوان حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد وما ذاك إلا لما فيها من المضرة لما فيها من الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن فلهذا حرمها الله عز وجل ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها لما رواه مالك في موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سئل عن ماء البحر فقال:" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهكذا الجراد لما سيأتي من الحديث وقوله " الدم " يعني به المسفوح كقوله " أو دما مسفوحا " قاله ابن عباس وسعيد بن جبير قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي حدثنا محمد بن سعيد بن سابق حدثنا عمرو يعني ابن قيس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه فقالوا: إنه دم فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة قالت إنما نهى عن الدم السافح وقد قال أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:" أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ". وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا قلت وثلاثتهم كلهم ضعفاء ولكن بعضهم أصلح من بعض وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات عن زيد بن أسلم عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه قال الحافظ أبوزرعة الرازي: وهو أصح وقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسن حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا بشير بن شريح عن أبي غالب عن أبي أمامة وهو صدى بن عجلان قال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقال هلم يا صدى فكل قال: قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه قالوا وما ذاك فتلوت عليهم هذه الآية " حرمت عليكم الميتة والدم " الآية. ورواه الحافظ أبن بكر بن مردوية من حديث ابن أبي الشوارب بإسناد مثله وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون علي فقلت ويحكم اسقوني شربة من ماء فإنى شديد العطش قال وعلي عباءتي فقالوا: لا ولكن ندعك حتى تموت عطشا قال فاغتممت وضربت برأسي في العباء ونمت على الرمضاء في حر شديد قال فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه فأمكنني منه فشربته فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تيك الشربة ورواه الحكم في مستدركه عن علي ابن حماد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري حدثنا صدقة بن هرم عن أبي غالب عن أبي أمامة وذكر نحوه وزاد بعد قوله بعد تيك الشربة فسمعتهم يقولون أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة فأتوني بمذقة فقلت لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق. وإياك والميتات لا تقربنهـا ولا نأخذن عظما حديدا فتفصدا أي لا تفعل فعل الجاهلية وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه فيقصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة ثم قال الأعشى: وذا النصب المنصوب لا تأتينه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا " قوله ولحم الخنزير " يعني إنسيه ووحشيه واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله " فإنه رجس أو فسقا " يعنون قوله تعالى " إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس " أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه وهذا بعيد من حيث اللغة فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطرد وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:" من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه" فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره وفي الصحيحين أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:" إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: لا هو حرام" وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم نهانا عن الميتة والدم وقوله " وما أهل لغير الله " أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمدا أو نسيانا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام. وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن السنجاني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال نزل آدم بتحريم أربع " الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به " وإن هذه الأربعة أشياء لم تحل قط ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم فلما بعث الله عيسى ابن مريم- عليه السلام- نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم وأحلت لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه وهذا أثر غريب. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ربعي عن عبد الله قال سمعت الجارود بن أبي سبرة قال: هو جدي قال كان رجل من بني رباح يقال له ابن وائل وكان شاعرا نافر غالبا أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء فلما وردت الماء قاما إليها بسيفيهما فجعلا يكشفان عراقيبها قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم قال: وعلي بالكوفة قال: فخرج علي على بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- البيضاء وهو ينادي يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها فإنها أهل بها لغير الله هذا أثر غريب ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود حدثنا هارون بن عبد الله ثنا ابن حماد ابن مسعدة عن عوف عن أبي ريحانة عن ابن عباس قال نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن معاقرة الأعراب ثم قال أبو داود محمد بن جعفر هو غندر أوقفه على ابن عباس تفرد به أبو داود وقال أبو داود أيضا حدثنا هرون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا جرير بن حازم عن الزبير بن حريث قال سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل ثم قال أبو داود أكثر من رواه غير ابن جرير لا يذكر فيه ابن عباس تفرد به أيضا قوله " والمنخنقة " وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما اتفاقا بأن تتخبل في وثاقتها فتموت فهي حرام وأما " الموقوذة " فهي التي تغـرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت كما قال ابن عباس وغير واحد عن التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت يارسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمعراض ونحوه بحده فأحله وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحله وهذا مجمع عليه عند الفقهاء واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين هما قولان للشافعي رحمه الله " أحدهما "لا يحل كما في السهم والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ " والثاني "أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل فدل على إباحة ما ذكرناه لأنه قد دخل في العموم وقد فررت لهـذه المسألة فصلا فليكتب ههنا. " فصل "اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه أو صدمه هل يحل أم لا؟ على قولين: "أحدهما" أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم " وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي رحمه الله وصححه بعض المتأخرين منهم: كالنووي والرافعي " قلت "وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم و المختصر فإنه قال: في كلا الموضعين يحتمل معنيين ثم وجه كلا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه فأطلقوا في المسألة قولين عنه اللهم إلا أنه في بحثه للقول بالحل رشحه قليلا ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم والقول بذلك أعني الحل نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه ولم يذكر غير ذلك وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وهذا غريب جدا وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم إلا أنه من تصرفه رحمه الله ورضي عنه. " والقول الثاني "أن ذلك لا يحل وهو أحد القولين عن الشافعي رحمه الله واختاره المزني ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهذا القول أشبه بالصواب والله أعلم لأنه أجرى على القواعد الأصولية وأمس الأصول الشرعية واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج قلت: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب قال:" ما أنهر الدم تذكر اسم الله عليه فكلوه" الحديث بتمامه وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان واردا على سبب خاص فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع كما سئل- عليه السلام- عن التبع وهو نبيذ العسل فقال:" كل شراب أسكر فهو حرام" أفيقول فقيه إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل وهكذا هذا كما سألوه عن شيء من الذكاة فقال لهم كلاما عاما يشمل ذاك المسئول عنه وغيره لأنه- عليه السلام- كان قد أوتي جوامع الكلم إذا تقرر هذا فما صدمه الكلب أو غمه بثقله ليس مما أنهر دمه فلا يحل لمفهوم هذا الحديث فإن قيل هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء لأنهم إنما سألوه عن الأدلة التي يذكى بها ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال:" ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه وإلا لم يكن متصلا فدل على أن المسئول عنه هوالآ لة فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضا حيث يقول:" ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " ولم يقل فاذبحوا به فهذا يؤخذ منه الحكمان معا يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها وحكم المذكى وأنه لابد من أنهار دمه بآلة ليست سنا ولا ظفرا هذا مسلك. والمسلك الثاني: طريقة المزني وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل وإن خزق فكل والكلب جاء مطلقا فيحمل على ما قيد هناك من الخزق لأنهما أشتركا في الموجب وهو الصيد فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل بل هذا أولى وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة فلابد لهم من جواب عن هذا. وله أن يقوله هذا قتله الكلب بثقله فلم يحل قياسا على ما قتله السهم بعرضه والجامع أن كلا منهما آلة للصيد وقد مات بثقله فيهما ولا يعارض ذلك بعموم الآية لأن القياس مقدم على العموم كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور وهذا مسلك حسن أيضا " مسلك آخر "وهو: أن قوله تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم " عام فيما قتلن بجرح أو غيره لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيه لا يخلو إما أن يكون نطيحا أو في حكمه أو منخنقا أو في حكمه وأياما كان فيجب تقديم هذه الآية على تلك الوجوه "أحدها" أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله ولم نعلم أحدا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية فقال ابن الوقيذ: معتبر حالة الصيد والنطيح ليس معتبرا فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل به وهو محظور عند كثير من العلماء " الثاني" أن تلك الآية " فكلوا مما أمسكن عليكم " ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ " المسلك الآخر "أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات فلا محل قياسا على الميتة " المسلك الآخر "أن أية التحريم أعني قوله " حرمت عليكم الميتة " إلى آخرها محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة أعني قوله تعالى " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " الآية فينبغي أن لا يكون بينهـا تعارض أصلا وتكون السنة جاءت لبيان ذلك وشاهد ذلك قصة السهم فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية وهو ما إذا خزقه المعراض يكون حلالا لأنه من الطيبات وما دخل في حكم تلك الآية آية التحريم وهو ما إذا أصابه بعض فلا يؤكل لأنه وقيذ فيكون أحد أفراد آية التحريم وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب فهو داخل في حكم آية التحليل وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله فهو نطيح أو في حكمه فلا يكون حلالا " فإن قيل "فلم لا فصل في حكم الكلب فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال وإن لم يجرحه فهو حرام " فالجـواب "أن ذلك نادر لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا وأما اصطدامه هو والصيد فنادر وكذا قتله إياه بثقله فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأما السهم والمعراض فتارة مخطئ لسوء رمي راميه أو للهو أو نحو ذلك بل خطؤه أكثر من إصابته فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا والله أعلم. ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال:: إن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه" وهذا صحيح ثابت في الصحيحين وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب حكى ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وبه قال الحسن والشعبي والنخعي وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيـره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكب حتى قال سعيد وسلمان وأبوهريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعه وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم وأما في الجديد إلى قولين قال ذلك: الإمام أبو نضر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال في صيد الكلب:" إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك" ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله فذكر نحوه وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي حدثنا عبد العزيز بن موسى هو اللاجونى حدثنا محمد بن دينار هو الطاحي عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فليأكل ما بقي ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه أبو قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب عن سلمان موقوفا. وأما الجمهور فقدموا حديث عدي على ذلك وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره. وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجئ فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه والله أعلم. فأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكب فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور ولا يحرم عند الآخرين واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير وقال الشيخ أبو علي في الإفصاح: إذا قلنا يحرم ما أكل منه الكلب ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي رحمه الله على التسوية بينهما والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما المتردية فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك فلا تحل قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المتردية التي تسقط من جبل وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر. وأما النطيحة فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة أي منطوحة وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث فيقولون عين كحيل وكف خضيب ولا يقولون كف خضيبة ولا عين كحيلة وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم طريقة طويلة وقال بعضهم إنما أتى بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام وقوله تعالى " وما أكل السبع " أى ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب فأكل بعضها فماتت بذلك فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها فلا تحل بالإجماع وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين وقوله " إلا ماذكيتم " عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة وذلك إنما يعود على قوله " والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله " إلا ماذكيتم " يقول إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه فهو ذكي. وكذا روى عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن علي في الآية إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها فكل. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم وعباد قالا: حدثنا حجاج عن حصين عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها وهكذا روى عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد أن المذكاة من تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال وهذا مذهب جمهور الفقهاء وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. قال ابن وهب سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها فقال: مالك لا أرى أن يذكى أي شيء يذكى منها؟ وقال أشهب سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل فقال: إن كان قد بلغ الشحرة فلا أرى أن يؤكل وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا قيل له وثب عليه فدق ظهره فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه قيل له فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء فقال: إذا شق بطنها فلا أى أن تؤكل هذا مذهب مالك رحمه الله. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية والله أعلم. وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ فقال:" ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" وفى الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعا وفيه نظر وروى عن عمر موقوفا وهو أصح" ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق" فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العسراء الدارمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال" لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك". وهو حديث صحيح ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة وقوله " وما ذبح على النصب " قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة قال ابن جريج: وهي ثلثمائة وستون نصبا كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب وكذا ذكره غير واحد فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله وينبغي أن يحمل هذا على هذا لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله وقوله تعالى " وأن تستقسموا بالأزلام " أي حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام واحدها زلم وقد تفتح الزاي فيقال زلم وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها مكتوب أفعل وعلى الآخر لا تفعل والثالث غفل ليس عليه شيء. ومن الناس من قال مكتوب على الواحد أمرنى ربي وعلى الآخر نهاني ربي والثالث غفل ليس عليه شيء فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله أو النهى تركه وإن طلع الفارغ أعاد والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا الحجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس " وأن تستقسموا بالأزلام " قال والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور وكذا روى عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان وقال ابن عباس هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور وذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له هبل منصوب على بئر داخل الكعبة فيها موضع الهدايا وأموال الكعبة فيه كان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه وثبت في الصحيحين أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل مصوَّرين فيها وفي أيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا. وفي الصحيح أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبى بكر وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين قال فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا يضرهم قال فعصيت الأزلام وأتبعتهم ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة كل ذلك يخرج الذي يكره لا يضرهم كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك. وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد عن رقية عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا: وقال مجاهد في قوله وأن تستقسموا بالأزلام قال هي سهام العرب وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون. وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار فيه نظر اللهم إلا أن يقال إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء- إلى قوله- منتهون ". وهكذا قال ههنا " وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق " أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول:" إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسميه باسمه- خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري أو- قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لى فيه اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به " لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي وقوله " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس يعني يئسوا أن يراجعوا دينهم. وكذا روى عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:" إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم" ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله ولهذا قال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدا إلا الله فقال " فلا تخشوهم واخشون " أي لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم وأظفركم بهم وأشف صدوركم منهم وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة وقوله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا " أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأوامر والنواهي فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة ولهذا قال تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " أي فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام وأنزل به أشرف كتبه. وقال علي بن أبي طليحة عن ابن عباس قوله " اليوم أكملت لكم دينكم " وهو الإسلام أخبر الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا. وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ورجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك الحجة فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل فمال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الراحلة فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن فبركت فأتيته فسجيت عليه بردا كان علي. وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما رواهما ابن جرير ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن فضيل عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت" اليوم أكملت لكم دينكم" وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال صلي الله عليه وسلم: صدقت. ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت" إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء" وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال وأي آية؟ قال قوله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " فقال عمر: والله إنى لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والساعة التي نزلت فيها على رسول الله عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضا مسلم والترمذي والنسائي أيضا من طرق عن قيس بن مسلم ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري عن قيس عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: الله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا فقال عمر: إنى لأعلم حين أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث أنزلت يوم عرفة وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا " اليوم أكملت لكم دينكم " الآية وشك سفيان رحمه الله إن كان في الرواية فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري رحمه الله. فإن هذا أمر معلوم مقطوع به لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا من الفقهاء وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها والله أعلم. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب ابن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا رجاء بن أبي سلمة أخبرنا عبادة بن نسي أخبرنا أميرنا إسحاق قال أبو جعفر بن جرير- وهو إسحاق بن حرشة- عن قبيصة يعني- ابن أبي ذئب- قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه فقال عمر: أي آية يا كعب ؟ فقال " اليوم أكملت لكم دينكم " فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه فنزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر حدثنا قبيصة حدثنا حماد بن سلمة عن عمار هو مولى بني هاشم أن ابن عباس قرأ " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين يوم عيد ويوم جمعة. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل حدثنا موسى بن هارون حدثنا يحيى الحماني حدثنا قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سليمان عن أبي عمر البزار عن أبى الحنيفة عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو قائم عشية عرفة " اليوم أكملت لكم دينكم " وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر- إسماعيل بن عمرو السكوني- حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن عياش حدثنا عمرو بن قيس السكوني أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية " اليوم أكملت لكم دينكم " حتى ختمها فقال نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة. وروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن موسى بن دحية عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: نزلت هذه الآية " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " يوم عرفة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقف على الموقف فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش بن عبد الله الصغاني عن ابن عباس قال: ولد نبيكم يوم الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وفتح بدرا يوم الاثنين وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين اليوم أكملت لكم دينكم. ورفع الذكر يوم الاثنين فإنه أثر غريب وإسناده ضعيف. وقد رواه الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصغاني عن ابن عباس قال: ولد النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين هذا لفظ أحمد ولم يذكر نزول المائدة يوم الأثنين فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين كما تقدم فاشتبه على الراوي والله أعلم.وقال ابن جرير: وقد قيل ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس ثم روى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله " اليوم أكملت لكم دينكم " يقول ليس بيوم معلوم عند الناس قال: وقد قيل إنها نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مسيره إلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبى جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قلت وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم غدير خم حين قال لعلي" من كنت مولاه فعلي مولاه" ثم رواه عن أبي هريرة وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه- عليه السلام- من حجة الوداع ولا يصح لا هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وسمرة بن جندب رضي الله عنه وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء واختاره ابن جرير الطبري رحمه الله وقوله " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم " أي فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله والله غفور رحيم له لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفرله وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته" لفظ ابن حبان وفي لفظ لأحمد" من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة". ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها وقد يكون مندوبا وقد يكون مباحا بحسب الأحوال واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود ؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيدا وهو محرم هل يتناول الميتة أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين هما للشافعي رحمه الله وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم بل متى اضطر إلى ذلك جاز له وقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا بها الميتة ؟ فقال:" إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفوا بها بقلا فشأنكم بها" تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن مسلم بن يزيد عن أبي واقد به ومنهم من رواه عن الأوزاعي عن حسان عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد به. ورواه ابن جرير عن هناد بن السري عن عيسى بن يونس عن حسان عن رجل قد سمي له فذكره ورواه أيضا عن هناد عن ابن المبارك عن حسان مرسلا وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه فكان فيه: ويجزي من الأضرار غبوق أو صبوح. حدثنا أبو كريب حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي حدثنا الحسن أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال:" إلى متى يروي أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم " حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق حدثني عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عروة بن الزبير عن جدته أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" يحل لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه" فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه" فقال الأعرابي ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته فقال: صلى الله عليه وسلم:" إذا رويت كنت أهلك غبوقا من الليل فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك فإنه ميسور كله فليس فيه حرام ومعنى قوله" ما لم تصطحبوا" يعني به الغداء " وما لم تغتبقوا" يعني به العشاء " أو تحتفئوا بقلا فشأنكم بها" فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف يعني قوله أو تحتفئوا على أربعة أوجه: تحفؤا بالهمزة وتحتفيوا بتخفيف الياء والحاء وتحتفوا بتشديد وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف ويحتمل الهمز كذا رواه في التفسير. " حديث آخر" قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبدالله حدثنا الفضل بن دكين حدثنا وهب بن عقبة العامري سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا من الميتة قال: " ما طعامكم " قلنا نصطبح ونغتبق قال أبو نعيم: فسره لي عقبة قدح غدوة وقدح عشية قال: ذاك وأبي الجوع وأحل لهم الميتة على هذه الحال. تفرد به أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع ولا يتقيد ذلك بسد الرمق والله أعلم. " حديث آخر "قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سماك عن جابر عن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده فقال له رجل إن ناقتي ضلت فإن وجدتها فامسكها فوجدها ولم يجد صاحبها فمرضت فقالت له امرأته انحرها فأبى فنفقت فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله قال: لا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال:" هل عندك غنى يغنيك" قال: لا قال:" فكلوها" قال فجاء صاحبها فأخبره الخير فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك. تفرد به وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم. وقوله " غير متجانف لإثم " أي متعاط لمعصية الله فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر كما قال في سورة البقرة " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر لأن الرخص لا تنال بالمعاصي والله أعلم.
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ
Ils t'interrogent sur ce qui leur est permis. Dis: «Vous sont permises les bonnes nourritures, ainsi que ce que capturent les carnassiers que vous avez dressés, en leur apprenant ce qu'Allah vous a appris. Mangez donc de ce qu'elles capturent pour vous et prononcez dessus le nom d'Allah. Et craignez Allah. Car Allah est, certes, prompt dans les comptes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها إما في بدنه أو في دينه أو فيهما استثناه في حالة الضرورة كما قال " وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " قال بعدها: " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير حدثني عبد الله بن لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله: قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس فقال: ليس هو من الطيبات وقوله تعالى " وما علمتم من الجوارح مكلبين " أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله " وما علمتم من الجوارح مكلبين " وهن الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد والجوارح يعني الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباههـا. رواه ابن أبى حاتم ثم قال: وروى عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك وروى عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروى عن علي بن الحسين مثله ثم روى عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله وقرأ قوله " وما علمتم من الجوارح مكلبين " قال: وروى عن سعيد بن جبير نحو ذلك ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي ثم قال: حدثنا هناد حدثنا ابن أبي زائدة أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلافلا تطعمه قلت: والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب فلا فرق وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير واحتج في ذلك بما رواه عن هناد: حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال:" ما أمسك عليك فكل" واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود " فقلت: ما بال الكلب الأسود من الحمار فقال: الكلب الأسود شيطان. وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم قال:" ما بالهم وبال الكلاب اقتلوا منها كل أسود بهيم" وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح من الجرح وهو الكسب كما تقول العرب فلان جرح أهله خيرا أي كسبهم خيرا ويقولون فلان لا جارح له أي لا كاسب له وقال الله تعالى " ويعلم ما جرحتم بالنهار " أي ما كسبتم من خير وشر وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا زيد بن حباب حدثني يونس بن عبيدة حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع عن أبي رافع عن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب فقلت فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت فأنزل الله " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه فيأكل ما لم يأكل" وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن الحباب بإسناده عن أبى رافع قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه فأذن له فقال: قد أذن لك يا رسول الله قال " أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب" قال أبو رافع فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته فجاءوا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأنزل الله عز وجل " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به وقال صحيح ولم يخرجاه وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويمر بن ساعدة فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية أنه في قتل الكلاب وقوله تعالى " مكلبين " يحتمل أن يكون حالا من الضمير في علمتم فيكون حالا من الفاعل ومحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو الجوارح أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها فيستدل بذلك والحالة هذه أن الجوارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره أنه لا يحل كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء ولهذا قاله " تعلمونهن مما علمكم الله " وهو أنه إذا أرسله استرسل وإذا أشلاه استشلى وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه ولهذا قال تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه " فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله حل الصيد وإن قتله بالإجماع وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتلن؟ قال وإن قتلن مالم يشركها كلب ليس منها فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فأصيب قلت له فإنى أرمي بالمعراض الصيد؟ فقال:" إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله" وفي لفظ لهما " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته" وفي رواية لهما " فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه" فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث وحكى عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا. " ذكر الآثار بذلك " قال ابن جرير: حدثنا هناد حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال قال سلمان الفارسي كُلْ وإن أكل ثلثيه يعني الصيد إذا أكل منه الكلب وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر عن قتادة وكذا رواه محمد بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان. ورواه ابن جرير أيضا عن مجاهد بن موسى عن يزيد عن حميد عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم بن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل وإن أكل ثلثيه وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرنا مخرمة بن بكير عن أبيه عن حميد أن مالك بن خيثم الدؤلي أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب فقال: كل و إن لم يبق منه إلا حذيه يعني بضعة ورواه شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن بكير بن الأشج عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: كل وإن أكل ثلثيه وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا داود عن عامر عن أبي هريرة قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه فإن أكل ثلثيه وبه ثلثه فكله وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر قال سمعت عبد الله. وحدثنا هناد حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك أكل أو لم يأكل. وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبى هريرة وابن عمر وهو محكي عن علي وابن عباس واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري وهو قول الزهري وربيعة ومالك وإليه ذهب الشافعي في القديم وأومأ اليه في الجديد. وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعا فقال ابن جرير: حدثنا عمر أن ابن بكار الكلاعي حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاجوني حدثنا محمد بن دينار وهو الطاجي عن أبي إياس - معاوية بن قرة- عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فيأكل ما بقي" ثم قال ابن جرير: وفي إسناد هذا الحديث نظر وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح لكن قد روي هذا المعنى مرفوعا من وجوه أخر فقال أبو داود: حدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك" فقال ذكيا وغير ذكي وإن أكل منه؟ قال نعم وإن أكل منه فقال: يا رسول الله أفتني في قوسي قال:" كل ما ردت عليك قوسك" قال ذكيا وغير ذكي؟ قال وإن تغيب عنك ما لم يصل أو تجد فيه أثرا غير سهمك قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال:" اغسلها وكل فيها" هكذا رواه أبو داود وقد أخرجه النسائي وكذا رواه أبو داود من طريق يونس بن سيف عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك" وهذان إسنادان جيدان وقد روى الثوري عن سماك بن حرب عن عدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" ما كان من كلب ضار أمسك عليك فكل" قلت: وإن أكل قال:" نعم" وروى عبد الملك بن حبيب حدثنا أسد بن موسى عن ابن أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بمثله فهذه آثار دالة على أنه يغتفر وإن أكل منه الكلب وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه كما تقدم عمن حكيناه عنهم. وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدى بن حاتم وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم " فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه" وأما إن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل منه لجزعه فإنه لا يؤثر في التحريم وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني وهذا تفريق حسن وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه النهاية أن لو فصل مفصل هذا التفصيل وقد حقق الله أمنيته وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم وقال آخرون قولا رابعا في المسألة وهو التفرقة بين أكل الكلب فحرم لحديث عدي وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا أسباط بن محمد حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن حماد عن إبراهيم عن ابن عباس أنه قال في الطير إذا أرسلته فقتل فكل فإن الكلب إذا ضربته لم يعد وإن تعلم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب فإذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل وكذا قال إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا المحاربي حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدى بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فما يحل لنا منها ؟ قال:"يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ثم قال: ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك" قلت: وإن قتل قال: " وإن قتل ما لم يأكل" قلت: يا رسول الله وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها قال فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك قال قلت إنا قوم نرمي فما يحل لنا قال:" ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت فكل" فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل ولم يشترط ذلك في البزاة فدل على التفرفة بينهما في الحكم والله أعلم. وقوله تعالى " فكلوا مما أمسكن عليكم وأذكروا اسم الله عليه " أي عند إرساله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك" وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله" ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث وهذا القول هو المشهور عن الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال كما قال السدي وغيره وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله " واذكروا اسم الله عليه " يقول إذا أرسلت جارحك فقل بسم الله وإن نسيت فلاحرج وقال بعض الناس المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: "سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" وفى صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا لاندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال:" سموا الله أنتم وكلوا". " حديث آخر" وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا هشام عن بديل عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم الله فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره" وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون به وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة فإنه لم يسمع منها هذا الحديث بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب أخبرنا هشام يعني ابن أبي عبد الله الدستوائي عن بديل عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم حدثته عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل طعاما في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين فقال:" أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره" رواه أحمد أيضا وأبو داود والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به وقال الترمذي حسن صحيح. " حديث آخر "وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جابر بن صبح حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي وصحبته إلى واسط فكان يسمي في أول طعامه وفي آخر لقمة يقول بسم الله أوله وآخره فقلت له إنك تسمي في أول ما تأكل أرأيت قولك في آخر ما تأكل بسم الله أوله وآخره فقال أخبرك أن جدي أمية بن مخشى وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول إن رجلا كان يأكل والنبي ينظر فلم يسم حتى كان في آخر طعامه لقمة قال بسم الله أوله وآخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه" وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري وثقه ابن معين والنسائي وقال أبو الفتح الأزدي لا تقوم به حجة. " حديث آخر "قال الإمام أحمد: حدثنا الأعمش عن خيثمة عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده وإنا حضرنا معه طعاما ما فجاءت جارية كأنما تدفع فذهبت تضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الشيطان مستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها وجاء بهذا الأعرابي ليستحل فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما" يعني الشيطان وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي حديث الأعمش." حديث آخر "روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء" لفظ أبي داود. " حديث آخر "قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا نأكل وما نشبع قال:" فلعلكم تأكلون متفرقة اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه" ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم.
ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ
«Vous sont permises, aujourd'hui, les bonnes nourritures. Vous est permise la nourriture des gens du Livre, et votre propre nourriture leur est permise. (Vous sont permises) les femmes vertueuses d'entre les croyantes, et les femmes vertueuses d'entre les gens qui ont reçu le Livre avant vous, si vous leur donnez leur mahr avec contrat de mariage, non en débauchés ni en preneurs d'amantes. Et quiconque abjure la foi, alors vaine devient son action, et il sera dans l'au-delà, du nombre des perdants
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات قال بعده " اليوم أحل لكم الطيبات " ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى فقال " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان: يعني ذبائحهم وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت لا أعطي اليوم من هذا أحدا والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة وهذا ظاهر واستدل به الفقهاء: الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله لقوله تعالى " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " قالوا: وهذا ليس من طعامهم واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث وفي ذلك نظر لأنه قضية عين ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما والله أعلم وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه وأثر ذلك في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي أبهره وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمته وكان اسمها زينب فقتلت بشر بن البراء..... ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة يعني ودكا زنخا وقال ابن أبي حاتم قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد أخبرنا محمد بن شعيب أخبرني النعمان بن المنذر عن مكحول قال أنزل الله " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " ثم نسخه الرب عز وجل ورحم المسلمين فقال " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب " فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة بل يأكلون الميتة به بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولي العلماء ونصارى العرب: كبني تغلب وتوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور. وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن أيوب عن محمد بن عبيدة قال: قال علي: لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر وكذا قالت غير واحد من الخلف والسلف. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه يعني في هذه المسألة وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ولكن لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل وقوله تعالى " وطعامكم حل لهم " أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها والأول أظهر في المعنى أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي بن سلول حين مات ودفنه فيه قالوا لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأما الحديث الذي فيه:" لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " فمحمول على الندب والاستحباب والله أعلم. وقوله " والمحصنات من المؤمنات " أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات وذكر هذا توطئة لما بعده وهو قوله تعالى " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء حكاه ابن جرير عن مجاهد وإنما قال مجاهد المحصنات الحرائر فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه ومحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة كما قال في الرواية الأخرى عنه وهو قول الجمهور ههنا وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل:" حشفا وسوء كيلة " والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا كما قال تعالى في الآية الأخرى " محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان " ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " هل يعم كل كتابية عفيفة سواء كانت حرة أو أمة حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة وقيل المراد بأهل الكتاب ههنا الإسرائيليات وهو مذهب الشافعي وقيل المراد بذلك الذميات دون الحربيات لقوله " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " الآية وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى وقد قال الله تعالى " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " الآية وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب حدثنا القاسم بن مالك يعني المزني حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي مالك الغفاري قال نزلت هذه الآية " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " فنكح الناس نساء أهل الكتاب وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " فجعلوا هذه مخصصة في سورة البقرة " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أصل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة " وكقوله " وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا " الآية وقوله " إذا آتيتموهن أجورهن " أي مهورهن أي كما هن محصنات عفائف فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس وقد أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما وترد عليه ما بذل لها من المهر رواه ابن جرير عنهم وقوله " محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان " فكما شرط الإحصان في النساء وهي العفة عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل محصنا عفيفا ولهذا قال غير مسافحين وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ولا متخذي أخدان أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن كما تقدم في سورة النساء سواء ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذه الآية وللحديث لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا سليمان بن حرب حدثنا أبو هلال عن قتادة عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب لقد هممت أن لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك وقد يقبل منه إذا تاب وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " ولهذا قال تعالى ههنا " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ".